هل ستسلم دمشق مقاتليها الإيغور إلى الصين؟

مقاتل من هيئة تحرير الشام (HTS) يقف خارج مجمّع الأمن المعروف بـ فرع فلسطين في دمشق، سوريا، 13 ديسمبر 2024. رويترز/عمرو الفقي

ما إن حطت طائرة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في بكين، نشرت وكالة الصحافة الفرنسية تقريرا يفيد بأن السلطات السورية تعتزم نقل نحو 400 محتجز من الأقلية المسلمة الإيغورية إلى الصين في الفترة المقبلة، وذلك نقلا عن مصدرين سوريين لم تكشف الوكالة هويتهما.

ورغم أن دمشق نفت هذه المعلومات، أكدت في الوقت ذاته، في بيان مشترك خلال الزيارة أنها “لن تسمح باستخدام أراضيها لأي أعمال تُلحق الضرر بالمصالح الصينية”، في إشارة واضحة إلى ملف المقاتلين الأجانب.

وفي تعليقها على سؤال حول تقارير تسليم مقاتلي “الحركة الإسلامية لتركستان الشرقية” إلى الصين، قالت المتحدثة باسم الخارجية الصينية ماو نينغ إن مكافحة هذه الحركة “جزء أساسي” من جهود الصين لمكافحة الإرهاب، وإن سوريا تعهّدت بعدم السماح لأي جهة باستخدام أراضيها للإضرار بأمن الصين وسيادتها ومصالحها، مع الاتفاق على “تعزيز التنسيق في مجالي الأمن ومكافحة الإرهاب”.

وتحذر منظمات حقوقية من أن أي إعادة قسرية للإيغور إلى الصين تعني، عمليا، تسليمهم إلى مصير شديد الغموض والخطورة.

وفي تصريح لـ MBN، يقول عمر كانات، المدير التنفيذي لـ مشروع حقوق الإيغور (UHRP) ومقرّه في واشنطن، إن مخاطر الإعادة القسرية في هذه الحالة “مرتفعة”، مضيفا أن المشروع وثّق “مئات” الحالات لإيغوريين أُعيدوا قسراً إلى الصين من دول مختلفة، “ولم يُعرف أن أحداً منهم عاد إلى حياة طبيعية”.

ويشرح كانات أن الإيغور الذين يُعادون قسراً غالباً ما يواجهون الاختفاء القسري، أو أحكاماً قاسية بتهم مرتبطة بالإرهاب، أو حتى الإعدام في بعض الحالات. ويشير إلى أن هذه المخاطر لا تنبع من التخمين، بل من نمط موثَّق لانتهاكات واسعة في إقليم شينجيانغ، تشمل الاعتقال التعسفي والتعذيب والاضطهاد الثقافي والديني، ما يجعل أي تسليم قسري “انتهاكا صارخا للقانون الدولي”.

ويضيف كانات أن مشروع حقوق الإيغور وثّق في تقرير عام 2022 ما لا يقل عن 292 حالة الايغوريين تم احتجازهم أو ترحيلهم من دول عربية بطلب صيني منذ عام 2001، بينها مصر والسعودية والإمارات وقطر والمغرب وسوريا.

ويرتبط كثير من هذه الحالات بحملة موسّعة شنّتها السلطات المصرية في يوليو2017 على طلاب إيغور، معظمهم في جامعة الأزهر، وأسفرت عن ترحيل عشرات الأشخاص قسرا إلى الصين، حيث واجهوا خطر الاعتقال فور وصولهم، وتوفي اثنان منهم على الأقل في الحجز بحسب ما وثّقه المشروع.

ويشير كانات إلى أن السعودية رحّلت ما لا يقل عن ستة إيغوريين في 2017.

وحين سألناه عن الرسالة التي ينطوي عليها أي تسليم من سوريا إلى الصين، يجيب كانات لـ MBN بأن “أي ترحيل قسري سيبعث برسالة إلى كل الدول المضيفة مفادها أن الصين قادرة على الوصول إلى الإيغور في أي مكان”، ما يعمّق مناخ “القمع العابر للحدود” الذي بنته بكين على مدى سنوات.

وظهر مقاتلون من الإيغور على المسرح السوري منذ بدايات الثورة عام 2011 ضمن تشكيلات مسلّحة في الشمال السوري، خصوصا في صفوف “حزب تركستان الإسلامي” المتحالف مع فصائل أخرى في إدلب. وتُقدَّر أعدادهم وفق تقديرات بـ 15000 ألف بينهم 500 مقاتل.

وبحسب التقرير، عارضت الصين إدماج هؤلاء في أي ترتيبات عسكرية أو أمنية، وضغطت باتجاه إعادتهم إلى الصين أو على الأقل نزع صفتهم القتالية ومنع تحوّل سوريا إلى ملاذٍ آمن لمقاتلين تعتبرهم بكين جزءاً من “الحركة الإسلامية لتركستان الشرقية” (ETIM)، والتي تصنّفها الصين منظمة إرهابية وتدرجها الأمم المتحدة على قوائم الإرهاب.

لفهم لماذا يضغط ملف الإيغور بهذا الشكل على مسار التقارب الصيني السوري، يمكن النظر إلى نموذج آخر مماثل إلى حد كبير.

في دراسة حديثة لـ”مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي” حول ما تسميه “تكيّف الصين مع طالبان 2.0″، يجادل الباحث رامين منصوري بأن استراتيجية بكين في أفغانستان تقوم على ركيزتين أساسيتين: معالجة هواجسها الأمنية المباشرة، وخاصة أي تهديد قد يمتد من أفغانستان نحو إقليم شينجيانغ ذي الغالبية الإيغورية، وحماية مصالحها الاقتصادية في آسيا الوسطى من خلال العمل مع من يملك السيطرة الفعلية على الأرض.

بمعنى آخر، الصين مستعدة للتعامل مع أي سلطة أمر واقع بما في ذلك طالبان ما دامت قادرة على ضبط المجموعات الإيغورية المسلحة ومنعها من استخدام الأراضي الأفغانية قاعدة خلفية.

وهذا المنطق، قاد بكين إلى الحفاظ على سفارتها في كابول بعد سيطرة طالبان، وإلى الانخراط معها دبلوماسياً واقتصادياً، وتقديم حوافز محدودة مقابل تعهّدات أمنية تتعلق أساساً بالإيغور.

وإذا وضعنا هذا النموذج بجانب المشهد السوري، يبدو أن بكين تسعى إلى أمر مشابه، وهو ضمان تعهدات واضحة من دمشق بعدم السماح باستخدام الأراضي السورية للإضرار بالمصالح الصينية؛ وتنسيق أمني أوثق ضد ما تصفه الصين بـ”الإرهاب”؛ وربما، في السيناريو الأكثر إثارة للقلق من منظور حقوقي، ترحيل أو تسليم عناصر تعتبرهم بكين تهديداً مباشرا.

عزت وجدي

عزت وجدي صحفي ومنتج أفلام وثائقية يمني يقيم في العاصمة الأميركية واشنطن، يحمل درجة الماجستير في الدراسات الإعلامية

 


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading