عندما أصابت طائرة إيرانية مسيّرة إقليم ناخيتشيفان الأذربيجاني المفصول عن بقية أراضي البلاد خلال الربيع الماضي، ردّت باكو بإجراءين بدا متناقضين ظاهرياً: دفعت بقوات إلى الحدود مع إيران، وفي الوقت نفسه أرسلت إليها مساعدات إنسانية عبر الحدود.
بعد عودته من العاصمة الأذربيجانية، قال إيلان بيرمان، نائب الرئيس الأول في “المجلس الأميركي للسياسة الخارجية” لـ”الحرة” عبر برنامج بودكاست ”Ctrl-F”، إن هذه السياسة تقوم على مزيج من الضغط والاحتواء، أو ما وصفه بـ”العصا والجزرة”.
وبحسب بيرمان، وجّهت باكو أيضا رسالة خاصة إلى طهران، ذكّرتها فيها بأن لدى أذربيجان أوراق ضغط يمكن أن تؤلم إيران.
وشرح مضمون تلك الرسالة: “إذا لم تتوقفوا، لدينا أدوات يمكننا استخدامها. يمكننا اللعب على الانقسامات الإثنية داخل بلدكم. أنتم قلقون من انتفاضة كردية، لكن عليكم أيضاً أن تقلقوا على شمال البلاد”.
والمقصود هنا ملايين الأذريين الذين يعيشون في شمال إيران. ويقدّر بيرمان أنهم يشكلون نحو ربع سكان إيران البالغ عددهم 93 مليون نسمة، أي أكثر من ضعفي عدد سكان أذربيجان نفسها.
ولفت بيرمان أيضاً إلى أن “جزءاً كبيراً من القيادة السياسية” الإيرانية له جذور في شمال البلاد.
وقال إن هذه الحقيقة “تخلق روابط دبلوماسية”، وهو ما يفسر، في رأيه، لماذا لا تستطيع باكو ببساطة إغلاق الباب في وجه جارتها الجنوبية.
لكن هذه الروابط تصطدم، في المقابل، برؤية أذربيجانية أوسع تقوم على زيادة الارتباط بالغرب والممرات التجارية الجديدة.
ويقول بيرمان إن الحكومة الأذربيجانية تريد تعزيز موقع البلاد في مشروعات الربط الإقليمي، مثل “الممر الأوسط” ومسار ترامب للسلام والازدهار الدولي، إلى جانب توثيق العلاقات مع إسرائيل والولايات المتحدة.
وأضاف أن هذا الاتجاه “يتعارض مع سياسة التقارب مع إيران”.
وقال: “هم يريدون البقاء على هامش ما يحدث في إيران، لكنهم لا يستطيعون”.
ويطلق بيرمان على أذربيجان وصف “الدولة الخليجية الأبعد شمالاً”. فالبلاد جمهورية سوفياتية سابقة، ذات غالبية شيعية، لكنها محكومة بنظام علماني، وتملك نفطاً على بحر قزوين، وتحافظ على علاقات جيدة مع تركيا وإسرائيل وإدارة الرئيس دونالد ترامب.
أما نظام الحكم، فيصفه بيرمان بأنه “سلطوي قائم على الكفاءة” تحت قيادة الرئيس إلهام علييف، الذي ورث المنصب عن والده.
وقال “هذا النظام يفكر بطريقة أقرب إلى السلالة الحاكمة منه إلى الديمقراطية”.
وأشار أيضاً إلى أن موسكو حريصة على الاحتفاظ بنفوذها التاريخي في أذربيجان، وتبذل جهداً لضمان بقائه.
لكن علمانية باكو ليست بلا خصوم.
فقد فرضت السلطات أخيراً قيوداً على ارتداء الحجاب والنقاب في المدارس، وهو ما أثار اعتراضات بعض الأوساط في الشرق الأوسط، وفق بيرمان.
وقال إن السلطات الأذربيجانية عملت على ترسيخ ما تعتبره “فصلاً بين الدين والدولة”، بوصفه وسيلة لحماية البلاد من النفوذ الخارجي.
وأضاف أن طهران تنظر منذ تسعينات القرن الماضي بعين القلق إلى النموذج الشيعي العلماني في أذربيجان.
وقال: “لأنه ليس راديكالياً، وليس مسيّساً”، فإنه “قد يؤثر في السكان الأذربيجانيين في شمال إيران”.
وفي المقابل، سعت إيران إلى نشر خطابها الديني بين شيعة أذربيجان، بحيث يقع أثر أي نزعة انفصالية ذات طابع ديني داخل أذربيجان نفسها بدلاً من إيران.
لكن العلاقة مع إسرائيل تبقى من أكثر ملفات الخلاف حساسية بالنسبة إلى طهران.
ففي 2023، خاضت أذربيجان حرباً قصيرة مع أرمينيا حول إقليم ناغورنو كاراباخ ذي الغالبية الأرمنية. وانتصرت باكو، على حد وصف بيرمان، “بسهولة”، مستفيدة من مسيّرات إسرائيلية وأنظمة تكنولوجية متقدمة.
وفي 2025، توصلت أذربيجان وأرمينيا إلى اتفاق سلام بوساطة أميركية في واشنطن.
وقال بيرمان: “إذا كنت إيرانياً وتنظر شمالاً وترى هذا التعاون في التكنولوجيا الدفاعية والعسكرية، فلديك سبب للقلق من أن تتحول أذربيجان إلى منصة لشن هجوم عليك”.
لكنه رفض اختزال العلاقة بين أذربيجان وإسرائيل في صفقة نفط مقابل سلاح. وقال: “أعتقد أن الأمر أعمق من ذلك”.
وأوضح أنه أبلغ مسؤولين أذربيجانيين قبل عامين بأن بلادهم تبدو مرشحاً طبيعياً للانضمام إلى “اتفاقات أبراهام”، لكنهم رفضوا الفكرة.
وقال إن ردهم كان: “لسنا في حاجة إليها، لأن علاقتنا مع إسرائيل تاريخية وواسعة جداً. الأمر لا يتعلق بالدفاع فقط، ولا بالشأن العسكري فقط، بل بالتوافق السياسي أيضاً”.
وأضاف نقلاً عنهم: “لسنا في حاجة إلى هذه البنية لدفع العلاقة إلى الأمام. لدينا علاقة قوية جداً بالفعل”.
غير أن هذا التقارب يضع باكو في موقع دبلوماسي بالغ الحساسية.
وقال بيرمان: “من جهة، لدى تركيا علاقة شديدة الخصومة مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه علاقة وثيقة جداً مع أذربيجان. وأنقرة قلقة من ذلك”.
وأضاف: “ومن جهة أخرى، فإن إيران، التي تربطها علاقة متوترة بأذربيجان وعلاقة سيئة جداً بإسرائيل، تشعر أيضاً بقلق بالغ”.
وفي هذا السياق، تعهدت باكو عدم الانضمام إلى أي تحالف عسكري وعدم استضافة قوات أجنبية.
ووصف بيرمان ذلك بأنه “استراتيجية طمأنة تهدف إلى تهدئة بعض المخاوف الإيرانية”.
وقال إن هذه السياسة، إلى جانب ورقة الأذريين داخل إيران، نجحت حتى الآن في خلق قدر من الردع.
لكنه حذر من أن “هذا الوضع لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية”. فروسيا تنقل طائرات مسيّرة إلى إيران عبر بحر قزوين، بالقرب من الأراضي الأذربيجانية.
وإذا اندلعت جولة جديدة من القتال بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، فقد تصبح خطوط الإمداد تلك أهدافاً مباشرة.
وقال بيرمان: “إذا اشتعلت الحرب من جديد، وظهرت نتيجة لذلك جبهة شمالية، فسيصبح من الصعب جداً على أذربيجان البقاء خارجها”.
وينصح بيرمان واشنطن كذلك بإعادة النظر في الطريقة التي تقسم بها مناطق جنوب القوقاز وآسيا الوسطى والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، معتبرا أن التعامل معها باعتبارها مناطق منفصلة “صيغة تفيد موسكو وتفيد بكين، لأنها تبقي هذه الدول منفصلة وغير مترابطة”.
وبرأيه، تستطيع روسيا والصين ممارسة نفوذ يفوق حجمهما عندما تشعر دول المنطقة بأنها معزولة وضعيفة.
أما الولايات المتحدة، فعليها، وفق بيرمان، تشجيع هذه الدول على النظر إلى نفسها باعتبارها كتلة مترابطة.
وختم بالقول: “إذا كنتم تريدون رؤية تطور اقتصادي إيجابي وتطور سياسي إيجابي في هذه المناطق، فعليكم أن تنظروا إليها ككل، وأن تفكروا في كيفية تحركها لتعزيز المصالح الأميركية والمصالح الغربية، ودفع الأفكار التي نهتم بها”.