واشنطن العاصمة 02:10 PM

تجنيد الحريديم.. قضية كل انتخابات في إسرائيل

الخلاف بشأن تجنيد الحريديم تجاوز الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار، وأصبح عاملا مؤثرا في تشكيل الائتلافات الحكومية في إسرائيل

اقرأ بـ English
· 4 دقيقة قراءة
جندي إسرائيلي يلفّ لفيفة صلاة يهودية (تفيلين) حول ساعده، بينما يقف بجوار رجال من اليهود الحريديم عند حائط البراق، أقدس مواقع الصلاة في اليهودية، في البلدة القديمة بالقدس، 22 فبراير 2012. رويترز
جندي إسرائيلي يلفّ لفيفة صلاة يهودية (تفيلين) حول ساعده، بينما يقف بجوار رجال من اليهود الحريديم عند حائط البراق، أقدس مواقع الصلاة في اليهودية، في البلدة القديمة بالقدس، 22 فبراير 2012. رويترز

تدخل إسرائيل انتخابات 27 أكتوبر وقضية تجنيد الحريديم في مقدمة حسابات تشكيل الحكومة المقبلة، مع حاجة الجيش إلى مزيد من الجنود وتمسك الأحزاب الدينية بإعفاء طلاب المعاهد من الخدمة العسكرية.

والحريديم تيار من اليهود الملتزمين دينيا، يتمسكون بتطبيق صارم للشريعة والتقاليد اليهودية، ويولي كثير منهم دراسة التوراة في المعاهد الدينية مكانة مركزية في حياتهم.

ويُقدّر عدد الرجال الحريديم المؤهلين للتجنيد بنحو 100 ألف، فيما يصل نحو 13 ألف شاب منهم إلى سن التجنيد سنويا، وفق معهد الديمقراطية الإسرائيلي.

وتعود جذور الترتيبات التي سمحت لطلاب المعاهد الدينية بتأجيل الخدمة العسكرية إلى السنوات الأولى بعد قيام إسرائيل عام 1948، عندما وافق رئيس الوزراء آنذاك ديفيد بن غوريون على إعفاء نحو 400 طالب من الخدمة لإتاحة المجال لإعادة إحياء دراسة العلوم الدينية اليهودية.

واتسع نطاق الإعفاءات خلال العقود التالية.

وفي عام 2002، أقر الكنيست ما عُرف بـ”قانون طال” لتنظيم تأجيل الخدمة، لكن المحكمة العليا أبطلته عام 2012، معتبرة أن تطبيقه لم يحقق المساواة في تحمل أعباء الخدمة العسكرية.

وأقر الكنيست لاحقا ترتيبات مؤقتة أخرى، قبل أن ينتهي الإطار القانوني لها عام 2023 من دون إقرار قانون جديد.

وفي يونيو 2024، قضت المحكمة العليا الإسرائيلية بعدم قانونية استمرار الإعفاء الشامل لطلاب المعاهد الدينية، مؤكدة وجوب تطبيق قانون التجنيد عليهم. ثم في سبتمبر 2026، ألغت المحكمة قانونا كان يحمي طلاب المعاهد الدينية الحريديم من الاعتقال والملاحقة بسبب التهرب من التجنيد.

وتزامن ذلك مع ضغوط متزايدة على الجيش الإسرائيلي.

وخلال نقاش للجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست في مايو 2026، قال مسؤول في تخطيط القوى البشرية في الجيش إن القوات تعاني نقصا بنحو 12 ألف جندي، أكثر من نصفهم في مهام قتالية، وقد يرتفع العدد إلى 17 ألفا بحلول يناير 2027.

وتشير بيانات معهد الديمقراطية الإسرائيلي إلى محدودية الاستجابة للتجنيد، إذ التحق بالجيش 798 شابا حريديا فقط من نحو 24 ألفا تلقوا أوامر أولية خلال سنة التجنيد 2024.

وفي أحدث حصيلة سنوية متاحة، أفادت صحيفة “يديعوت أحرونوت” في يوليو 2026 بأن عدد الحريديم الذين التحقوا بالجيش تجاوز أربعة آلاف خلال العام الممتد حتى يوليو 2026، بينهم نحو ألف جرى تجنيدهم في وحدات قتالية، مقارنة بنحو 2800 في العام السابق.

ويرى كوبي مايكل، الباحث في معهدي دراسات الأمن القومي وميسغاف الإسرائيليين، أن الحرب بعد 7 أكتوبر جعلت القضية أكثر حساسية، مع استمرار الضغط على القوات النظامية والاحتياط، معتبرا أن تجنيد الحريديم يمكن أن يساعد في توسيع قاعدة القوى البشرية المتاحة للجيش.

مواقف الأحزاب

ويعارض حزبا “شاس” و”يهدوت هتوراه” الحريديان فرض التجنيد الإلزامي، ويتمسكان بإعفاء طلاب المعاهد الدينية باعتبار دراسة التوراة التزاما دينيا.

ويمتلك الحزبان 18 مقعدا في الكنيست الخامس والعشرين، بواقع 11 مقعدا لشاس و7 ليهدوت هتوراه، ما يمنحهما ثقلا مهما في تشكيل الائتلافات الحكومية.

وفي يوليو 2025، أعلنت كتلة “يهدوت هتوراه” أنها لن تدعم الائتلاف ما لم يُقدَّم مشروع قانون ينظم وضع الطلاب الحريديم.

وفي أكتوبر 2026، أعلن زعيم حزب “شاس” أرييه درعي أن حزبه لن يشارك في الحكومة المقبلة أو يدعمها ما لم يُحسم الوضع القانوني لطلاب المعاهد الدينية.

ويربط مايكل صعوبة التوصل إلى تسوية بتنامي النفوذ السياسي للحريديم، إذ عززت قوتهم البرلمانية قدرة قياداتهم على التأثير في قرارات الائتلافات، بما في ذلك التشريعات المتعلقة بالتجنيد.

ويشكّل الحريديم 13.9% من سكان إسرائيل، لكنهم يمثلون 10.5% فقط من نحو 6.5 مليون ناخب مؤهل للتصويت يقيمون داخل البلاد، بحسب بيانات مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي.

أما أحزاب اليمين الأخرى، فتتباين مواقفها بشأن حجم التجنيد وآلياته.

فالليكود يدعم تجنيد الحريديم تدريجيا، مع توفير أطر عسكرية تراعي خصوصيتهم الدينية وتسمح بمواصلة دراسة التوراة.

ويدعم حزب “قوة يهودية”، بزعامة إيتمار بن غفير، دمج الحريديم في الشرطة وحرس الحدود ضمن أطر تراعي التزاماتهم الدينية، فيما يؤيد حزب “الصهيونية الدينية”، بزعامة بتسلئيل سموتريتش، توسيع نطاق التجنيد ومنح من يؤدون الخدمة العسكرية والاحتياط أولوية في بعض المزايا.

وتتفق الأحزاب الثلاثة على تجنيد الحريديم الذين لا يتفرغون لدراسة التوراة، من دون تأييد فرض الخدمة على جميع طلاب المعاهد الدينية.

وعلى جانب المعارضة، تدعو أبرز الأحزاب إلى إنهاء الإعفاءات الواسعة، مع اختلافها بشأن الاستثناءات وآليات التنفيذ.

وقال يائير لابيد، زعيم حزب “يش عتيد”، ونفتالي بينيت، رئيس حزب “معا”، إنهما يرفضان تقديم تنازلات للأحزاب الحريدية في هذا الملف.

وتعهد بينيت بتجنيد الجميع من دون استثناءات، فيما يقترح غادي آيزنكوت، رئيس حزب “ياشار”، السماح باستثناء نسبة محدودة من طلاب المعاهد الدينية تصل إلى 3% من كل دفعة سنوية، وفق آلية اختيار محددة.

أما يائير غولان، زعيم حزب “الديمقراطيون”، فيدعو إلى توسيع التجنيد ووقف تمويل المؤسسات التي يشجع طلابها التهرب من الخدمة، فيما يدعو حزب “إسرائيل بيتنا” إلى إلزام جميع الشباب بالخدمة العسكرية أو المدنية.

ويرى مايكل أن الخلاف بشأن تجنيد الحريديم تجاوز الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار، وأصبح عاملا مؤثرا في تشكيل الائتلافات وقدرتها على الاستمرار.

ومع اقتراب الانتخابات، لا يتعلق الخلاف فقط بعدد الحريديم الذين سينضمون إلى الجيش، بل أيضا بالشروط التي قد تضعها الأحزاب الحريدية للمشاركة في الحكومة المقبلة، وبمدى قدرة أي ائتلاف جديد على تمرير قانون ينظم واحدة من أكثر القضايا حساسية في السياسة الإسرائيلية.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة