على رصيف في بلدة بيتونيا، غربي مدينة رام الله، يجلس محمد باسم، عاطلا عن العمل.
إلى الأمس القريب، كان يتقاضى أجرا يوميا يصل إلى نحو 500 شيقل (نحو 150 دولارا) من عمله المنتظم داخل إسرائيل، أما اليوم، وفي أفضل الظروف، إن وجد فرصة عمل في الضفة الغربية، فلا يتجاوز أجره 100 شيقل، أي خُمس ما كان يتقاضاه في السابق.
حالة محمد انعكاس لأزمة اقتصادية طالت عشرات آلاف العمال الفلسطينيين، بعد أن أوقفت إسرائيل، إثر هجمات 7 أكتوبر 2023، تصاريح دخول معظم العمال الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى سوق العمل الإسرائيلي.
وخلقت هذه الظروف فرصة لظهور سماسرة، جنوا الكثير من المال، لقاء وعود وهمية بإصدار تصريحات عمل داخل إسرائيل، لأشخاص يائسين يبحثون عن إعالة أسرهم.
وفقد أكثر من 200 ألف عامل فلسطيني مصدر رزقهم داخل إسرائيل، منذ هجمات أكتوبر، ما تسبب بأزمة مالية لعائلات اعتادت الاعتماد على دخل شهري منتظم.
وتشير البيانات الرسمية للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ومكتب الإحصاء الإسرائيلي، إلى أن إجمالي العمالة الفلسطينية المسجلة رسميا في إسرائيل، بلغ قبل الحرب نحو 178 ألف عامل، بينما يرتفع الرقم ليشمل أكثر من 200 ألف، بحسب مؤسسات اقتصادية و”الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين”، وكان ثلثا هؤلاء ينشطون في قطاع البناء والتشييد.
يقول أمين عام “اتحاد نقابات عمال فلسطين”، شاهر سعد، لـ”الحرة” إن السوق الرسمي يخلو تماما من أي تصاريح عمل حقيقية جديدة داخل إسرائيل في الوقت الحالي.
ويضيف أن التصاريح التي يعمل بها السماسرة، إما طبية أو لغرض الزيارة، وليست تصريحات عمل، محذرا من التعامل مع هؤلاء.
ويبلغ عدد العمال الفلسطينيين الذين يشتغلون في إسرائيل بشكل رسمي حاليا أقل من 8 آلاف. ويشير سعد إلى أن النقابة تلقت شكاوى عديدة ضد مكاتب وهمية وسماسرة يتعاونون مع محامين لاستغلال حاجة العمال.
ويوضح المستشار القانوني لنقابة العمال العرب في مدينة الناصرة، وهبة بدارنة، في تصريحات لـ”الحرة”، أن المرحلة الراهنة تشهد الكثير من الشائعات والأخبار غير الدقيقة المرتبطة بالسباق الانتخابي والتجاذبات السياسية الإسرائيلية، بعضها مرتبط بسوق العمل.
ويقول بدارنة: “منذ نحو 3 سنوات، هناك عدد كبير من السماسرة يتاجرون بالتصاريح على أنواعها، وهي غير قانونية وغير شرعية، ويستفيد منها السماسرة فقط، وأغلبها مقابل دفعات شهرية، ولكنها مجرد تصاريح دخول وليست تصاريح عمل رسمية”.
وتلقت النقابة مئات الشكاوى، بشأن تصاريح العمل الوهمية، دون إمكانية قانونية لملاحقة من قاموا بإصدارها. وتشير أحدث المعطيات الإسرائيلية إلى أن عدد العمال الفلسطينيين في آخر 6 شهور ارتفع من 8 آلاف إلى 30 ألف عامل، غالبيتهم يدخلون بدون تصاريح.
أحمد نزيه، عامل فلسطيني تضرر بشدة من هذه الممارسات، ولجأ إلى عدة جهات رسمية بعد أن خذله السماسرة، يروي تفاصيل تجربته لـ”الحرة” بكل ما تحمله من مرارة. ويقول: “أنا لا أبحث عن رفاهية، بل عن راتب لأطعم أطفالي”.
وعن سبب لجوئه للوسيط، رغم مخاطر ذلك، يقول: “حاولت أكثر من مرة بطرق رسمية الحصول على فرصة عمل، لكن دون جدوى”.
وكشف أن الوسيط طلب منه مبالغ مالية مقابل متابعة استخراج تصريح العمل المفترض، وأخبره أن عدم الدفع يعني الانتظار طويلا، وربما عدم الوصول إلى شيء.
في المقابل، لم تتوقف مخاوف أحمد من دفع المبالغ التي استدانها من أصدقائه، والبقاء بعد كل ذلك عاطلا عن العمل.
وبعد هجمات 7 أكتوبر، وضعت الإدارة المدنية الإسرائيلية قواعد صارمة للتشغيل، مؤكدة في ردها الرسمي على “الحرة” أن التصاريح تصدر حصرا عبر القنوات الرسمية دون حاجة لدفع أي أموال لوسطاء.
وقالت إن دخول العمال الفلسطينيين للعمل في إسرائيل والمستوطنات يتم وفقا لسياسة المستوى السياسي، وبشرط استيفاء المعايير المحددة واجتياز الفحص الأمني الذي تجريه الجهات المختصة.
لكن الإدارة المدنية اعترفت بوجود خلل خطير: “المشغل الإسرائيلي نفسه قد يتحول إلى سمسار أحيانا إذا استغل حصته المقررة قانونا لبيع ما تبقى منها في السوق السوداء بالشراكة مع جهات فلسطينية بمبالغ تصل إلى 2500 – 3000 شيقل شهريا”.
من جانبها، وضعت وزارة العمل الفلسطينية إطارا تفصيليا لجهودها المتواصلة لمحاربة هذه الظاهرة؛ إذ أشارت إلى تشكيل لجان مشتركة برئاسة المحافظين وعضوية الأجهزة الأمنية، تبعها قرار مجلس الوزراء بتشكيل لجنة وطنية لمحاربة سماسرة التصاريح.
وترصد الوزارة الوسطاء الوهميين بما في ذلك الأفراد ومكاتب التشغيل غير المرخصة ومواقع التواصل الاجتماعي، وترفع قوائم بأسماء هؤلاء إلى وزارة الداخلية للمتابعة.
ورغم تشكيل لجنة قانونية مشتركة في صيف 2023 لصياغة مواد عقابية صارمة، تتضمن غرامات تقترب من 3 آلاف دولار، ومضاعفة العقوبة في حال التكرار، وعقوبات بالحبس، إلا أن الوزارة كشفت أن هذه التعديلات “لم تُقر لغاية الآن لعدم وجود تشريع قانوني سابق يجرم سماسرة التصاريح صراحة.
ويقتصر دور الوزارة حاليا على استقبال عشرات الشكاوى من العمال، مؤكدة أن هذا العدد لا يعكس حجم المشكلة الحقيقي، بل هو نتيجة تخوف بعض العمال من تقديم الشكاوى تحسبا لتعرضهم لمنع أمني يحرمهم نهائيا من دخول إسرائيل.