واشنطن العاصمة 11:05 PM

الكونغرس والشرق الأوسط.. كيف تؤثر الميزانيات والشروط؟

بعد انتخابات التجديد النصفي، يملك الديمقراطيون أدوات التمويل والرقابة والمراجعة أما القرار اليومي في السياسة الخارجية فيبقى في البيت الأبيض.

· 5 دقيقة قراءة
يظهر مبنى الكابيتول الأمريكي في الأفق بينما يغادر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عقب إلقائه تصريحات قبيل انتخابات التجديد النصفي في "ناشونال مول" بالعاصمة واشنطن، في 2 نوفمبر 2026. رويترز/ جوناثان إرنست/ صورة أرشيفية
يظهر مبنى الكابيتول الأمريكي في الأفق بينما يغادر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عقب إلقائه تصريحات قبيل انتخابات التجديد النصفي في "ناشونال مول" بالعاصمة واشنطن، في 2 نوفمبر 2026. رويترز/ جوناثان إرنست/ صورة أرشيفية

قبل عشرين عاما، فرض الديمقراطيون سيطرتهم على مجلسي الشيوخ والنواب، ورغم ذلك استمرت حرب العراق التي أطلقها الرئيس الجمهوري جورج دبليو بوش عام 2003.

هذه الحقيقة يضعها السفير الأميركي الأسبق رايان كروكر أمام كل من يتوقع أن يغير تبدل الأغلبية في الكونغرس مسار السياسة الخارجية بعد الانتخابات النصفية الأخيرة التي أنهت سيطرة الجمهوريين على واشنطن.

ويبدأ الكونغرس الجديد عمله في يناير، لكن الرئيس دونالد ترامب يظل في كل الأحوال القائد الأعلى للقوات المسلحة، كما يبقى البيت الأبيض ممسكاً بالدبلوماسية والعمليات العسكرية والأجندة اليومية للأمن القومي.

وتقول الباحثة البارزة في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إليزابيث دِنت لـ”الحرة” إن فوز الديمقراطيين لن يعيد كتابة السياسة الخارجية الأميركية، لكن ما سيتغير هو أدواتها مثل: قيادة اللجان، وجلسات الاستماع، والاستدعاءات، والتعيينات، وسلطة الاعتمادات.

وتستطيع الإدارة الحالية خلال الأسابيع المتبقية إخطار الكونغرس بمبيعات جديدة، ومواصلة تنفيذ صفقات سبق إقرارها.

أما بعد انتقال قيادة اللجان إلى الديمقراطيين في يناير، فقد تواجه صفقات مماثلة تدقيقاً أكبر ومسار مراجعة أطول.

وتظهر هذه الحدود في ملفات عدة بالشرق الأوسط.

السعودية.. اتفاق يمر عبر الكونغرس

في 22 يوليو الماضي، وقعت واشنطن والرياض اتفاقاً للتعاون النووي السلمي بموجب المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأميركي. وقالت وزارة الطاقة وقتها إنه يضع الأساس القانوني لشراكة نووية مدنية طويلة الأمد.

لكن هذا الاتفاق لن يدخل حيز التنفيذ قبل أن يمر بمسار مراجعة رسمي في الكونغرس.

وتقول دِنت إن ذلك يمنح المشرعين مدخلاً مباشراً إلى ملف لا يملك البيت الأبيض وحده الكلمة الأخيرة في مساره القانوني.

وفي 30 يناير، وافقت الخارجية الأميركية على صفقة محتملة للسعودية لشراء صواريخ باتريوت PAC-3 MSE ومعدات مرتبطة بها، بقيمة تقديرية تبلغ 9 مليارات دولار.

لكن القصة لم تنته عند الموافقة، فقد سلّمت وكالة التعاون الأمني الدفاعي الإخطار المطلوب إلى الكونغرس، وفق بيانها الرسمي.

وبموجب قانون مراقبة تصدير الأسلحة، يجب إخطار لجان الكونغرس المختصة ببعض المبيعات العسكرية التي تتجاوز حدوداً مالية محددة، بحسب وزارة الخارجية.

لبنان.. التمويل هو الأداة

وفي بيروت، يظهر نفوذ الكونغرس في موضع آخر: تمويل التنفيذ.

ويشير بول شايا، الأستاذ بجامعة جورج واشنطن والمسؤول الاستخباراتي السابق، إلى ما يسميه “سلطة الإنفاق” (the power of the purse) باعتبارها مجالاً رئيسياً لتأثير الكونغرس بعد تغير الأغلبية.

ولا يرسم الكونغرس المسار السياسي فيما يتعلق بالدعم الأميركي للجيش اللبناني، لكنه يستطيع التأثير في الأموال التي تدعمه، وفي شروط صرفها.

ولا يتوقع شايا تحولاً جوهرياً في الاتجاه الأميركي بشأن هذا الملف، مشيرا في الوقت نفسه إلى تغير ممكن في الكلفة والشروط.

الخليج.. ما الذي يستمر؟

أما في الخليج، فلا يعني تغير خريطة الأغلبية في الكونغرس أن العلاقات الأمنية الأميركية مع السعودية أو الإمارات أو قطر ستبدأ من الصفر.

وترتبط واشنطن وأبوظبي باتفاق تعاون دفاعي دخل حيز التنفيذ عام 2019، إلى جانب اتفاقات أمنية وعسكرية أخرى، وفق وزارة الخارجية.

كما ترتبط واشنطن والدوحة باتفاقات تعاون دفاعي وأمني قائمة، وتستضيف قطر قاعدة العديد، إحدى أهم نقاط الوجود العسكري الأميركي في المنطقة.

وفي حديثه عن زيارته الأخيرة لقطر، يشدد كروكر على أنه “لا يوجد بديل حقيقي عن القوة العسكرية الأميركية” في المنطقة.

وتفرق دِنت بين معاهدة دفاع تتطلب دوراً لمجلس الشيوخ، وبين ترتيبات أمنية واتفاقات تعاون يستطيع الرئيس إقرار بعضها تنفيذياً. وفي هذه الترتيبات، يظهر نفوذ الكونغرس في التمويل والرقابة أكثر مما يظهر في إلغاء الالتزام نفسه.

وبالنسبة إلى الحكومات والجيوش والمصانع والأسر التي ترتبط حياتها بهذه الملفات، فإن عمل الكونغرس الجديد لن يغير تلك الارتباطات.

لكنه قد يغيّر توقيت الاتفاقات التي تنتظر مراجعة، ومدة صفقات السلاح التي تنتظر إخطاراً، وشروط الدعم الذي تعتمد عليه المؤسسات.

أي أن الكونغرس يستطيع أن يموّل، وأن يستجوب، وأن يؤخر، وأن يراجع. أما الجنود والقواعد والقرار اليومي فتبقى بيد الرئيس.

وسيظل ترامب صاحب القرار التنفيذي، أما الكونغرس الجديد، فسيكون له رأي في الكلفة والشروط.

إيران.. حرب تحت الرقابة

فيما يتعلق بالحرب مع إيران، قد يكون تأثير الأغلبية الديمقراطية أكثر مباشرة، إذ تعهد قادة بالحزب الديمقراطي، وعلى رأسهم زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر، بالعمل على إنهاء الحرب، وذلك في أعقاب فوزهم في انتخابات التجديد النصفي.

وقال شومر، في مؤتمر صحفي بواشنطن، الأربعاء: “سننهي هذه الحرب”، مشيراً إلى سلطة الكونغرس على الإنفاق الفيدرالي.

من جانبه، حثّ زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب، حكيم جيفريز، ترامب على إنهاء الحرب قبل انعقاد الكونغرس الجديد، واصفاً نتائج الانتخابات بأنها رسالة من الشعب الأميركي تعبّر عن رفضهم للحرب.

ويمكن أن تمنح الأغلبية التي يتمتع بها الديمقراطيون في الكونغرس نفوذاً أكبر لتقييد الإنفاق العسكري المتعلق بإيران، والقدرة على طرح تشريعات تدعو إلى وقف الأعمال العسكرية، رغم أنهم سيظلون بحاجة إلى دعم قوي من الجمهوريين في مجلس الشيوخ لتجاوز أي “فيتو” قد يستخدمه ترامب.

كما يمكن للديمقراطيين حجب تمويل جديد، وممارسة ضغوط إضافية على الإدارة عبر إجراء تحقيقات وعقد جلسات استماع في الكونغرس للتدقيق في استراتيجية البنتاغون، وإنفاقه، وكيفية إدارته للحرب.

ويرى كروكر أن على الديمقراطيين توخي “الحذر الشديد” في استخدام الموازنة لقطع التمويل عن الحرب على إيران: “إذا صوّتوا، مثلا، على حجب التمويل عن الحرب، فإن ذلك سيؤدي إلى أزمة داخلية، وسيُعرّض الولايات المتحدة أيضا لخطر منح إيران نصرا ساحقا”.

إسرائيل.. تدقيق أكبر في الدعم العسكري

أما العلاقة مع إسرائيل، فقد تخضع بدورها لمرحلة من التدقيق السياسي والرقابي الأوسع.

يسعى بعض الديمقراطيين إلى تقليص المساعدات العسكرية الأميركية المقدمة لإسرائيل، فيما أعلن ترامب قبل أيام إنهاء الالتزام السنوي للمساعدات المقدمة لإسرائيل، البالغة نحو 3.8 مليار دولار وذلك قبل عامين من انتهاء أجل مذكرة التفاهم الحالية بين البلدين.

ويمكن للديمقراطيين استخدام سيطرتهم على اللجان المختصة لمراجعة صفقات الأسلحة، وطرح شروط على المساعدات العسكرية، وعقد جلسات استماع بشأن السياسة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، وربما فرض عقوبات على عنف المستوطنين وبناء مستوطنات جديدة.

ومع ذلك، فإن مصير هذه الخطوات يعتمد على مدى توافق الكتلة الديمقراطية، فبينما يؤيد معظم الديمقراطيين اتخاذ إجراءات عقابية ضد عنف المستوطنين، فإن عدداً أقل منهم يدعم فرض قيود على مبيعات الأسلحة، مما يعني أن هؤلاء الديمقراطيين والجمهوريين المؤيدين لإسرائيل قد ينجحون في عرقلة بعض مشاريع القوانين.