على مدى سنوات، تحرّك نوح زعيتر في سهل البقاع بحرية كبيرة. ظهر في مقاطع مصوّرة يحمل أسلحة ثقيلة، وجلس في مجالس عزاء إلى جانب نوّاب ووجهاء، وعبر الحدود السورية جيئة وذهابا كأنّها زقاق يفضي إلى باب منزله. تحوّل اسمه إلى رمز لاقتصاد ظلّ نشط، تشابكت فيه تجارة المخدرات والسلاح مع طبقات من الحماية السياسية والأمنية التي لم تستطع السلطات الاقتراب منها.
ذلك كله انتهى على طريق ضيّق قرب بعلبك، حين طوّقت قوّة من الجيش اللبناني سيارة زعيتر الخميس، لتضع حدا لسيرة واحد من أكثر المطلوبين إثارة للجدل. ففي عملية أمنية نوعية تعدّ من أبرز العمليات منذ سنوات، أوقف الجيش اللبناني على طريق الكنيسة – بعلبك شرقي البلاد. ويعدّ زعيتر من بين الأسماء عرضة للملاحقة القضائية، إذ صدرت بحقّه مئات من مذكرات التوقيف وعشرات الأحكام المؤبّدة.
يأتي توقيف زعيتر (48 عاما)، ضمن حملة واسعة يشنها الجيش ضد شبكات المخدرات في البقاع، شهدت تصعيدا نوعيا باستخدام الطائرات المسيّرة لتنفيذ ضربات دقيقة على أوكار المطلوبين. وأسفرت العمليات الأخيرة عن مواجهات دامية في منطقة الشراونة – بعلبك قبل أيام، أدت إلى مقتل عسكريين وإصابة آخرين أثناء عمليات الدهم.
وتحمل عملية توقيف زعيتر أبعادا سياسية، إذ تشير تقارير ومراجع أمنية وصور ميدانية إلى علاقات وثيقة تربط زعيتر بحزب الله، ما يجعل توقيفه أكثر من مجرد اعتقال لمطلوب خطير، بل خطوة مهمة ضمن منظومة معقدة تربط الجريمة المنظمة بالكيانات السياسية والميليشيات في البلاد.
أبعد من تجارة المخدرات
لا شك أن توقيف زعيتر المتهم بتمويل حزب الله عبر أنشطته غير المشروعة، يشكّل ضربة قوية لشبكات التهريب التي ازدهرت لعقود في البقاع، مستفيدة من “مربعات أمنية” تشابكت فيها المصالح العائلية والنفوذ الحزبي وامتدادات النظام السوري.
ولا تقتصر الاتهامات الموجّهة إلى زعيتر على الاتجار بالمخدرات؛ تتعلق كذلك بحسب بيان الجيش اللبناني بجرائم “تأليف عصابات تنشط ضمن عدد كبير من المناطق اللبنانية في الاتجار بالأسلحة وتصنيع المواد المخدرة، والسلب والسرقة بقوة السلاح، وإطلاق النار نحو عناصر ومراكز للجيش ومنازل لمواطنين، وخطف أشخاص مقابل فدية مالية”.
وتصف تقارير أجنبية زعيتر بأنه لاعب رئيسي في شبكات تهريب الأسلحة لحزب الله. وفي مارس 2023، فرضت وزارة الخزانة الأميركية بالتنسيق مع المملكة المتحدة، عقوبات على أفراد سوريين ولبنانيين، من بينهم زعيتر، بتهمة المشاركة في إنتاج وتصدير الكبتاغون، بمليارات الدولارات.
ووصفت الخزانة زعيتر بأنه “تاجر أسلحة ومهّرب مخدرات معروف”، ومرتبط بالفرقة الرابعة في جيش النظام السوري برئاسة ماهر الأسد، وبشخصيات في حزب الله. وفي أبريل من العام ذاته، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على زعيتر، كما أنه مطلوب للإنتربول بتهم تتعلق بالإرهاب وتجارة السلاح وخطف واحتجاز أشخاص وسرقة سيارات، بحسب ما ذكرت وسائل إعلام لبنانية.
وفي المقابل، سارع محاميه أشرف الموسوي بعد توقيفه إلى نفي ضلوع موكله في تجارة السلاح وذلك خلال مقابلة إعلامية، إلا أن سجل المذكرات القضائية الحافل بجرائم مسلّحة ومواجهات مع القوى الأمنية يناقض رواية الدفاع، ويضع توقيفه في إطار مواجهة حقيقية مع شبكات الجريمة المنظمة.
وفي السياق، يؤكد المحلل السياسي المحامي أمين بشير لموقع “الحرة” أنه لا يمكن الفصل بين تجارة السلاح وتجارة المخدرات، “إذ توفّر الأولى حماية لمسارات الثانية، كما أن العاملين في أحد القطاعين ينخرطون بسهولة في الآخر، بحكم اعتماد شبكات السلاح والمخدرات على المسارات ذاتها، وعلى بنية تهريب متشابكة ومترابطة”، ويعتبر أن هاتين التجارتين “شكّلتا خلال السنوات الأخيرة أحد أهم مصادر التمويل لحزب الله”.
ويشير الباحث السياسي الدكتور مكرم رباح إلى أنه “لا يمكن فصل شبكات المخدرات عن السلاح وعمليات التهريب عبر الحدود”، لافتاً في حديث لموقع “الحرة” إلى أن “علاقة زعيتر برموز النظام السوري السابق وعائلته تعد جزءاً من هذا السياق، مع وجود صور توثق هذه العلاقات”.
منظومة مصالح ممتدة
لطالما ارتبط اسم نوح زعيتر بحزب الله، سواء عبر تداول روايات عن غطاء أمني سهّل تحركاته، أو من خلال مشاركته العلنية في معارك داخل سوريا. ففي عام 2015، ظهر في مقاطع فيديو داخل مواقع قيل إنها تابعة للحزب، مؤكدا مشاركته في معركة الزبداني، مردّداً “لبيك يا نصر الله”.
ورغم أن حزب الله نفى مراراً أي علاقة به، معتبراً أن الصور لا تمت للحزب بصلة، ردّ زعيتر بنشر مزيد من الصور. وفي مناسبات عدة، شارك زعيتر في احتفالات ضمّت نواباً ووزراء من حزب الله وحركة “أمل”، كما ظهرت له لقطات مع رئيس الهيئة الشرعية في حزب الله، محمد يزبك، خلال مجلس عزاء.
وتشير تقارير دولية إلى أن تمويل حزب الله يرتكز على شبكات تهريب المخدرات وتجارة الأسلحة وغسيل الأموال، ليس فقط داخل لبنان، بل أيضاً في أوروبا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، ما يعكس امتداداً عالمياً لأنشطة الحزب المالية.
مساران متوازيان
يشدد بشير على أن نزع سلاح حزب الله ليس المسار الوحيد الذي يتحرك فيه المجتمع الدولي، “إذ يسير بالتوازي معه مسار آخر يقوم على تجفيف مصادر تمويل الحزب، وهو مسار لا يقلّ أهمية عن الضغط الأمني المباشر”.
ويلفت بشير إلى أن هذا التوجّه “تجلّى في سلسلة إجراءات مالية، من بينها ما اتخذه مصرف لبنان بحق مؤسسات مالية مرتبطة بحزب الله، إضافة إلى التعميم الأخير الصادر عن وزير العدل الذي قيّد عمليات شراء العقارات عبر كتّاب العدل”، ويتوقع بشير “دوراً مقبلاً لوزارة المالية في ملاحقة الشركات المالية المشتبه بعملها لصالح الحزب”.
ويعتبر أن توقيف زعيتر يأتي ضمن هذا السياق، “إذ سبقته عمليات تفكيك وتصفية لعدد من تجار المخدرات البارزين خلال الأشهر الماضية، نفّذت بعضها المسيّرات عبر ضربات دقيقة، فيما تمّت ملاحقة آخرين ميدانياً”. وبرأيه، فإن هذه العمليات “تعكس قراراً سياسياً واضحاً بإنهاء هذه الشبكات، وليس مجرد تدابير أمنية ظرفية”.
ويضيف أن زعيتر “على الرغم من حضوره الإعلامي الصاخب وتحدّيه العلني للدولة، ليس الاسم الأكبر في عالم التهريب، لكن توقيفه أثار ضجة بسبب شخصيته وطريقة ظهوره. في المقابل، جرت تصفية شخصيات أكبر منه بكثير من دون أي ضجيج إعلامي”.
كذلك يرى رباح أن توقيف زعيتر “يأتي في إطار ضغوط دولية وإقليمية، لا سيما في ملف تهريب المخدرات، وخصوصا من قبل الدول الخليجية”، واصفا تصويره على أنه مجرد “مزارع حشيش” بـ”قمة من الهرطقة”.
وتزامن توقيف زعيتر مع إعلان رئيس الحكومة نواف سلام عن ضبط أكثر من 30 معملا للكبتاغون خلال شهر واحد، إلى جانب تشديد الإجراءات في مطار بيروت، وإلغاء الإدارة الأميركية زيارة قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل إلى واشنطن، وإعلان الرياض استعدادها للعودة إلى الانفتاح الاقتصادي على لبنان، ما يجعل العمليات الأخيرة جزءا من استراتيجية أوسع لمواجهة “الدولة الموازية” والاقتصادات غير الشرعية في لبنان.
سقوط الغطاء؟
على الرغم من ظهوره العلني وإجراء مقابلات تلفزيونية، لم تقدم القوى الأمنية سابقا على توقيف زعيتر، ما رسّخ القناعة بأن غطاءً سياسياً وحزبياً كان يحميه من الملاحقة.
لكن متغيرات السنوات الأخيرة قلبت المعادلة. فمنذ الهزيمة التي مني بها حزب الله في الحرب الأخيرة مع إسرائيل، وسقوط نظام الأسد، وتزايد الضغوط الدولية لنزع سلاح الحزب، تقلصت المساحات التي كانت تتحرك ضمنها “اقتصادات التهريب” في البقاع.
وفي هذا السياق، يشرح بشير أن شبكات التهريب الناشطة في البقاع تشكّل جزءاً من “منظومة مصالح تمتد بين لبنان وسوريا، حيث لعب حزب الله دور الحامي لهذه المجموعات مقابل استفادة متبادلة”، ويضيف أن “التواصل المباشر بين هذه الشبكات والنظام السوري السابق، وهو أكبر منتج ومصدّر للكبتاغون، جعلها جزءاً من منظومة عمل واحدة”.
وتشدّد الجيش اللبناني في عملياته مؤخرا، وشملت تفكيك معامل الكبتاغون واستهداف مطلوبين بطائرات مسيّرة، من بينهم علي منذر زعيتر، المعروف بـ”أبو سلة” في أغسطس الماضي.
وفي المقابل، أطلقت السلطات السورية الجديدة حملة لضبط الحدود مع لبنان، حيث نقلت وكالة “سانا” اتهامات مباشرة تقول إن معظم عصابات التهريب تتبع حزب الله وتشكل تهديداً أمنياً، ما يعكس تزايد التنسيق الإقليمي في مواجهة شبكات التهريب.



