قال الدبلوماسي الأميركي المخضرم رايان كروكر إن على الديمقراطيين الذين فازوا بالسيطرة على الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي، التي أُجريت الثلاثاء، توخي “الحذر الشديد” في استخدام الموازنة لقطع التمويل عن الحرب على إيران، محذرا من أن أي تراجع أميركي سيمنح طهران سيطرة فعلية على مضيق هرمز، ويشجعها على “مزيد من المغامرات”.
وقال كروكر، في مقابلة حصرية مع رئيسة تحرير “الحرة” ليلى بزي: “إذا صوّتوا، مثلا، على حجب التمويل عن الحرب، فإن ذلك سيؤدي إلى أزمة داخلية، وسيُعرّض الولايات المتحدة أيضا لخطر منح إيران نصرا ساحقا”.
وأعرب عن أمله أن تتمكن إدارة “أفاقتها الهزائم التي منيت بها في انتخابات التجديد النصفي”، إلى جانب قادة ديمقراطيين يدركون أن “الأميركيين صوّتوا ضد الجمهوريين، وليس بالضرورة لصالح الديمقراطيين”، من الدخول في “حوار” بشأن سياسات تحول دون “مزيد من العمليات العسكرية”، من دون منح إيران ذلك الانتصار.
لكن البيت الأبيض سيكون مطالبا بالتحرك أيضا، في تقديره، فحتى الاتفاق المحدود الذي يقترحه لإعادة فتح المضيق، سيتطلب من الرئيس دونالد ترامب “الإقرار، في الأساس، بأن الحرب كانت خطأ منذ البداية. وهذا سيكون صعبا عليه، لكن انتخابات التجديد النصفي كانت أصعب”.
ويرأس كروكر، الذي سبق أن شغل منصب سفير الولايات المتحدة لدى لبنان والكويت وسوريا وباكستان والعراق وأفغانستان، مجلس إدارة “شبكة الشرق الأوسط للإرسال”.
وأدلى كروكر بهذه التصريحات في الذكرى السابعة والأربعين لاقتحام السفارة الأميركية في طهران عام 1979، وهو اليوم الذي قال إن الحرب بين إيران والولايات المتحدة بدأت فيه، على الأرجح. ولهذه الذكرى صلة شخصية به.
ففي 13 أبريل 1983، فجّر انتحاري سيارة مفخخة أمام السفارة الأميركية في بيروت، ما أسفر عن مقتل 32 لبنانيا و17 أميركيا و14 من الزوار والمارة. وكان كروكر من بين المحظوظين الذين نجوا من الهجوم.
وقال كروكر: “إيران في حالة حرب مع الولايات المتحدة منذ ما يقرب من نصف قرن. وقد بلغت هذه الحرب ذروتها بالتأكيد عام 1983، مع تفجيري السفارة الأميركية وثكنات مشاة البحرية في بيروت. وأنا أحد الناجين من تفجير السفارة”.
وأضاف أن الضربات العسكرية لن تردع القادة الإيرانيين، الذين وصفهم بأنهم جميعا “محاربون متمرسون في ساحات القتال”، بعدما خاضوا الحرب العراقية الإيرانية. وقال: “قد نتوصل إلى هدنة، وقد نتوصل إلى وقف لإطلاق النار، لكننا لن نصل إلى نهاية لهذه الحرب”.
وتابع: “العمل العسكري لن يغيرهم أو يردعهم، بل إنه، إن كان سيؤدي إلى شيء، فسيجعل التعامل معهم أكثر صعوبة وتصلبا”.
وقال إن على واشنطن أن تبدأ بخطوات محدودة. فمن الممكن التوصل إلى اتفاق محدود النطاق لإعادة فتح مضيق هرمز، مع تأجيل القضايا الأكثر تعقيدا إلى مرحلة لاحقة. كما ينبغي للولايات المتحدة أن تسعى إلى حصر الحرب في اليمن، وأن تستثمر في لبنان أفضل فرصة متاحة منذ إدارة الرئيس رونالد ريغان لنزع سلاح حزب الله، الجماعة المسلحة الشيعية المدعومة من إيران.
نافذة ضيقة لإعادة فتح مضيق هرمز
واقترح كروكر البدء بخطوات صغيرة، مثل ما وصفه بـ “تسوية الحد الأدنى”، تقوم على العودة إلى الوضع الذي كان قائما قبل الحرب مع إيران، من خلال إنهاء الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، مقابل “إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل ومن دون شروط”.
وأوضح أن إيران أثبتت قدرتها على إغلاق المضيق بمجرد التهديد بذلك، وهو ما أدى إلى ارتفاع تكاليف التأمين وجعل الوضع الراهن غير قابل للاستمرار بالنسبة إلى جميع الأطراف.
وأضاف أن تراجع الجانبين خطوة إلى الوراء قد يتيح العودة إلى وضع مستقر، بما يخفف الضغط عن البحرية الأميركية المنهكة، ويسمح باستئناف التجارة الخليجية بالنسبة إلى إيران. أما المفاوضات بشأن رفع العقوبات والبرنامج النووي الإيراني، فيمكن تأجيلها إلى مرحلة لاحقة.
وقال إن الإيرانيين لن يضطروا إلى التخلي عن أي شيء بموجب هذا الاتفاق، الأمر الذي قد يجعلهم أكثر استعدادا لقبوله. وأضاف: “سيكون بإمكانهم دائما إغلاق المضيق مجددا”.
وبعد زيارة أجراها مؤخرا إلى الدوحة، قال كروكر إنه لمس لدى قطر، التي وصفها بأنها الوسيط الرئيسي بين واشنطن وطهران، “قدرا ضئيلا من التفاؤل بشأن فرص النجاح”.
كما كشفت الحرب حدود القدرات الأمنية الخليجية. وقال كروكر إن الولايات المتحدة لا تزال شريكا لا غنى عنه لدول الخليج، لكنه أضاف: “لكننا لا نكفي وحدنا”.
وأعرب عن رغبته في أن تنسق دول الخليج فيما بينها بصورة أوثق في المجال الدفاعي، غير أن الحصار الذي فُرض على قطر عام 2017 خلّف إرثا من الشكوك المتبادلة، فيما لا تزال الخلافات السعودية الإماراتية بشأن اليمن والسودان عميقة.
وقال: “لا يوجد قدر من الحث أو الضغط الأميركيين يمكنه تجاوز الخلافات بين دول الخليج”.
ووصف اتفاق مكة الدفاعي الجديد بين السعودية وباكستان وتركيا بأنه “تفاهم سياسي، وليس اتفاقا عسكريا”، مضيفا: “أيا ما كان اتفاق مكة، فهو ليس حلف شمال الأطلسي (الناتو)”.
وتواجه واشنطن أيضا قيودا ناجمة عن غيابها الدبلوماسي في المنطقة. فهي لا تملك سفارة في سوريا، ولا يوجد لديها سفراء في أكثر من نصف دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وقال كروكر: “لا يمكنك ممارسة الدبلوماسية بصورة مستدامة من دون دبلوماسيين”.
ودعا الإدارة الأميركية إلى ترشيح سفراء مؤهلين، كما حث مجلس الشيوخ الذي بات تحت سيطرة الديمقراطيين على “الإسراع في المصادقة على تعيينهم”.
الحوثيون: “شريك وليس وكيلا“
غالبا ما يوصف الحوثيون في اليمن، الذين تصنفهم الولايات المتحدة أيضا جماعة إرهابية، بأنهم وكلاء لإيران. لكن كروكر لا يتفق مع هذا التوصيف.
وقال: “في تقديري، هم شريك وليسوا وكيلا”.
وأوضح أن الحوثيين، وهم حركة شيعية زيدية، متجذرون في السياسة اليمنية الداخلية، وتعود جذورهم إلى الحرب الأهلية في ستينيات القرن الماضي، حين قاتل أسلافهم، بدعم سعودي، دفاعا عن الملكية اليمنية.
وقال: “كل ما يعنيهم هو اليمن. وهم لا ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم جزءا من تحالف مع إيران إلا عندما يخدم ذلك مصالحهم”.
واستشهد بالتوقيت الذي اختاره الحوثيون للانخراط في الحرب الحالية. وقال إنهم لم ينضموا إلى القتال إلى جانب إيران عندما اندلعت الحرب في 28 فبراير، بل انتظروا حتى أصبحوا مستعدين للتحرك ميدانيا، ولم يتدخلوا إلا “عندما كان ذلك يخدم مصالحهم، وليس عندما أو إذا كان يخدم مصالح إيران”.
وأضاف أن العلاقة بين الجانبين باتت تسير في الاتجاهين. وقال: “من الواضح أن طهران تتمتع بنفوذ في اليمن، وفي صنعاء. لكن صنعاء تتمتع أيضا بنفوذ في طهران، وربما أكثر من أي وقت مضى”، في ظل ما وصفه بالضعف الكبير الذي أصاب حليفي إيران، حماس وحزب الله، وكلاهما مدرج على قوائم الجماعات الإرهابية الأميركية.
وقال إن ذلك لا يستبعد، من الناحية النظرية على الأقل، إمكانية التوصل إلى اتفاق بشأن مضيق هرمز على النحو الذي يقترحه، شريطة إبقاء الملف اليمني منفصلا. وأضاف أن واشنطن لا تستطيع فعل الكثير حيال سعي الحوثيين إلى حكم اليمن بأكمله، لكنها تستطيع العمل على إبقاء الصراع “محصورا داخل اليمن، وألا يمتد تأثيره إلى المنطقة بأسرها”، بما في ذلك حركة الملاحة البحرية.
لبنان: “الظروف أكثر ملاءمة الآن“
يرى كروكر أن لبنان يمثل الفرصة الأوضح للتحرك. وقال إن إيران لم تعد تموّل حزب الله كما كانت تفعل في السابق، وإن سوريا أغلقت طرق تهريب الأسلحة إلى الجماعة، لأن حكومة الرئيس أحمد الشرع تتعامل معها باعتبارها عدوا.
وقال: “الظروف باتت أكثر ملاءمة الآن من أي وقت مضى منذ ظهور حزب الله”.
وأشار إلى أن إسرائيل سيطرت مرتين خلال مسيرته المهنية على قلعة الشقيف، وهي حصن صليبي يقع فوق نهر الليطاني: الأولى عام 1982، حين كان دبلوماسيا شابا في بيروت، والثانية في ربيع هذا العام. وقال إن التجربة الأولى “لم تحل بالضبط مشكلة الأمن على الحدود الشمالية لإسرائيل”.
وأضاف أن نزع سلاح حزب الله يتطلب “صلابة وإرادة من جانب الحكومة اللبنانية”، فضلا عن “دور أميركي، لا سيما في التعامل مع إسرائيل، لمنعها من تجاوز الحدود”. وقال إن إسرائيل “سبق أن حاولت تجاوز الحدود في لبنان”، وكانت لذلك “عواقب مأساوية عليها وعلى لبنان أيضا”.
وأوضح كروكر أن لبنان سبق أن نجح في نزع سلاح ميليشياته، باستثناء حزب الله. فقد تولى منصب السفير الأميركي عام 1990، بالتزامن مع بدء تطبيق اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية. ونص الاتفاق على حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة.
وفي أبريل 1991، تخلت القوات اللبنانية وحركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي، بقيادة الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، عن أسلحتها الثقيلة. لكن حزب الله لم يفعل. وكانت الحكومة في بيروت، التي أصبحت آنذاك خاضعة لنفوذ سوريا، التي انضمت إلى التحالف الذي قادته الولايات المتحدة ضد صدام حسين، تصنف الحزب بما تصفه “مقاومة” للاحتلال الإسرائيلي للجنوب، وليس ميليشيا مسلحة.
وخلال توليه منصب السفير، أشرف كروكر على استئناف المساعدات الأميركية للجيش اللبناني، الذي وصفه بأنه “المؤسسة الحيوية الوحيدة لمستقبل لبنان”. وقال إن هذه المساعدات “بالغة الأهمية”، لكن الجيش وحده لا يستطيع حل مشكلة وجود ميليشيات مسلحة تحتفظ بنفوذها في الجنوب. ويتطلب ذلك قرارات سياسية من الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس الوزراء نواف سلام.
التجربة الإيرلندية
قال كروكر إن جنبلاط، الذي التقى به مع بزي خلال زيارة حديثة إلى لبنان، دعا إلى نزع سلاح حزب الله على غرار التسوية التي أُبرمت في أيرلندا الشمالية. وأضاف: “أعتقد أن هذا المسار يستحق المتابعة”.
وأوضح أن مسألة ترتيب الخطوات، أي تحديد من يتخلى عن ماذا ومتى، ظلت تعرقل التقدم في أيرلندا الشمالية لسنوات. فقد أصر الوحدويون الموالون لبريطانيا على نزع أسلحة الجيش الجمهوري الإيرلندي قبل دخول حزب شين فين، الذراع السياسية للجيش الجمهوري، إلى الحكومة. أما الجيش الجمهوري الإيرلندي، فكان يرى أن تسليم أسلحته إلى البريطانيين بمثابة استسلام.
وما نجح في نهاية المطاف كان تشكيل لجنة دولية مستقلة برئاسة الجنرال الكندي المتقاعد جون دي تشاستلين، إلى جانب تعهد الجيش الجمهوري الإيرلندي بوضع أسلحته “خارج الاستخدام بصورة كاملة وقابلة للتحقق”، بدلا من تسليمها إلى طرف آخر.
وحتى بعد ذلك، لم يبدأ الجيش الجمهوري الإيرلندي تدمير أسلحته إلا عقب هجمات 11 سبتمبر، عندما أوضحت الولايات المتحدة أنها لن تتسامح بعد ذلك مع وجود أي ميليشيا مسلحة مستقلة. ولم تصدر اللجنة شهادة باكتمال عملية نزع السلاح إلا عام 2005.
وقال كروكر: “آمل أن نكون مستعدين لبذل هذا الجهد، من خلال دبلوماسيين أكفاء على الأرض، وأن نواصل تذكير الحكومة اللبنانية، إذا كانت تحتاج إلى تذكير، بأنها لم تحظَ قط بفرصة أفضل من الآن لحل مشكلة سلاح حزب الله”.
لكنه شدد على أن حل هذه القضية ليس من مسؤولية واشنطن.
وقال: “نحن، كأميركيين، لا نستطيع القيام بذلك. يجب أن يقوم اللبنانيون أنفسهم بذلك”.
وأضاف: “يجب أن يكون القرار، في نهاية المطاف، لبنانيا، وأن يأتي نتيجة مشاورات ومفاوضات لبنانية، لكن مع وجود تصميم واضح لدى الحكومة على أن الوضع القائم حاليا غير مقبول”.
حين يتعلق الأمر بالقوى الكبرى
قلل كروكر من أهمية الإعلان عن إنهاء نحو 3.8 مليار دولار من المساعدات العسكرية الأميركية السنوية لإسرائيل.
وقال إن قرار وقف المساعدات جاء بموجب “اتفاق متبادل” بعد أشهر من المفاوضات، وإن توقيت الإعلان تأثر بالسياسة الداخلية الأميركية، لكنه لا يؤثر بأي شكل جوهري في العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
وعندما سُئل عن الأولويات الثلاث التي سينصح ترامب بالتركيز عليها خلال العامين المقبلين، حدد كروكر التوصل إلى وضع مستقر للصراع مع إيران، وتعزيز التحالفات في حلف شمال الأطلسي ومجلس التعاون الخليجي وآسيا، والالتزام بالثبات والاتساق في السياسة الخارجية.
وقال: “قد تكون القوى الأصغر غير متسقة في مواقفها. لكن القوى الكبرى، لكي تكون قوى كبرى بالفعل، لا بد أن تتسم بالثبات والاتساق”.