بعد مسيرة امتدت أكثر من أربعة عقود في الجيش، انتقل غادي آيزنكوت إلى العمل السياسي حتى بات قريبا من تشكيل الحكومة الإسرائيلية في حال نجاحه في تشكيل ائتلاف يحظى بثقة 61 عضواً في الكنيست.
وبرز آيزنكوت خلال السنوات الأخيرة منتقداً لإدارة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للحرب في غزة، قبل أن ينجح في قيادة حزب “يشار” للحصول على 21 مقعداً في انتخابات الكنيست في 27 أكتوبر ليكلفه الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، السبت، بتشكيل الحكومة المقبلة.
وتبدو مسيرة الجنرال المتقاعد حافلة بمحطات فارقة، عسكريا وسياسيا، فضلا عن فاجعة شخصية حين فقد نجله قبل ثلاثة أعوام في غزة.
ولد غادي آيزنكوت في 19 مايو 1960 بمدينة طبريا شمالي إسرائيل، والتحق بالجيش عام 1978، عندما كان في الثامنة عشرة من عمره.
وبدأ مسيرته العسكرية في لواء “غولاني” للمشاة، أحد أبرز ألوية الجيش الإسرائيلي، قبل أن يتدرج في المناصب القيادية، ويتولى قيادة وحدات ميدانية ومناطق عسكرية.
وأثناء توليه قيادة المنطقة الشمالية أشرف على ملفات المواجهة مع حزب الله وإيران. كما ارتبط اسمه بما يعرف بـ”عقيدة الضاحية“، التي تقوم على استخدام قوة عسكرية واسعة ضد البنية التحتية في المناطق التي ينشط فيها حزب الله المصنف على قوائم الإرهاب الأميركية، بهدف ردعه.
وفي 16 فبراير 2015، تولى رئاسة هيئة الأركان العامة، ليصبح القائد الحادي والعشرين للجيش الإسرائيلي، واستمر في المنصب حتى 2019، عندما تقاعد بعد 41 عاماً في الخدمة.
وشهدت فترة رئاسته للأركان عملية “درع الشمال” عام 2018، التي أعلن خلالها الجيش الإسرائيلي اكتشاف أنفاق لحزب الله على الحدود اللبنانية، كما أشرف على تنفيذ خطة “جدعون” لتطوير القدرات العسكرية الإسرائيلية.
من مجلس الحرب إلى المعارضة
بعد تقاعده، انضم آيزنكوت إلى المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي باحثاً أول، قبل أن يدخل الحياة السياسية عام 2022، حين انُتخب عضواً في الكنيست ضمن قائمة “المعسكر الوطني” بقيادة بيني غانتس، وزير الدفاع ورئيس الأركان السابق.
ومع اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023، انضم إلى حكومة الطوارئ التي شكلها نتنياهو، وشارك في مجلس الحرب بصفة مراقب. لكنه انتقد لاحقاً غياب استراتيجية سياسية واضحة للحرب، ودعا إلى إعطاء أولوية لإعادة الرهائن الإسرائيليين من القطاع، معتبراً أن استمرار العمليات العسكرية من دون تحديد أهداف سياسية قابلة للتحقيق لا يوفر حلاً للأزمة.
وشكل مقتل نجله غال، البالغ 25 عاماً، خلال المعارك في شمال قطاع غزة في ديسمبر 2023، محطة شخصية مؤلمة في مسيرته. كما فقد اثنين من أقاربه خلال الحرب.
وفي يونيو 2024، غادر حكومة الطوارئ مع غانتس.
وفي مقابلة مع صحيفة جيروزاليم بوست في سبتمبر 2026 تحدث آيزنكوت عن إخفاقات السابع من أكتوبر، داعياً إلى تشكيل لجنة تحقيق رسمية لفحص مسؤولية المستويين العسكري والسياسي، ومؤكداً أن فقدان نجله عزز رغبته في العمل من أجل تغيير الواقع السياسي في إسرائيل.
تأسيس “يشار” ومنافسة نتنياهو
في سبتمبر 2025، أعلن آيزنكوت تأسيس حزب “يشار”، بعد انفصاله عن “المعسكر الوطني” واستقالته من الكنيست.
قدم الحزب نفسه بديلاً سياسياً يركز على إصلاح مؤسسات الدولة، وتعزيز الأمن، وتقليص الانقسامات الاجتماعية، وتوسيع الخدمة العسكرية أو الوطنية لتشمل جميع المواطنين.
وتشمل أهداف “يشار”، وفقا لبرنامج الحزب، الحفاظ على إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية، وتعزيز التعليم العام، وإقرار مبدأ “الخدمة للجميع”، وتقليص الفجوات الاجتماعية، وإقامة توازن بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.
وخلال انتخابات الكنيست الأخيرة في أكتوبر الماضي، خاض آيزنكوت المنافسة باعتباره أبرز منافسي نتنياهو، وقدم نفسه بديلاً يجمع بين الخبرة العسكرية والتغيير السياسي. وحصل حزبه “يشار” على 21 مقعداً، وفق النتائج النهائية للانتخابات.
تكليف رئاسي واختبار الائتلاف
في 7 نوفمبر 2026، أعلن الرئيس الإسرائيلي تكليف آيزنكوت بتشكيل الحكومة، بعد حصوله على توصية 67 عضواً في الكنيست، مقابل 46 لنتنياهو، فيما لم توصِ كتلة “يهدوت هتوراه” التي تمثل سبعة مقاعد بأي مرشح، وفق بيان الرئاسة الإسرائيلية.
ويواجه آيزنكوت مهمة معقدة، إذ لا تعني التوصيات البرلمانية بالضرورة وجود ائتلاف جاهز. وقد حدد أربعة مبادئ للمشاركة في حكومته، تشمل الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية وديمقراطية، وقبول قيم إعلان الاستقلال، وفرض الخدمة الإلزامية على الجميع، والاعتراف بحماس منظمة إرهابية والالتزام بتفكيك قدراتها العسكرية وسلطتها الحاكمة.
وبموجب القانون الإسرائيلي، أمام آيزنكوت 28 يوماً لتشكيل الحكومة، مع إمكانية تمديد المهلة 14 يوماً إضافياً.
وبذلك، انتقل الجنرال السابق إلى معركة مختلفة عن تلك التي خاضها في الجيش، تتوقف نتائجها على قدرته على التوفيق بين المصالح الحزبية والخلافات الأيديولوجية، وتحويل التفويض الرئاسي إلى أغلبية برلمانية تمنحه فرصة قيادة إسرائيل.