واشنطن العاصمة 05:12 PM
لماذا ستستمر الحرب مع إيران؟

ماغازين · سبتمبر 2026

لماذا ستستمر الحرب مع إيران؟

أسباب طهران لمواصلة الحرب لا تستند لاعتبارات المصلحة وحدها.

عزالدين شكري فشير

عز الدين فشير روائي وكاتب مصري-أميركي، ومؤلف رواية Nightfall in Cairo، وزميل متميز في كلية دارتموث.

اقرأ بـ English
· 5 دقيقة قراءة

دخلت الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران شهرها السابع، ولا يزال كثير من صانعي السياسات والمعلّقين يغفلون أحد الأسباب الجوهرية التي تفسر الفشل في إنهاءها.

فكثيرون لا يدركون أن السياسة الخارجية الإيرانية لا تحكمها حسابات المصلحة وحدها، بل تخضع أيضا لرؤية إيران للنظام الإقليمي والدولي، وهي رؤية تشكل جزءا من صميم نظامها، وتحدد طريقتها في التعامل مع الأحداث العالمية.

بمعنى آخر، أهداف السياسة الخارجية الإيرانية تنبع من رؤية النظام للعالم، وهي الرؤية التي تستند عليها شرعيته في الداخل وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي.

وتستند هذه الرؤية على فكرة تحرير الأغلبية المسلمة المضطهدة في المنطقة من تحالف الطغيان الذي تقوده، في نظر إيران، الولايات المتحدة “الشيطان الأكبر”، والذي يضم إسرائيل و النظم العربية في الخليج والأردن ومصر.

وترى طهران في هذا التحالف منظومة لقمع شعوب المنطقة ونهب مواردها الطبيعية، وفي مقدمتها النفط، فضلاً عن تهجير الفلسطينيين من أرضهم وإخضاع الشعوب لنظم سلطوية فاسدة.

وبهذا المعنى، فإن الإسلام، في الرؤية الإيرانية، ليس مجرد ديانة بالمعنى الضيق ولا مجرد مصدر للتشريع والأخلاق كما هو الحال، على سبيل المثال، في السعودية.

فالإسلام الثوري، بالنسبة إلى النظام الإيراني، قبل كل شيء، حركة تحرر، عقيدة مناهضة للاستعمار والاستغلال، تهدف إلى تحرير المظلومين والمهمشين. وهذه الرؤية التحررية هي مصدر الجاذبية التي مارستها الثورة الإيرانية تاريخياً على اليسار العالمي.

وتنبع أهداف إيران في السياسة الخارجية والأمنية من هذه الرؤية. فالثورة تسعى إلى تقويض الأنظمة العربية التابعة ودعم الحركات الثورية الأخرى في المنطقة. كما تنظر إلى الموارد الطبيعية للمنطقة باعتبارها ثروة مشتركة لشعوبها، لا ملكاً حصرياً لدول بعينها.

وهي تعمل على عرقلة مساعي المصالحة بين الدول العربية وإسرائيل، وتدعم المقاومة الفلسطينية بهدف نهائي يتمثل في تفكيك المشروع الصهيوني، كما تسعى إلى إخراج الولايات المتحدة من الخليج ومن الشرق الأوسط بشكل عام.

وعلى خلاف الأنظمة الثورية العربية السابقة اللتي تبنت أيديولوجيات شبيهة، مثل نظامي البعث في سوريا والعراق، سعت إيران بجدية لتحقيق هذه الأهداف، وأظهرت قدرات تفوق بكثير ما كان لدى أي من جيرانها العرب.

وبعد اندفاعة الثورة الأولى وأخطائها المبكرة، تعلم النظام الإيراني أن يكيّف سياسته الخارجية مع مقتضيات سلوك الدول، متجنبا الأفعال التي قد تجر عليه متاعب لا ضرورة لها. كما أتقن فن بناء القوة على مدى زمني طويل.

وعقب الغزو العراقي لإيران عام 1980، أعادت طهران صياغة عقيدتها الأمنية، وشرعت، على مدى عقود من العمل المتواصل، في بناء ما يمكن وصفه بـ”القواعد المتقدمة”. وهكذا تمكنت من ترسيخ نفوذ عميق في لبنان والأراضي الفلسطينية في غزة والضفة الغربية، وفي العراق واليمن. وحاولت اتباع النهج نفسه، وإن بدرجات نجاح أقل، في مناطق أخرى.

وأسهم الاستثمار الهائل الذي ضخته إيران في هذه الكيانات في تطورها كحركات اجتماعية تتجاوز بكثير مفهوم “الوكلاء” التقليديين”. وتمكنت كل واحدة منها من بناء جذور اجتماعية عميقة باعتبارها حركة تمثل الفقراء والمهمشين، الأمر الذي أرسى، من وجهة نظر طهران، قاعدة يمكن أن تنطلق منها ثورات مستقبلية على النموذج الإيراني.

وهذا النهج المنضبط والصبور هو نفسه الذي مكّن إيران من تطوير برنامج صاروخي متقدم، رغم نظام العقوبات القاسي الذي فُرض عليها لعقود. وتظهر فعالية هذه الاستراتيجية في حقيقة أن إيران لا تزال قادرة على إطلاق وابل من الصواريخ عبر أنحاء المنطقة، رغم القصف الجوي المكثف الذي تعرضت له من خصومها.

واتبعت إيران نفس النهج لبناء برنامجها النووي طوال العقدين ونصف العقد الماضيين، رغم العقوبات الدولية المشددة وغيرها من أشكال الضغط والحصار. كما اتبعت نفس الأسلوب لبناء  قوتها البحرية، التي طوّرتها بما يتلاءم مع بيئتها الأمنية وقدراتها، رغم محدودية مواردها.

ويتجلى ذلك في تكتيكات “الإغراق” التي تستخدمها قواربها الصغيرة في مواجهة البحرية الأميركية في الخليج، وفي قدرتها على إرباك حركة الملاحة العالمية، وهو المنحى الذي تبناه الحوثيون، المدرجون على قوائم الإرهاب الأميركية، في باب المندب.

وترى إيران والمدافعون عنها أن هذه المنظومة “دفاعية” بالأساس، ويشيرون في ذلك إلى السجل التاريخي الطويل من الاعتداءات التي تعرضت لها إيران، بدءاً من الاستغلال الاستعماري ومحاولات الغزو، مروراً بانقلاب عام 1953 على حكومة مصدق، ثم الغزو العراقي عام 1980، ونظام العقوبات المفروض عليها منذ عقود، وصولاً إلى الحرب الحالية ضدها.

وفي هذا الطرح جانب من الحقيقة. غير أن المنظومة الدفاعية التي تبنيها دولة ما يمكن أن تبدو لجيرانها تهديدا بالغ الخطورة. فإذا كنت تقود دولة خليجية، أو إسرائيل، أو الولايات المتحدة التي تحتفظ بوجود عسكري وسياسي في المنطقة تريد إيران إنهاءه، وتتعرض في الوقت نفسه لضغوط من حلفائها لمساندتهم ضد إيران، فمن الطبيعي أن تنظر إلى هذه المنظومة باعتبارها تهديداً حقيقياً. وهذا هو تحديداً معنى أن يجد طرفان أنفسهما في مسار تصادمي.

وعلى مدى عقود، تمحور السؤال الأساسي حول كيفية التعامل مع هذا المسار التصادمي، وما إذا كان بالإمكان احتواء هذه المواجهة أو تجنبها، أم التسليم بحتمية انفجارها في نهاية المطاف في صورة حرب مفتوحة.

وكانت خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015، المعروفة اختصاراً بـ JCPOA، أهم محاولة لاحتواء هذا الصدام، وتجنبه مع الوقت، إذا أدى الاتفاق، كما كان المتفائلون يأملون، إلى “دمج إيران” في النظام الدولي، وبالتالي إضعاف نزعتها لإعادة صياغة النظام الإقليمي والدولي.

لكن هذا الاتفاق ركز حصريا على البرنامج النووي دون أن يمس بقية جوانب السلوك الإيراني في المنطقة، في الوقت الذي رفع فيه العقوبات، وهو ما أتاح لإيران زيادة قدرتها على تطوير قدراتها غير النووية، بما في ذلك برنامج الصواريخ، والقدرات العسكرية، وتوسيع شبكات عملائها الإقليمية.

ولهذا تحديداً جاءت أشد معارضة للاتفاق النووي من حلفاء الولايات المتحدة داخل المنطقة نفسها، من دول الخليج العربي وإسرائيل.

وعندما أصرت واشنطن على المضي في الاتفاق، لجأ هؤلاء الحلفاء إلى وسائلهم الخاصة لإدارة الصراع. وهو ما ترتب عليه دخول المنطقة في منافسة سعودية-إيرانية حادة مزقتها على مدى عقد كامل، بالتوازي مع الاتفاقات الأبراهيمية التي همشت الفلسطينيين، ودفعتهم إلى مزيد من التشدد، بعدما شعروا، عن حق، أنهم استُبعدوا من المعادلة وتُركوا لمواجهة مصيرهم وحدهم.

ثم جاءت أحداث السابع من أكتوبر، وما أعقبها من حرب غزة والحرب بين إسرائيل وحزب الله، لتدفع هذه التفاعلات إلى ذروتها، وتجعل اندلاع مواجهة مباشرة مع إيران مسألة وقت لا أكثر.

وبالتالي أصبح السؤال الوحيد المطروح أمام الولايات المتحدة هو: أي سياسة ستختارها من هذه اللحظة فصاعداً؟ هل ستقود حلفاءها إلى المعركة؟ أم ستسمح لهم بتوجيه سياستها؟ أم ستقف جانباً وتترك لهم إدارة الصراع بأنفسهم، مع ما قد يترتب على ذلك من تداعيات على الدور الذي تفترضه واشنطن لنفسها باعتبارها القوة القائدة في المنطقة؟

نظريا، يمكن تصور حدوث معجزة دبلوماسية من نوع ما تقنع الجمهورية الإسلامية بالتخلي عن أهدافها الأساسية والتصالح مع العالم المحيط بها. لكن إلى أن تحدث هذه المعجزة، أو يحدث تغيير جوهري مماثل في الشرق الأوسط وفي طبيعة الدور الأميركي فيه، فإن الصراع الراهن سيستمر.

قد يتوقف العنف لفترة، وقد يتغير الدور الأميركي،  لكن الحرب ستستمر.

 الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة