تدخل المنطقة مرحلة تُقاس فيها القوة بقدرة أصحابها على مواصلة الصراع وتجديد أدواته. فالدولة قد تنجح في اعتراض معظم الهجمات، وتظل مضطرة إلى إنفاق موارد كبيرة لحماية مطاراتها وموانئها ومنشآتها. والجماعة المسلحة قد تخسر قادة ومخازن ومنصات، ثم تحتفظ بما يكفي لتعطيل الملاحة وإرباك الاقتصاد وفرض حضورها على طاولة التفاوض. وبين هذين الواقعين تتشكل المعضلة الجديدة لأمن الخليج.
الاتجاه الذي يستحق الانتباه هو انتقال مركز الثقل نحو القدرة على الاحتمال. باتت معركة الإرادات تُخاض عبر كلفة التأمين، وانتظام الرحلات، وسلامة طرق التصدير، وثقة المستثمرين، بقدر ما تُخاض بالصواريخ والمسيّرات. ويستطيع طرف أضعف عسكريا أن يحقق أثرا سياسيا واسعا إذا أجبر خصمه على العيش في حالة استعداد مكلفة وممتدة.
في هذا النوع من الصراعات، يصبح الزمن موردا استراتيجيا. الجماعات المسلحة تراهن على أن استمرار التهديد سيضغط على الحكومات لتعديل أولوياتها، بينما تحتاج الدول إلى حماية اقتصادات مرتبطة بالعالم، تتأثر سريعا بتغير تقديرات المخاطر. ولا تحتاج كل ضربة إلى إصابة هدفها حتى تترك أثرا؛ فاحتمال تكرارها قد يكفي لدفع شركة طيران إلى مراجعة رحلاتها، أو مستثمر إلى تأجيل مشروعه.
وتكشف الحالة الحوثية عمق هذا التحول. فتقييم قدرتها الهجومية يتطلب متابعة المخزون، والخبرات الفنية، والإمداد الخارجي، والتجميع المحلي، وشبكات الشراء. هذه العناصر تمنح الجماعة، التي تصنفها واشنطن منظمة إرهابية، قدرة متفاوتة على تعويض خسائرها، وتجعل أثر الضربات مرتبطا بالمدة التي تستغرقها لاستعادة نشاطها.
من هنا، يصبح السؤال الأهم بعد كل حملة: كم من الوقت يحتاج الخصم حتى يعيد بناء القدرة التي فقدها؟ استمرار الإطلاق قد يعتمد على ذخائر سابقة، وتراجع الهجمات قد يعكس حسابات سياسية أو اقتصادا في استخدام المخزون. أما الحكم على تراجع القوة بصورة مستدامة فيحتاج إلى متابعة أطول، تربط حجم الهجمات ونوعيتها بقدرة الجماعة، المدعومة من إيران، على تعويض الأسلحة والمكونات والخبرات.
لهذا التحول دلالة على السياسة تجاه إيران أيضا. تبقى طهران مصدرا مهما للتصاميم والمعرفة والإسناد، لكن شبكات القوة المرتبطة بها اكتسبت خبرات ومصالح محلية وطرقا متعددة للحصول على احتياجاتها. وقد تمنحها هذه الخبرة هامشا أوسع للمبادرة، مع استمرار اعتمادها على إيران في مجالات أخرى.
وعليه، فإن أي تفاهم مع طهران يحتاج إلى اختبار أثره في ساحات نفوذها. قدرة إيران على تشجيع التصعيد مسألة، وقدرتها على ضمان التزام جميع شركائها بتسوية طويلة الأمد مسألة أخرى. وبينهما تقع حسابات الجماعات المحلية، التي قد ترى في استمرار التوتر وسيلة لحماية سلاحها ونفوذها وموقعها داخل بلدانها.
ويقدم العراق صورة أخرى لهذا التعقيد. فقد يخفض فصيل مسلح نشاطه العلني، بينما يحتفظ بالتمويل والبنية التنظيمية ومرافق التدريب والتخزين. وقد تنتقل بعض العمليات إلى خلايا أصغر أو أسماء واجهة، بما يتيح الفصل بين المكاسب السياسية للفصيل ومسؤوليته الظاهرة عن استخدام القوة.
لذلك، تحتاج قراءة التهدئة إلى فحص ما يحدث داخل المؤسسات وشبكات السلاح. فهل أصبحت الدولة أقدر على فرض قراراتها؟ وهل خضعت الموارد والتشكيلات المسلحة لقيادة موحدة؟ أم أن انخفاض الهجمات منح القوى المسلحة وقتا لترسيخ استقلالها داخل أجهزة الدولة؟ هذه الأسئلة تحدد قيمة الهدوء، ومدى قابليته للاستمرار.
بالنسبة إلى الخليج، تتقاطع الساحات اليمنية والعراقية والإيرانية عند مشكلة واحدة: قدرة جهات متعددة على التأثير في أمن المنطقة، من دون أن تتحمل جميعها كلفة التصعيد أو مسؤولية التسوية بالقدر نفسه. وقد تتزامن تهديداتها وتتكامل آثارها الاقتصادية، حتى عندما يصعب إثبات وجود قيادة عملياتية واحدة تدير كل واقعة.
هذا الواقع يفرض تطوير أدوات الاستجابة. فالضغط العسكري يحتاج إلى عمل دبلوماسي ومالي وتجاري يتتبع قنوات الشراء والتمويل، ويحدد المكونات التي يصعب استبدالها، ويعطل الوسطاء الذين يعيدون وصل ما تقطعه الضربات. وتظهر فاعلية هذا الضغط حين ترتفع كلفة التعويض وتتأخر الإمدادات وتتراجع موثوقية السلاح.
وفي المقابل، تحتاج الدول الخليجية إلى تعزيز قدرتها هي على التجدد. سرعة إصلاح المنشآت، وتوافر قطع الغيار والذخائر، ومرونة تشغيل المطارات والموانئ، وتعدد مسارات التصدير، كلها عناصر تؤثر في حسابات الخصم. فكلما استعادت الدولة وظائفها بسرعة، انخفض العائد السياسي والاقتصادي المتوقع من مهاجمتها.
وتبرز هنا مسألة طالما تراجعت خلف الاهتمام بالمنصات المتطورة: استمرارية الحياة الاقتصادية أثناء الأزمة. حماية المنشأة تشمل قدرتها على مواصلة العمل أو العودة إليه سريعا. ونجاح مسار بديل للتصدير يُقاس بحجمه وكلفته واستدامته، وبقدرته على تحمل تهديدات جديدة. فالتحول من هرمز إلى البحر الأحمر، مثلا، يخفف انكشافا جغرافيا، لكنه يستدعي منظومة حماية تمتد عبر ساحات أخرى.
وتُختبر التحالفات الجديدة بالمعيار نفسه. قيمتها العملية تتحدد بقدرتها على تبادل الإنذار المبكر، وتأمين الإمداد والصيانة، وتوزيع المسؤوليات خلال أزمة طويلة. كما تحتاج إلى توافق على حدود الالتزام والهدف السياسي، لأن الحلفاء قد يتفقون على الدفاع عن أراضي دولة، ثم يختلفون على طبيعة الحرب التي ينبغي خوضها خارجها.
في اليمن خصوصا، تتصل استدامة الأمن الخليجي بقدرة القوى اليمنية على بناء سلطة قابلة للحياة. توحيد القرار العسكري، وإدارة الموارد، وتثبيت الأمن في المناطق المستعادة، شروط لحماية أثر أي تقدم ميداني. فالانقسامات تفتح للخصم منافذ يستعيد عبرها النفوذ والإمداد، وتبدد مكاسب يصعب تعويض كلفتها.
المنطقة تتجه إلى اختبار قدرة الدول على تحويل تفوقها إلى أمن يستمر. وستكون الأفضلية لمن يستطيع حماية اقتصاده، وتجديد موارده، وتنظيم تحالفاته، وربط القوة بهدف سياسي واضح. أما الاكتفاء بإدارة كل هجوم منفرد، فيترك للمهاجم فرصة تحديد إيقاع الأزمة.
يبدأ أمن الخليج من اعتراض التهديد، ويترسخ حين تصبح إعادة إنتاجه أصعب، وتصبح قدرة المجتمعات والاقتصادات على الاستمرار أكبر. عندها يفقد الاستنزاف جاذبيته، ويجد الخصم أن إطالة الصراع تضيق خياراته بدل أن توسعها.