قبل أيام قليلة من الانتخابات العامة المقررة في 27 أكتوبر، والتي يعتبرها كثير من الإسرائيليين مفصلية، أعلن جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك) أن حملة تأثير أجنبي تستهدف الانتخابات عبر تأجيج الانقسامات وإضعاف تماسك المجتمع الإسرائيلي.
وفي 22 أكتوبر، قال الشاباك إنه تمكن من تحديد عدد من حسابات التواصل الاجتماعي التي حاولت التأثير في الانتخابات الإسرائيلية، وحذَفَها، وذلك بالتشاور مع الدائرة السيبرانية التابعة للنيابة العامة ولجنة الانتخابات المركزية.
ولم يحدد الشاباك الدول التي تقف وراء هذه الحسابات، لكن إيران هي المشتبه به الرئيسي.
وتتشابه هذه الأساليب إلى حد كبير مع ما وثقته أجهزة الاستخبارات الأميركية خلال الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2020، عندما خلصت بدرجة عالية من الثقة إلى أن إيران نفذت حملة تأثير استهدفت فرص إعادة انتخاب الرئيس دونالد ترامب. ويقول باحثون إسرائيليون إن الهدف هذه المرة لا يتمثل بالضرورة في ترجيح كفة مرشح بعينه، بقدر ما يهدف إلى تعميق الانقسامات داخل إسرائيل. ويحذر الباحثون من أن المرحلة الأكثر حساسية قد تبدأ بعد إغلاق صناديق الاقتراع. وفي المقابل، ترى وسائل إعلام إيرانية موالية للنظام أن أي حكومة إسرائيلية لن تغير نهجها تجاه إيران.
ولا يزال توقيت بدء التدخل المفترض غير واضح، لكن القناة 13 الإسرائيلية أفادت في 27 يوليو بأن رئيس الشاباك، ديفيد زيني، حذر كبار المسؤولين الإسرائيليين من محاولات تقوم بها إيران وروسيا والصين لتعطيل الانتخابات، وصنف التدخل الخارجي باعتباره ثاني أكبر مصدر للقلق لدى الجهاز، بعد خطر وقوع هجمات إرهابية كبرى.
وفي 20 أكتوبر، أي قبل أسبوع من الانتخابات، ذكرت صحيفة يديعوت أحرونوت أن الشاباك أنشأ فريقا متخصصا لحماية نزاهة الانتخابات، يعمل بالتعاون مع لجنة الانتخابات المركزية والشرطة. واعتبر الجهاز التأثير الأجنبي، بما يشمل العمليات السيبرانية وحسابات النشر الآلي على وسائل التواصل الاجتماعي، تهديدا كبيرا للعملية الانتخابية، مؤكدا أنه اتخذ بالفعل إجراءات لمواجهته.
كيف تعمل هذه الحسابات؟
يوثق تقرير نشره معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) في 22 أكتوبر أنشطة يُشتبه في ارتباطها بإيران، استهدفت التدخل في الانتخابات الإسرائيلية.
وبحسب التقرير، لا تبدو حسابات التواصل الاجتماعي أجنبية المنشأ؛ فهي تنشر باللغة العبرية وتقدم نفسها على أنها حسابات لإسرائيليين. أما صور الملفات الشخصية، فإما مسروقة أو مولدة باستخدام الذكاء الاصطناعي.
وحددت شركة “غولدن أول” (Golden Owl)، المتخصصة في استخبارات المصادر المفتوحة والمشار إليها في تقرير المعهد، شبكة من الحسابات على منصة إكس.
ووفقا للشركة، أظهر 157 حسابا مؤشرات على ارتباطها بإيران. وكانت الحسابات التي جرى تحديدها إما موجودة داخل إيران، أو تستخدم النسخة الإيرانية من التطبيق.
وكان أحد الحسابات ينشر تعليقات باللغة الفارسية حتى أبريل 2026، قبل أن يبدأ بعد ذلك النشر باللغة العبرية والتظاهر بأنه حساب إسرائيلي.
ويشير التقرير إلى أن كثيرا من هذه الحسابات لم يكن لديها عدد كبير من المتابعين، بل كانت تنشر تعليقات أسفل منشورات السياسيين والصحفيين والحسابات الإسرائيلية ذات الجمهور الواسع.
ويصف التقرير هذه الاستراتيجية بـ “زرع التعليقات في الردود” (reply seeding).
ولا تتجه الرسائل المنشورة بالضرورة نحو موقف سياسي واحد.
فقد نشرت شبكة وثقها التقرير رسائل تؤيد حملة الحريديم، وهم اليهود المتشددون دينيا، ضد الخدمة العسكرية، بينما كانت تهاجم المجتمع الحريدي نفسه في الوقت ذاته.
ويرى معهد دراسات الأمن القومي أن تضارب الرسائل يشير إلى أن العملية لا تستهدف الترويج لموقف سياسي محدد، بل يبدو أنها تسعى إلى تأجيج أي انقسام قائم بالفعل. وفي هذه الحالة، يتعلق الأمر بالخلاف بشأن أداء الحريديم الخدمة العسكرية. وطرح المعهد أيضا احتمالا ثانيا، وهو أن المنشورات المتناقضة صدرت عن شبكات مختلفة لا تنسق فيما بينها.
ورصد الباحثون كذلك محاولات للتواصل المباشر مع ناشطين سياسيين، شملت عروضا لإعداد لافتات للاحتجاجات، وتنظيم مسابقات بجوائز، وطلب توثيق أنشطة معينة. وفي إحدى الحالات، حاولت الحسابات التواصل مع صحفيين عبر مجموعة على تطبيق واتساب. كما عرض أحد الحسابات المرتبطة بإيران دفع أموال لإسرائيليين مقابل تنفيذ أعمال.
واستنادا إلى تقييم معهد دراسات الأمن القومي، تسعى إيران إلى تعميق الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي وتقويض “ثقة الجمهور الإسرائيلي وقدرته على الصمود اجتماعيا بمرور الوقت”، وهو ما سيعد إنجازا من وجهة نظرها، بصرف النظر عن الفائز في الانتخابات.
بالنسبة لإيران.. لا فرق بين المرشحين
في 24 أكتوبر، ذكرت وكالة نور نيوز، المرتبطة بالمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، أنه على الرغم من الخلافات بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومنافسيه، فإن المعسكرين يتفقان عموما على الحفاظ على التفوق العسكري والاستعداد لاستخدام القوة ضد إيران. وأضافت الوكالة أنه حتى لو خسر نتنياهو الانتخابات، فلن يطرأ أي تغيير جوهري على موقف إسرائيل تجاه إيران.
أما وكالة تسنيم، المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، الذي تصنفه وزارة الخارجية الأميركية منظمة إرهابية أجنبية، فقالت إن الخلافات بين غادي آيزنكوت، أحد أبرز منافسي نتنياهو، ورئيس الوزراء الإسرائيلي تتعلق بالأساليب أكثر مما تتعلق باستخدام القوة العسكرية ضد إيران.
سوابق تاريخية
لا تمثل الأنشطة المرتبطة بإيران خلال الانتخابات الإسرائيلية ظاهرة جديدة. فقد وثق تحقيق سابق أجراه معهد دراسات الأمن القومي بالتعاون مع منظمة “فيك ريبورتر “ شبكات يُشتبه في أنها إيرانية، ونشطت بالتزامن مع الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في نوفمبر 2022.
وقبل تلك الانتخابات، حدد الباحثون نحو 40 حسابا على تويتر كانت تحث سياسيا من اليمين المتطرف على الانفصال عن القائمة الانتخابية المشتركة لحزبه. وكان من شأن هذا الانقسام أن يحرم الطرفين من الحصول على عدد كاف من الأصوات للفوز بمقاعد في البرلمان.
وفي الفترة التي سبقت الاقتراع مباشرة، نشرت مئات الحسابات، التي انتحل كثير منها صفة معارضين إسرائيليين لنتنياهو، رسائل منسقة تدعو الإسرائيليين إلى مقاطعة الانتخابات. وبعد التصويت، نشرت عدة حسابات على فيسبوك وتويتر وإنستغرام وتلغرام مزاعم بوقوع تزوير انتخابي، وشككت في شرعية النتائج، ودعت إلى تنظيم احتجاجات.
وعقب الانتخابات الأميركية لعام 2020، أفاد مجلس الاستخبارات الوطنية الأميركي بأن أجهزة الاستخبارات الأميركية خلصت إلى أن إيران نفذت حملة تأثير هدفت إلى إضعاف فرص إعادة انتخاب ترامب، من خلال استخدام حسابات تنتحل صفة أعضاء في جماعة “براود بويز”، وهي جماعة يمينية متطرفة في الولايات المتحدة، وإرسال رسائل إلكترونية تهديدية إلى الناخبين. كما أنتجت هذه الجهات مقطع فيديو مزيفا يزعم وقوع تزوير في الانتخابات.
لكن أجهزة الاستخبارات الأميركية لم تجد أدلة على أن إيران أو أي جهة أجنبية أخرى حاولت التلاعب بأنظمة التصويت أو بعملية إحصاء الأصوات.
وقبيل انتخابات عام 2024، اتهمت وزارة العدل الأميركية ثلاثة موظفين في الحرس الثوري الإيراني بمحاولة تمرير مواد مسروقة إلى صحفيين. ووفقا للاتهامات، اعتمدت العملية على هويات مزيفة وأساليب الهندسة الاجتماعية.
ما الذي يمكن أن يحدث لاحقا؟
يحذر تقرير معهد دراسات الأمن القومي من احتمال وقوع هجمات سيبرانية وعمليات تأثير متزامنة، مشيرا إلى أن الفترة التي تلي إغلاق صناديق الاقتراع قد تكون شديدة الحساسية.
ويرى المعهد أن شبكات التأثير قد تستغل المشكلات التقنية أو مقاطع الفيديو المضللة أو الشائعات المتعلقة بالتزوير لإثارة الشكوك في العملية الانتخابية بعد إغلاق صناديق الاقتراع في 27 أكتوبر. وهذا هو النمط نفسه الذي وثقه الباحثون عقب الانتخابات الإسرائيلية لعام 2022، حين نشرت حسابات مرتبطة بإيران مزاعم بالتزوير ودعت إلى الاحتجاجات.
ويخلص التقرير إلى أن “الجهات الأجنبية، بقيادة إيران، ستعتبر أن تحقق واقع ترفض فيه المعسكرات السياسية الاعتراف بشرعية نتائج الانتخابات، ويصاب فيه النظام السياسي بالشلل، وتستمر الثقة بالمؤسسات في التآكل، إنجازا أكبر من أي تغيير في توزيع المقاعد”.