واشنطن العاصمة 06:09 PM

أمير ولاية آيوا الأميركية

في 1860، عاشت دمشق واحدا من أحلك أيامها، لكن قائدا جزائريا تدخل في بسالة فدافع عن أتباع دين آخر، ثم حظي بتقدير أميركي أبدي.

· 6 دقيقة قراءة

“إلكادر”.. بلدة هادئة في ولاية آيوا الأميركية، لا تتجاوز مساحتها ميلاً مربعاً واحداً، ويقطنها نحو 1200 نسمة.

يشبه شارعها الرئيسي شوارع البلدات الصغيرة الأخرى في الغرب الأوسط الأميركي، إذ يضم متجراً للبقالة يعود إلى القرن التاسع عشر، ومجموعة من المتاجر ومكاتب المحاماة التي تزدان واجهاتها بالأعلام الأميركية، فضلاً عن منازل وملعب ومركز للتراث، كان في السابق جناحا لإيواء وبيع الماشية.

تبدو كل تفاصيل هذا المجتمع، الذي يشكل البِيضُ غالبيته العظمى، عادية تماماً، باستثناء أمر واحد: اسم المدينة “إلكادر”. وهو اختصار لـ “عبد القادر”، وجاء تيمناً بالأمير الجزائري الذي قاوم الاحتلال الفرنسي لبلاده.

وعلى عكس أمور كثيرة طواها النسيان عبر التاريخ، لم ينسَ سكان “إلكادر” أصل اسم مدينتهم غير المألوف.

وبعد مرور أكثر من 175 عاماً على تأسيس البلدة، لا يزال السكان يحتفون برابطهم مع الأمير، إذ خصصوا غرفة في المتحف المحلي أطلقوا عليها اسم “الغرفة الجزائرية”، وأنشأوا متنزهاً يحمل اسم “معسكر”، وهي المدينة الجزائرية الشقيقة لمدينتهم، كما ينظمون جولات سياحية تستعرض تاريخ علاقتهم به.

ومع ذلك، فإن قصة هذا الاسم أعمق وأشمل مما قد تعكسه حديقة عامة، أو غرفة في متحف، أو جولة سياحية، إذ تمتد حكاية “إلكادر” الحقيقية من التخوم الأميركية، وصولاً إلى الجزائر، ثم إلى دمشق شرقاً.

في دمشق، نال الأمير عبد القادر شهرة عالمية ومكانة مرموقة، ليس بسبب مقاومته للمحتلين الأوروبيين لوطنه، بل بسبب تصديه لحشود غاضبة من العرب المسلمين وحمايته للمسيحيين المحاصرين في المدينة.

كان الاثنين 9 يوليو 1860 واحداً من أحلك الأيام في تاريخ دمشق، إذ تدفقت حشود من الرجال المدججين بالسلاح إلى الحي المسيحي في المدينة.

وفي شوارع الحي الضيقة، سارع السكان إلى إغلاق أبواب منازلهم والتحصن داخلها، بحثا عن أي مخبأ، سواء على الأسطح، أو في الأقبية، أو حتى داخل الآبار.

ولجأ آخرون إلى الكنائس والأديرة، لكنهم هوجموا فيها وأُحرقت تلك الأماكن فوق رؤوسهم. كما طالت التهديدات والهجمات القنصليات الدبلوماسية، بما في ذلك القنصلية الأميركية.

وانضم مقاتلون دروز إلى الغوغاء، وتبعتهم حشود غير مسلحة كانت تهتف مطالبةً بقتل المسيحيين وسلبهم وإحراق منازلهم، وهو ما فعلوه بعدما نهبوا المنازل وسلبوا محتوياتها دون رادع.

كانت الاضطرابات بدأت في اليوم السابق، حين دخلت مجموعة من الفتيان المسلمين إلى الحي، وراحوا يرسمون صلبانا على الأرض ويبصقون عليها، أو يربطون الصلبان بكلاب ويطوفون بها في الأرجاء.

ألقت السلطات العثمانية القبض على هؤلاء الفتيان العابثين، وفي صباح اليوم التالي، أعادتهم مكبلين بالسلاسل لتنظيف الشوارع، غير أن مشهد الفتيان المصفّدين أثار غضب مسلمي المنطقة بشكل أكبر.

وحين حلت فترة ما بعد الظهر، كان الغضب قد استشرى في أرجاء المدينة، وعجز المسؤولون عن استعادة النظام. وسواء كان ذلك ناتجاً عن عدم كفاءة، أو لا مبالاة، أو تواطؤ، إذ لا يستطيع أحد الجزم بالسبب، لكن النتيجة كانت واحدة: بقي مسيحيو المدينة محاصرين لعدة أيام عصيبة.

لم يأتِ هذا العنف من فراغ. كان الغضب يختمر في نفوس العامة منذ أربع سنوات، وتحديداً منذ اللحظة التي أصدر فيها السلطان مرسوماً يقضي بتطبيق إصلاحات وتحديثات شاملة.

كان أكثر ما أثار حفيظة الكثيرين هو الوعد بمنح حقوق متساوية لجميع رعايا الإمبراطورية بغض النظر عن ديانتهم. وكان المسيحيون واليهود عاشوا لقرون تحت الحكم العثماني دون التمتع بنفس الوضع القانوني والسياسي للمسلمين.

شرعت تلك الإصلاحات المعروفة بـ “التنظيمات” أي “إعادة التنظيم”، في تغيير ذلك التسلسل الهرمي، ففتحت أبواب الوظائف الحكومية والمدارس الرسمية أمام غير المسلمين، ومنحتهم قدراً أكبر من المساواة أمام القانون. وأدت هذه التغييرات إلى زعزعة النظام الاجتماعي الهش.

وفي منطقة جبل لبنان المجاورة، تصاعدت التوترات بين المسيحيين “الموارنة”، وطائفة “الدروز”، بسبب قضايا تتعلق بالأراضي والضرائب والسلطة السياسية، ودعمت فرنسا الموارنة، بينما ساندت بريطانيا الدروز.

وأدت هذه التوترات في نهاية المطاف إلى اندلاع أعمال عنف واضطرابات، أسفرت عن مقتل الآلاف وتهجير أعداد غفيرة من ديارهم. ولجأ كثير من الناجين إلى دمشق، غير أن العنف لحق بهم حتى في تلك المدينة التي كانوا يأملون أن يجدوا فيها الأمان.

وفي خضم اشتعال النيران في الحي المسيحي، برز رجلٌ ليتصدى للدفاع عن ذلك المجتمع المحاصر. كان قد رصدَ منذ أشهر بوادر الاضطرابات، بل وحذّر القنصلَ الفرنسي والسلطات المحليةَ من خطر داهم، لكن دون جدوى. لذا، قرر أن يتولى الأمر بنفسه، فأعدّ مجموعة صغيرة من المقاتلين، وكان على أهبة الاستعداد حين بدأت أعمال القتل.

كان اسمه عبد القادر.

لم يكن سورياً، ولا مسيحياً، ولم يشغل أي منصب رسمي في دمشق، بل كان مجرد منفيٍّ جزائري، ومسلماً صوفياً سبق له أن قاد جيشاً للتصدي للغزو الفرنسي لوطنه.

كان عبد القادر يتمتع ببنية جسدية قوية وقامة فارعة تثير الدهشة بالنسبة لرجل عُرف بكونه عالماً، وفي الوقت نفسه كان يتمتع بثقافة واسعة واستثنائية قلّما تتوفر لدى الثائرين. 

كان فارساً مغواراً، تُظهره اللوحات المتبقية له مرتدياً رداءً أبيض بملامح وقورة تعكس هيبته. نشأ في كنف عائلة عريقة في العلم والمعرفة، وبحلول سن الرابعة عشرة، كان أتم حفظ القرآن، وكان متوقعا أن يصبح يوما زعيماً روحياً للشعب الجزائري.

غير أن الغزو الفرنسي للجزائر عام 1830 قلب ذلك المستقبل رأساً على عقب. ورغم أنه كان في العشرينيات من عمره، برز عبد القادر قائدا للمقاومة ضد الغزو الاستعماري، إذ وحّد قبائل بلاده المتعددة، وشكّل جيشاً، وخاض به حملة طويلة ضد الاحتلال.

كانت مقاومته مذهلة لدرجة أن الفرنسيين اضطروا في نهاية المطاف إلى التفاوض معه والاعتراف بسلطته على مساحات شاسعة من الجزائر. وفي تلك المناطق، عمل على بناء المؤسسات، وتأسيس نظام إداري، وجباية الضرائب، وتنظيم قوة عسكرية.

وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، تابع الأميركيون باهتمام بالغ حملة عبد القادر، إذ نشرت الصحف أخباراً عن “الأمير الجزائري” الذي يتصدى لإحدى قوى أوروبا العظمى.

وفي عام 1846، أشادت إحدى الصحف الناطقة بالإنجليزية بـ”عبقريته العسكرية وبطولته”. وكان من بين من قرأوا عنه المحامي تيموثي ديفيس، الذي كان يمارس عمله في المناطق الحدودية الأميركية.

بلغ إعجاب ديفيس بعبد القادر حداً جعله يقترح تسمية مستوطنة صغيرة أسسها مع شريكين له على ضفاف نهر “تيركي” في ولاية آيوا في العام نفسه، تيمناً بالزعيم الجزائري.

وهكذا، اكتسبت بلدة “إلكادر” في ولاية آيوا اسمها.

أما في الجزائر، فقد كانت الحرب تأخذ منحى معاكساً للأمير، إذ كثفت فرنسا حملتها العسكرية، وبدأت قواته تضعف، وتخلى عنه حلفاؤه تدريجياً، وفي النهاية لم يتبقَّ أمامه خيار سوى الاستسلام.

ظل عبد القادر رهن الأسر الفرنسي لسنوات، إلى أن أعلن نابليون بونابرت بنفسه إطلاق سراحه عام 1852. وانتقل بعدها إلى دمشق آملاً في عيش حياة هادئة كمواطن عادي.

لكن التاريخ عاد ليقلب خططه رأساً على عقب.

فعندما امتدت أعمال العنف من جبل لبنان نحو دمشق، دعا عبد القادر إلى التهدئة. وراح مع أتباعه الجزائريين يجوبون دمشق لإنقاذ المسيحيين، حيث نقلوهم أولا إلى منزله، ثم إلى منازل جزائريين منفيين آخرين. ومع تزايد أعدادهم، نُقل الآلاف منهم مع مرافقة وحماية إلى قلعة دمشق، حيث بقوا تحت رعايته.

لاحقت الحشود الغاضبة اللاجئين إلى القلعة، وهناك واجهوا عبد القادر وجهاً لوجه. حيث ندد بعمليات القتل واعتبرها انتهاكاً لتعاليم الإسلام، وتساءل مستنكراً، كيف يمكن لأي مسلم أن يسفك دماء النساء والأطفال؟

وأسبغ حمايته على من لجأوا إليه وأعلنهم ضيوفاً عليه، محذراً المهاجمين من مغبة مسهم بسوء طالما أن جنوده الجزائريين موجودون للدفاع عنهم.

اعترض بعض أفراد الحشد على عبد القادر، وذكروه بأنه هو نفسه كان قد قتل أعداداً لا تحصى من المسيحيين خلال الحرب في الجزائر. لكنه أوضح أن من قتلهم كانوا غزاةً مسلحين، وليس هؤلاء المواطنين العاديين العُزّل من سكان المدينة.

انتشرت أخبار ما فعله عبد القادر بسرعة في أنحاء أوروبا وخارجها. وفي أميركا عاد اسمه يتردد من جديد، ولكن في سياق مختلف، فبعدما عرفه الأميركيون قبل 14 عاماً محاربا قاوم الغزو الاستعماري الفرنسي، صاروا يقرؤون الآن عن الرجل نفسه بصفته حامياً للمسيحيين في أصقاع بعيدة.

وفي أكتوبر 1860، نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقالاً بعنوان “عبد القادر والولايات المتحدة”، قالت فيه إن الحكومة الأميركية تعتزم إرسال بادرة تقدير له بعد ما فعله في دمشق.

وقالت الصحيفة إنه بالنسبة لعبد القادر، يُعد هذا بالفعل فصلاً من المجد.. المجد الحقيقي.

وكانت الهدية، التي أرسلها الرئيس جيمس بيوكانِن، مسدسين من طراز كولت مرصعين بالفضة في علبة مزخرفة كُتب عليها “من رئيس الولايات المتحدة الأميركية إلى سعادة السيد عبد القادر، 1860”.

أما فرنسا، عدوته السابقة اللدود، فقد منحته الوشاح الأعظم من وسام جوقة الشرف الفرنسي.

ومازال إرثه حياً في مدينة “إلكادر” حتى يومنا هذا، بينما تجمع دولتين، يفصلهما محيط، رابطة فريدة صاغتها شجاعة إحداهما وتقدير الأخرى.

ولا يزال سكان إلكادر يكرمون المحارب الجزائري الذي وقف في وجه أتباع دينه للدفاع عن أتباع دين آخر.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة