في وقت تستمر فيه المعارك في إقليم تيغراي الإثيوبي، وجهت أديس أبابا اتهامات إلى مصر والسودان وإريتريا بدعم “تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء”.
ويضم التحالف المشكل حديثا قوات جبهة تيغراي وفصائل أخرى مسلحة، ويسعى للإطاحة بحكومة آبي أحمد التي تقود البلاد منذ عام 2018.
وتأتي الاتهامات في ظل تعقيدات سياسية في إثيوبيا بالإضافة إلى تشابك مصالح إقليمية، خصوصا ما يتعلق بالخلافات حول السدود الإثيوبية على نهر النيل وتأثيرها على حصة كل من القاهرة والخرطوم من المياه.
واعتبر رئيس أركان الجيش الإثيوبي المشير برهانو جولا أن “تحالف قوى الشعب الإثيوبي” لا يمكنه خوض المواجهة الحالية دون دعم خارجي.
واتهم مصر والسودان بتوفير الدعم والإمداد للتحالف، فيما اعتبر إريتريا حلقة الوصل بين القوى الخارجية والجماعات المسلحة داخل إثيوبيا.
ونفت مصر الاتهامات الإثيوبية. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية إن بلاده ملتزمة باحترام سيادة الدول، والالتزام بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة.
وأكد مصدر مصري مطلع لـ”الحرة” أن القاهرة ترغب في الحفاظ على استقرار منطقة القرن الأفريقي، خاصة في ظل توتر الأوضاع في البحر الأحمر وباب المندب.
ورفضت القوات المسلحة السودانية بدورها الاتهامات الإثيوبية، معتبرة أنه “لا أساس لها من الصحة”.
بينما ردت الخارجية السودانية باتهامات مضادة، وقالت إنها تمتلك معلومات وأدلة على استمرار أديس أبابا في دعم قوات الدعم السريع التي تقاتل الجيش في السودان، وأن مسيرات انتحارية تنطلق من داخل إثيوبيا باتجاه السودان لهذا الغرض.
وتشهد العلاقات بين مصر والسودان من جانب وإثيوبيا من جانب آخر توترات حادة منذ سنوات بسبب سد النهضة، إذ تتمسك القاهرة والخرطوم بضرورة توقيع اتفاقية ملزمة تنظم فترات ملء السد وآلية تشغيله، وهو ما ترفضه إثيوبيا.
ويقول مصطفى حبشي، الناشط والإعلامي من إقليم تيغراي، في تصريحات لـ”الحرة” إن أديس أبابا لا تملك دلائل تثبت صحة اتهاماتها لمصر والسودان، معتبرا أن فشل الحكومة الاتحادية في احتواء المعارك الأخيرة، وتمددها إلى إقليمين آخرين وراء تلك الاتهامات.
وكانت قوات تيغراي سيطرت مؤخرا على 3 مطارات بالإقليم، وشنت هجمات على القوات الاتحادية في عفر وأمهرة المجاورين.
لكن جماعة مسلحة موالية للحكومة قالت، الاثنين، إن الجيش ومسلحين متحالفين معه سيطروا على بلدة استراتيجية في المنطقة، في تحول جديد لمجرى المعارك بعد هجمات قوات المعارضة.
وتجددت المعارك مؤخرا في إثيوبيا بعد نحو 4 سنوات من انتهاء حرب دموية راح ضحيتها مئات الآلاف من القتلى، وتوقيع اتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022.
لكن تلك التسوية عجزت عن معالجة ملفات أمنية ونزاعات حدودية بقيت عالقة.
وهيمنت جبهة تحرير تيغراي على الائتلاف الحاكم في إثيوبيا لعقود، لكن آبي أحمد حل الجبهة مع وصوله إلى السلطة عام 2018، ورفض قادة تيغراي هذه الخطوة ما أجج الخلافات بين الجانبين.
ويربط رامي زهدي، الخبير في الشؤون الأفريقية، الاتهامات الإثيوبية لمصر والسودان بخلافات سد النهضة والحدود.
ويرى أن النظام الإثيوبي يركز على تسويق فكرة “التدخل الخارجي” باعتبارها تمثل مخرجا شعبيا بمواجهة إثنيات إثيوبية أخرى لم تنضم للتحالف المعارض.
وإلى جانب مصر والسودان، توترت علاقات إثيوبيا مؤخرا مع إريتريا لأسباب استراتيجية من نوع آخر.
وتسعى إثيوبيا منذ سنوات للوصول إلى منفذ على البحر الأحمر، بعدما تحولت إلى دولة مغلقة منذ استقلال إريتريا عام 1993.
وسبق أن قاتلت إريتريا إلى جانب الجيش الإثيوبي خلال المعارك السابقة التي انتهت باتفاق بريتوريا عام 2022.
لكن الخطاب الإثيوبي المستمر عن الحق في الوصول إلى منفذ بحري يثير مخاوف إريتريا، التي تتشارك الحدود مع إقليم تيغراي. وتخشى أسمرة من تحول تلك الطموحات إلى تحركات إثيوبية تستهدف السيطرة على موانئها مثل ميناء عصب.
واستقبل آبي أحمد، الثلاثاء، الرئيس الصومالي الشيخ حسن شيخ محمود لبحث عدد من القضايا الإقليمية، كان على رأسها المحاولات الإثيوبية للوصول إلى منفذ على البحر الأحمر.
ووقعت إثيوبيا مذكرة تفاهم في يناير 2024، مع أرض الصومال، غير المعترف بها دوليا، تٌمنح من خلاله الأخيرة أديس أبابا حق الوصول على ميناء بربرة على البحر الأحمر لمدة 50 عاما.
ورفض الصومال ذلك التفاهم، واعتبره باطلا وعدوانا مباشرا على سيادته وسلامة أراضيه.
وفي ظل التوترات المتصاعدة، توقع رامي زهدي، الخبير في الشؤون الأفريقية، أن تتحرك أطراف إقليمية لحل أزمة إثيوبيا وتجنب امتداد تأثيراتها إلى القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
كما رجح أنور إبراهيم، الكاتب والمحلل السياسي الإثيوبي، أن يدفع الضغط الدولي أطراف النزاع للتفاوض.
لكنه يلفت إلى أن التحالف المعارض لآبي أحمد يضم الآن 7 حركات مسلحة بمواجهة الحكومة، ولذلك فإن التفاوض مع أديس أبابا لم يعد قرارا منفردا لجبهة تحرير تيغراي، وإنما يتطلب موافقة الحركات المسلحة أيضا.