واشنطن العاصمة 05:00 PM

بعد الانسحاب الأميركي.. العراق أمام اختبار داعش وسلاح الفصائل

مرحلة جديدة تختبر قدرة بغداد على ضبط المشهد الأمني وحصر السلاح بيد الدولة.

· 5 دقيقة قراءة
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ورئيس البرلمان هيبت الحلبوسي خلال مراسم رسمية بمناسبة انسحاب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من العراق في 30 سبتمبر 2026

أكملت قوات التحالف الدولي ضد داعش الذي تقوده الولايات المتحدة انسحابها من جميع الأراضي العراقية، الأربعاء، لتنتقل بذلك المسؤولية المباشرة عن مواجهة التنظيم وحماية البلاد إلى القوات الأمنية العراقية.

ومع انتهاء المهمة العسكرية، تبرز أهمية المرحلة التالية وما قد تفرضه من تحديات على قدرة العراق في مواجهة داعش، وعلى التوازن الأمني والسياسي في البلاد، في ظل استمرار نفوذ الفصائل المسلحة الموالية لطهران وتغير طبيعة الوجود الأميركي في العراق.

وكان من المفترض أن يتزامن انسحاب القوات الأميركية مع نزع سلاح تلك الجماعات المسلحة المدعومة من إيران، وهي جماعات تجاهلت إلى حد كبير أو تحدت الدعوات لتسليم أسلحتها. وقد صرح رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بأنه تم تمديد المهلة الزمنية المحددة لنزع سلاحها حتى يونيو 2027.

ويقول الزميل الأول غير المقيم في مبادرة العراق ضمن برامج الشرق الأوسط في المجلس الاطلسي عقيل عباس إن “أكثر الفرحين بهذه الخطوة هم الفصائل المسلحة التي تعتبر ما جرى انتصارا معنويا وسياسيا لها وباتت تقدم نفسها كسبب رئيسي لحصول الانسحاب.”

ويضيف لـ”الحرة”: “قد تكون الفصائل فعلا وراء هذا الانسحاب، لكنه في الوقت ذاته يزيل إحدى حججها الأساسية للبقاء، باعتبارها تقدم نفسها كقوى مقاومة للاحتلال الأميركي وبالتالي يبقى الأهم كيفية تعاطي الحكومة مع الأمر، وما إذا كانت ستضغط عليها للتخلي عن السلاح؟”

ومنذ توليه منصبه هذا العام بمباركة أميركية، تعهّد الزيدي بنزع سلاح الفصائل، معتبرا أن مغادرة التحالف تزيل المبرر الرئيسي الذي تستند إليه هذه المجموعات للاحتفاظ بسلاحها.

وبالفعل أبدت جماعات مسلحة موافقتها على الخطوة، بينها عصائب أهل الحق، المصنفة على قوائم الإرهاب في الولايات المتحدة، لكن جماعات أخرى أكثر قربا من إيران، مثل كتائب حزب الله المصنفة إرهابية من قبل واشنطن، أعلنت رفضها ووضعت عدة اشتراطات من بينها إخراج كل القوات الأجنبية من البلاد.

ويرى السفير الأميركي السابق جيمس جيفري في حديثه لـ”الحرة” أن إيران وحلفاءها العراقيين سيقدمون الانسحاب باعتباره “انتصارا”، وهو ما قد يشجعهم، بحسب تقديره، على زيادة نشاطهم داخل مؤسسات الدولة.

وبالفعل أكدت فصائل عراقية موالية لإيران، الأربعاء، أنها “غير ملزمة بأي توقيت أو اتفاق” بشأن تسليم سلاحها، في ظلّ مساع حكومية للتوصل إلى تفاهم معها وسط ضغوط أميركية متزايدة.

ويقول أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية ببغداد عصام الفيلي إن الانسحاب الأميركي قد يضع الفصائل في موقف أكثر حرجا بعدما استخدمت الوجود الأميركي مبررا لبقائها، لكنه لا يتوقع أن تتخلى هذه الجماعات بسهولة عن سلاحها، مشيرا إلى ارتباط بعضها بمرجعيات وأطر عقائدية تتجاوز القرار السياسي العراقي، في إشارة منه إلى إيران.

ويحذر الفيلي من أن شعور الفصائل بزيادة قوتها بعد الانسحاب الأميركي قد يدفعها إلى محاولة توسيع نفوذها السياسي والأمني.

وأعلنت القيادة المركزية الأميركية، الأربعاء، اكتمال مغادرة آخر القوات والمعدات من قاعدة أربيل، منهية مهمة “عملية العزم الصلب” في العراق، في إطار الانتقال إلى علاقة دفاعية ثنائية بين بغداد وواشنطن.

وقالت القيادة إن مهمة التحالف لمكافحة داعش مستمرة من مقرها الجديد في الأردن، بما يشمل العمليات ضد التنظيم في سوريا.

وكانت القوات الأميركية قد انسحبت في وقت سابق من قاعدة عين الأسد في الأنبار وقواعد أخرى متفرقة في أنحاء العراق كانت تضم معظم أفراد القوات الأميركية وقوات التحالف -البالغ عددهم الإجمالي 1500 فرد.

ويُنهي هذا الانسحاب اتفاقا أبرمته إدارة الرئيس الأميركي جو بايد بايدن عام 2024 يقضي بسحب كافة الأفراد العسكريين الأميركيين من العراق بحلول العام الجاري.

وفي حين قوبل الانسحاب بترحيب من الجماعات المدعومة من إيران، فإنه أثار مخاوف لدى عراقيين آخرين، لا سيما في إقليم كردستان، حيث يخشى الكثيرون من تصاعد هجمات الجماعات المرتبطة بإيران، التي قد تزداد جرأة بعد رحيل القوات الأميركية.

يقول جيفري: “لقد اعتمد الأكراد بشكل مباشر على الجيش الأميركي في الدفاع الجوي ضد الهجمات الإيرانية وهجمات الوكلاء، وكذلك على الوجود العسكري كإشارة نفسية إلى الالتزام الأميركي تجاه إقليم كردستان، الآن اختفى هذا الوجود.”

ويتفق عباس مع هذا الطرح بالإشارة إلى أن الانسحاب الأميركي سيترك “الأكراد مكشوفين” أمام هجمات إيران والفصائل الموالية لها في العراق، نتيجة سحب منظومات الدفاع الجوي الأميركية والغربية من الإقليم.

وبالإضافة لملف الفصائل الموالية لإيران، هناك أيضا تنظيم داعش الذي لم يعد ينفذ هجمات واسعة أو يسيطر على أراضٍ، لكنه حافظ خلال عام 2026 على قدرة محدودة على تنفيذ هجمات متفرقة، خصوصا في كركوك وصلاح الدين والأنبار ونينوى وديالى.

في عام 2014، اجتاح التنظيم مساحات واسعة من العراق وسوريا، مما دفع الولايات المتحدة لتشكيل تحالف دولي لمحاربته بناء على طلب من الحكومة العراقية آنذاك. وكانت القوات الأميركية قد انسحبت من البلاد عام 2011.

ويعتقد جيفري أن تأثير انتهاء المهمة على الحرب ضد داعش، الذي تصنفه واشنطن جماعة إرهابية، سيكون محدودا، على اعتبار أن التنظيم أصبح “ظلا لما كان عليه سابقا” وأن لدى العراق قوات كبيرة تتمتع بخبرة في قتاله.

ويشير السفير الأميركي السابق إلى أن الانسحاب العسكري لا يعني انتهاء كل أشكال الدعم الأميركي، إذ ستستمر واشنطن في تقديم المعلومات الاستخباراتية والتنسيق والتدريب والتجهيز وغيرها من أشكال الدعم، رغم مغادرة القوات الأميركية العراق.

وتتفق هذه الصورة مع تقييمات حديثة لنشاط داعش. فقد قالت مجموعة “ACLED” الأميركية المتخصصة في جمع وتحليل بيانات النزاعات والعنف السياسي حول العالم في سبتمبر إن نشاط التنظيم في العراق وصل إلى أدنى مستوياته، وإن قدرته تتركز حاليا في خلايا متفرقة في الأنبار ونينوى وصلاح الدين وجبال حمرين، مع استمرار قدرته على تنفيذ هجمات محدودة باستخدام العبوات الناسفة وعمليات خطف وهجمات متفرقة على القوات الأمنية والمدنيين.

ويقول عباس إن منع التنظيم من استعادة قدرته يتطلب استمرار التعاون بين بغداد وإقليم كردستان، خصوصا في المناطق المتنازع عليها أو الفاصلة بين مناطق سيطرة الطرفين، والتي يمكن أن تستغلها خلايا داعش، وخاصة تلال حمرين.

ويحذر الفيلي من أن العراق قد يخسر جزءا مهما من القدرات التي استفاد منها خلال الحرب على داعش، خصوصا في مجال المعلومات والضربات الجوية.

ويقول إن وجود مراكز قيادة وتنسيق دولية كان يساعد القوات العراقية على تبادل المعلومات، فيما لا يمتلك العراق حاليا منظومة رادارات متكاملة توفر المستوى نفسه من القدرة على الرصد الجوي.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة