في حلقته الأسبوعية على منصات “الحرة” الرقمية، يتساءل إبراهيم عيسى: “هل يحتاج المسلم إلى إذن كي يفكر في دينه؟”. ويستعرض وقائع من تاريخ التعصب المذهبي تكشف كيف تحوّل الخلاف الفقهي إلى وسيلة للإقصاء وحتى العنف.
يناقش عيسى أيضا مقولة “لا اجتهاد مع النص”، مستشهدا بنماذج تاريخية تؤكد أن الاجتهاد ليس حكرا على مذاهب أو شيوخ أو مؤسسات.
النص التالي يعرض أهم ما جاء في الحلقة.
في سنة 597 هجرية، توفي إمام مسجد بالغ الأهمية: خطيب جامع المنصور في بغداد. كان الرجل شافعي المذهب، وأحد أبرز أئمة عصره.
خرجت جنازة الإمام لتشييعه ودفنه، وكان طبيعيا أن تتجه إلى المدافن الأوسع والأشهر في بغداد آنذاك: مدافن الحنابلة. لكن الحنابلة وقفوا في شوارع بغداد ومنعوا الجنازة من المرور. لماذا؟ لأن الميت شافعي.
هذا كان إمام الجامع وخطيبه، ومع ذلك اندلعت شجارات وصدامات عنيفة، استدعت تدخل الخليفة العباسي نفسه، الذي فرض على الحنابلة السماح بدفنه في مقابرهم.
واقعة كهذه لا يمكن إلا أن يتأملها المرء طويلا، ليدرك إلى أي مدى نحن غافلون عن التاريخ، وكيف يُستغفل حاضرنا نتيجة الغفلة عن التاريخ. فمثل هذه الأحداث مذكورة بوضوح في كتب التراث والمراجع الكبرى.
وتروي هذه الكتب نفسها قصة الفقيه منصور بن السمعاني، الحنفي الذي قضى ثلاثين عاما على مذهب الإمام أبي حنيفة، ثم قرر التحول إلى المذهب الشافعي. ما الذي جرى بعد ذلك في بغداد؟ صراع مرير، وخناق، وحرب بين أئمة الحنفية والشافعية، انتهت باضطراب هائل، وتدخل آخر للخليفة.
وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: هل يمكن الوثوق بأصحاب هذا التاريخ المتخم بالتعصب، أيا كانت مذاهبهم؟ هل هؤلاء أمناء على أن نسير خلفهم، ونصدقهم حين يقولون إن الحق محصور فيهم وحدهم؟ أو حين يرددون أن التفكير والاجتهاد لا يكون إلا من خلالهم؟
أكذوبة “لا اجتهاد مع النص”
عند الحديث عن الاجتهاد، لا بد من التوقف أمام المفهوم نفسه. ماذا يعني أن يجتهد الإنسان؟ يعني أن يُعمل فكره، ويُمعن رأيه، ويفحص ويتأمل، ويُجهد عقله في فهم الشريعة والقرآن والسنة والتاريخ، ليصل إلى رأي جديد، أو حكم، أو فتوى، أو موقف.
هذا المسار يفترض وجود عقل يفكر ويعلن ويعبّر عن أفكاره بوضوح، دون قيد أو وصاية أو تحديد مسبق.
لكننا نواجه، لدى بعض أصحاب المذاهب، خصوصا في المذهب الحنبلي المعاصر المتمثل في السلفيين والوهابيين، وكذلك لدى المؤسسات الدينية الرسمية، فكرة أن الاجتهاد حكر عليهم وحدهم. وعندما يرددون باستمرار عبارة “لا اجتهاد مع النص”، فإنهم في الحقيقة يؤكدون وصايتهم على العقل المسلم، واحتكارهم للدين.
هذه الوصاية تحوّل الدين إلى كيان جامد متخشب، وتمنع أي حيوية فكرية. والسؤال الطبيعي هنا: لماذا هذا الإصرار على منع الاجتهاد؟ هم لا يقولون حرفيا إن الاجتهاد ممنوع، بل يعتبرون أنهم وحدهم من يحق لهم أن يجتهدوا.
لكن النص، بطبيعته، لا يُفهم إلا بالاجتهاد. النص ليس قطعي الدلالة، ولا يشرح نفسه بنفسه. مجرد محاولة الفهم هي اجتهاد. فكيف يُقال “لا اجتهاد مع نص” بينما لا سبيل لفهم النص إلا بالعقل؟
هذه العبارة، في حقيقتها، تعني: لا اجتهاد إلا حين أراه أنا، وحين أسمح به. وهي تُستخدم لمنع المسلم العادي، الذي يُسمّى بازدراء “العوام”، من التفكير والنقاش.
وهذا تقسيم طبقي للمعرفة لم ينزل به وحي، ولم يرد في القرآن. الدين لم ينزل بعلوم تفسيرية مُلزمة، ولا اشترط مؤهلات أكاديمية للإيمان أو الفهم. هذه علوم بشرية، جرى توظيفها أحيانا للنفوذ، وأحيانا للتكسب المادي الصريح.
“أصابت امرأة وأخطأ عمر”… هل كانت خريجة شريعة؟
كثيرا ما يستشهد هؤلاء بالتاريخ بوصفه شاهدا لهم، بينما هو في الحقيقة شاهد عليهم. من ذلك قصة عمر بن الخطاب عندما حاول تحديد المهور، فقاطعته امرأة في المسجد، محتجة بالقرآن، فاعترف بخطئه، وقال عبارته الشهيرة: “أصابت امرأة وأخطأ عمر”.
السؤال الجوهري هنا: هل كانت هذه المرأة “متخصصة” في علوم الشريعة؟ هل طُلب منها سند أكاديمي أو إذن فقهي؟ لم يحدث شيء من ذلك. اجتهدت بعقلها، وقدمت حُجتها، وكانت على صواب.
هذا يوضح أن الاجتهاد لا يشترط المرور عبر مؤسسات أو شهادات. يمكن للإنسان أن يجتهد في مسألة واحدة، أو سؤال واحد، ويكون اجتهاده صحيحا وملزما أخلاقيا له.
تظهر هنا أيضا فكرة “الاجتهاد الجماعي”، حين تجتمع مثلا هيئات كبار العلماء والمجامع الفقهية لإصدار فتاوى باسم الإجماع أو الأغلبية. لكن هذا الاجتهاد ليس ملزما لأي مسلم.
من قال إن هؤلاء على صواب؟ ومن قال إن رأيا فرديا، صادقا ومجتهدا، لا يمكن أن يكون أدق وأقرب للحق؟ لا يوجد نص يلزم المسلم باتباع مؤسسة أو هيئة.
المسؤولية في النهاية فردية. كل إنسان مسؤول أمام الله عن فهمه وخياراته. وإذا قيل إن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، فلا معنى لهذا الشعار دون فتح باب الاجتهاد.
التمسك الحرفي بالماضي، مع الاستفادة العملية من منجزات العصر، يكشف تناقضا واضحا. نعيش بوسائل حديثة، لكنهم يريدون منا فهم النصوص بآليات قديمة، ثم يصرون على إغلاق باب الاجتهاد.
الخلاصة واضحة: نعم، هناك اجتهاد مع النص، ومع كل نص. لا احتكار للدين، ولا وصاية على العقل، ولا إلزام بمذهب دون آخر. يأخذ المسلم ما يقنع عقله، ويجتهد، ويُعمل فكره بحرية.
الاحتكار والوصاية طريق مسدود، لا يؤدي إلا إلى الجمود والتعصب والتطرف. وهذا باب يجب كسره تحت أقدام العقل… إن كان للعقل أقدام.


