مرحبًا بكم مجددًا في إحاطة إيران من شبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN). هذا هو الأسبوع الرابع منذ اندلاع الاحتجاجات التي سرعان ما انتشرت في أنحاء إيران، قبل أن يقمعها النظام بوحشية. وتشير مصادر موثوقة إلى سقوط آلاف القتلى. في هذه النشرة نلقي الضوء على الكلفة الإنسانية لسلوك قوات الأمن.
عملت الجمهورية الإسلامية على التستر على أفعالها عبر قطع الإنترنت ووسائل الاتصال الأخرى. وسأشارككم أبرز ما دار في حديثي مع خبير يشرح كيف نُفِّذ التعتيم الإعلامي وما الذي قد يحدث لاحقًا. ونختتم بشهادة شاهد عيان على الهجمات التي استهدفت المحتجين.
شاركوني آرائكم وتحليلاتكم وتوقعاتكم على البريد الإلكتروني: ailves@mbn-news.com
وإذا وصلتكم النشرة عبر إعادة توجيه، ندعوكم للاشتراك. يمكنكم قراءة النسخة الانجليزية هنا، أو عبر موقعي قناة الحرة الإخباريين بالعربية والإنجليزية.
اقتباس الأسبوع
«إذا نظرتَ في عيونهم، فلن ترى أي إنسانية».
— إيراني يصف القمع الوحشي الذي مارسته قوات الأمن ضد الاحتجاجات
أبرز الأخبار
تبدو إيران أكثر هدوءًا على السطح، لكنها مكسورة في العمق. وقد أبرز الأسبوع الماضي ثلاث حقائق: كان سفك الدماء واسعًا؛ وكان قطع الإنترنت سلاحًا فعالًا؛ وأصبحت الجمهورية الإسلامية ونظامها محاصرين في الداخل والخارج.
أولًا، باتت الكلفة البشرية مكشوفة. ففي 17 يناير/كانون الثاني، تحدث المرشد الأعلى علي خامنئي عن مقتل «عدة آلاف»، محمِّلًا الولايات المتحدة وإسرائيل المسؤولية. لكن طواقم المستشفيات ومنظمات حقوق الإنسان تتحدث عن أعداد أعلى بكثير من القتلى والجرحى. وأُبلِغ عن حالات إطلاق نار على الناس من مسافة قريبة جدا في مدن عدة، بينها كرمنشاه ومشهد. تراجعت كثافة المسيرات الكبيرة، لكن الغضب لم يخمد. يهتف الناس ليلًا من نوافذ منازلهم، وتستمر الإضرابات على نحو متقطع بينما تراجعت وتيرة الأعمال.
ثانيًا، أصبح قطع الإنترنت جزءًا من قصة القتل. تُظهر بيانات نت بلوكس وكلودفلير انهيار حركة الإنترنت إلى ما يقارب الصفر بعد 8 يناير/كانون الثاني، في ذروة القمع. وعادت الاتصالات جزئيًا خلال الأيام الماضية. وليس مفاجئًا أن تحظى الهيئات الحكومية والمصارف والشركات المُدقَّقة بإمكانية وصول أكبر من المستخدمين العاديين. غير أن بيانات نت بلوكس اليوم تُظهر أن الحركة لا تزال دون المعدلات الطبيعية وباتت تتراجع مجددًا.
ثالثًا، تسود العالم الخارجي حالة من الصدمة مع تَكَشُّف وقائع العنف في قمع النظام. فقد عقد مجلس الأمن الدولي إحاطة بشأن الاحتجاجات وقمعها الوحشي، ويُناقش البرلمان الأوروبي الملف الإيراني في ستراسبورغ. أما ما سيحدث لاحقًا فغير واضح.

ما بعد الاحتجاجات: مبنى الضرائب الحكومي في طهران. رويترز.
الكلفة البشرية — «إذا نظرتَ في عيونهم، فلن ترى أي إنسانية». هذه الكلمات المرعبة لإيراني وصف قوات الأمن المشاركة في القمع العنيف، كما نقلها مراسل MBN رينغو هاريسون في مقال بعنوان: «إنهم يقتلون الجميع: أصوات من داخل العتمة في إيران».
تتسرّب تفاصيل القمع تدريجيًا. وصف ما جرى مرعب في قسوته. ويقدّم تقرير لمنظمة العفو الدولية روابط لمواد صادمة: «تُظهر أدلة سمعية وبصرية تم التحقق منها إصابات خطيرة، وفي بعض الحالات قاتلة، بينها جروح بطلقات نارية في الرأس، بما في ذلك العينان، فضلًا عن أشخاص ممدّدين بلا حراك في الشوارع أو يُنقلون بعيدًا وسط ما يُعتقد أنه استمرار لأصوات إطلاق النار. وتُظهر لقطات أخرى مرضى ينزفون بغزارة أو يبدون بلا حياة على أرضيات المستشفيات. وفي عدة مقاطع، يصرّح المصوّرون بأن أشخاصًا قُتلوا. ويُظهر مقطعان على الأقل قوات الأمن وهي تطارد المحتجين الفارين وتطلق النار عليهم مباشرة رغم أنهم لا يبدون أي تهديد يبرّر استخدام القوة، ناهيك عن الأسلحة النارية أو غيرها من الأسلحة المحظورة».
أما حصيلة القتلى، فتقع أرقام خامنئي عند الحد الأدنى من نطاق واسع وقاتم للغاية. فقد ألمحت تصريحاته في 17 يناير/كانون الثاني إلى مقتل «عدة آلاف»، وألقى باللوم على «مثيري الشغب» والأعداء الأجانب، وأشار إلى أن بعض القتلى قُتلوا «بقسوة وبلا إنسانية». وتضع تقارير مرتبطة بالنظام عدد الاعتقالات حتى الآن عند 3,000.
وتتحدث منظمات حقوقية ومصادر في المستشفيات عن أعداد أكبر بكثير من الجرحى والمعتقلين، تصل إلى عشرات الآلاف، مع استحالة التحقق من أرقام دقيقة في ظل قطع الإنترنت وإجراءات أخرى فرضها النظام. وتشير إحدى التجميعات التي أعدّها أطباء داخل إيران، ونقلتها صحيفة صنداي تايمز ويستشهد بها ناشطون على نحو متزايد، إلى مقتل 16,500 شخص وإصابة نحو 330,000، وهو رقم يعتبره آخرون معقولًا لكنه غير مؤكَّد.
مرصد النفوذ الصيني من MBN
منصة تفاعلية قائمة على البيانات ترصد تمدّد النفوذ الصيني الاقتصادي والسياسي والعسكري في الشرق الأوسط مقارنةً بالولايات المتحدة.
وتأتي الصورة الأكثر حدة من شهادات المسعفين والمحتجين على الأرض. إذ تصف مقابلات لهيئة الإذاعة البريطانية مع طواقم مستشفيات في طهران «إطلاق نار مباشر على رؤوس الشباب وكذلك على صدورهم»، وأقسامًا طبية غارقة بجرحى طلقات نارية من ذخيرة حية وطلقات خرز. وتضمن تقرير ميداني لمنظمة العفو الدولية من كرمنشاه شهادة محتج مصاب يقول: «تشعر بأن كرمنشاه تحولت إلى منطقة حرب وإلى ساحة لإطلاق الرصاص. جاء الضباط من الأزقة المحيطة وبدأوا بإطلاق النار… أُصبتُ بعشرين خرزة معدنية ولجأتُ إلى منزل قريب… حتى إن قوات الأمن أطلقت النار على منازل الناس الذين آووا الفارين من الرصاص».
وأمس، أفادت الـBBC بأن صورًا مسرَّبة من مشرحة في طهران تُظهر مقتل ما لا يقل عن 326 شخصًا خلال القمع الأخير للاحتجاجات، كثير منهم كانت وجوههم مشوَّهة إلى حد منع عائلاتهم من التعرف عليهم. وقد جمعت BBC Verify هذه الصور رغم انقطاع شبه كامل للإنترنت، وهي تقدّم لمحة صغيرة لكنها دالّة على الكلفة البشرية الأكبر بكثير للقمع.
تبدو اعترافات النظام محاولة للإقرار بوقوع قتل واسع النطاق ولكن على مستوى أدنى. غير أن شهادات الشهود، وإفادات المستشفيات، وأرقام منظمات الحقوق الأعلى، تشير إلى كارثة أكبر بكثير لم يظهر منها إلى النذر اليسير.
وتستمر حملة طهران لتصوير الانتفاضة على أنها مؤامرة خارجية بلا هوادة. فقد حمّل المرشد الأعلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحديدًا، والولايات المتحدة عمومًا، وإسرائيل، مسؤولية التحريض على «أعمال الشغب». وتصف وسائل الإعلام الرسمية المتظاهرين بـ«الإرهابيين» و«العملاء» لأجهزة استخبارات غربية وإقليمية. وفي مجلس الأمن الدولي، أعاد ممثلو طهران وصف الأحداث بأنها مُدبَّرة خارجيًا، واتهموا دولًا معادية بشن «حرب هجينة» عبر العقوبات والإعلام وشبكات التواصل. ويستخدم المسؤولون هذه الرواية اليوم على نحو روتيني لتبرير القوة المميتة والإغلاق الشامل.
أقرأ حاليًا كتاب «ملك الملوك»، وهو تاريخ لسقوط شاه إيران نُشر قبل بضعة أشهر. وقد استوقفتني هذه العبارة عن موقف السكان من بعض تصريحات الشاه في مواجهة الاحتجاجات المتصاعدة عام 1978: «لماذا يصدّق أحد ما يصدر عن نظام واصل الادعاء بأن خصومه يقودهم مخربون أجانب، فيما كان ذلك كذبًا بيّنًا لكل إيراني يعرف شخصًا شارك في الاحتجاجات؟».

تجمع دعمًا للاحتجاجات في إيران في فيينا، النمسا. رويترز.
العتمة الرقمية — مع القيود الشديدة المفروضة على التغطية داخل إيران، تبقى الطريقة الحقيقية الوحيدة لمعرفة ما يجري هي شهادات الشهود والصور ومقاطع الفيديو الواردة من الداخل. وقد جعل إغلاق الإنترنت الذي فرضه النظام ذلك شبه مستحيل.
كما ذكرتُ في نشرتي الأسبوع الماضي، لا يمكن قطع الإنترنت إلى أجل غير مسمّى في إيران؛ إذ يلعب دورًا محوريًا في الاقتصاد. ويبدو أن النظام متردد في تحديد مدة الإغلاق. فمنذ بدء الحجب في 8 يناير/كانون الثاني، ظل المسؤولون يغيّرون روايتهم بشأن إعادة الخدمة. وصفوا الإغلاق أولًا بأنه إجراء «أمني» قصير، وتحدثوا بشكل مبهم عن إعادة تدريجية بلا مواعيد واضحة. ثم قالت وسائل إعلام رسمية إن إيران «تخفف قيود الإنترنت العالمي» وتعيد بعض الخدمات. يوم الأحد، تباهى عنوان في قناة «برس تي في» الخاضعة للدولة بأن «إيران تبدأ تخفيف قيود الإنترنت العالمي»، وفي يوم الاثنين أعلن مسؤول عبر التلفزيون الرسمي أن «الإنترنت سيعود تدريجيًا إلى العمل الطبيعي هذا الأسبوع».
تعارضت هذه التصريحات مع قول المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني إن الاتصال بالإنترنت لن يُستأنف قبل نوروز، رأس السنة الإيرانية في أواخر مارس/آذار.
ولا يزال الوصول الحقيقي إلى الإنترنت شبه معدوم بعد قرابة أسبوعين من الانقطاع.
ولفهم هذه التقارير المتضاربة، تواصلتُ مع خبير مقيم في واشنطن بشأن حجب الإنترنت في إيران طلب عدم ذكر اسمه كي يتحدث بحرية عن هذه القصة المتطورة.
قال: «من المهم إدراك أن إيران لديها بالفعل واحدة من أقسى بيئات الإنترنت في العالم. وربما لا تتفوق عليها في الانغلاق سوى تركمانستان أو كوريا الشمالية».
سألته: لماذا لا يستطيع النظام إبقاء الإنترنت مقطوعًا بشكل دائم؟ فأجاب: «هذا أشد إغلاق للإنترنت شهدته إيران على الإطلاق. كان آخرها خلال احتجاجات 2019، لكنه لم يكن بهذا السوء. ومع ذلك، فهو لا يمكن استمرار القطع طويلا. المطارات، والمصارف، وحتى الصيدليات—لا يستطيع الأطباء مثلًا التواصل مع الصيدليات—لا تعمل في ظل إغلاق الإنترنت». وأضاف: «هناك أضرار جانبية كبيرة مع الإغلاق الكامل. نعم، يمكنك أن تكون مثل كوريا الشمالية وتسمح لمئة شخص فقط في البلد بالوصول إلى الإنترنت، لكن الاقتصاد بأكمله سينهار».
وتابع: «ليس لديهم خيار سوى إعادة الإنترنت إلى درجة ما. لكن لا يمكنك أن تقرر تخريب شبكتك عمليًا ثم تعيد تشغيلها ببساطة. الأمر ليس بهذه السهولة».
وعن «شبكة المعلومات الوطنية» التي يفاخر بها النظام (إنترانت وطنية معزولة عن العالم)، ضحك قائلًا: «لا يمكنك أن تتوقع من نظام فاسد وسوء الإدارة كالجمهورية الإسلامية أن ينجح في ذلك. إنهم لا يستطيعون حتى توفير الغاز بشكل مناسب لشعبهم. فكيف سيطبّقون شبكة معلومات وطنية؟».
ولا تزال بيانات الشبكات تُظهر حركة ضئيلة جدًا.

الصحفية والكاتبة والناشطة السياسية الإيرانية-الأميركية مسيح علي نجاد تتحدث خلال اجتماع لمجلس الأمن الدولي حول إيران بناءً على طلب الولايات المتحدة. رويترز.
النظرة العالمية — تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن الوقوف إلى جانب الشعب الإيراني ومعاقبة طهران، ودفعَت الإدارة نحو عقوبات جديدة وأصدرت مواقف واضحة في الأمم المتحدة. في الوقت نفسه، ينصرف اهتمام العالم إلى صراعات أخرى، وتغدو إيران واحدة من أزمات عديدة. وعلى الرغم من استبعاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من منتدى دافوس الاقتصادي هذا الأسبوع («إن الخسارة المأساوية لأرواح المدنيين في إيران خلال الأسابيع الماضية تعني أنه ليس من الصواب تمثيل الحكومة الإيرانية في دافوس هذا العام»، بحسب المنظمين)، فإن إيران ليست بندًا بارزًا على جدول الأعمال. فغرينلاند حاضرة بطبيعة الحال، وكذلك أوكرانيا وغزة وأزمة المناخ، وغيرها من القضايا الملحّة التي تتنافس على الاهتمام العالمي.
ما المرجح أن يحدث لاحقًا؟ أولًا، المزيد من العقوبات: من المحتمل أن تضيف الحكومات الغربية أسماء جديدة إلى قوائم العقوبات، بينها قادة في الحرس الثوري ورؤساء أجهزة استخبارات وقضاة وشخصيات إعلامية وآخرون مرتبطون بعمليات القتل. ستؤلم هذه الخطوات نخب طهران التي تسافر وتتعامل مصرفيًا في الخارج، لكنها على الأرجح لن تغيّر الحسابات الأساسية للنظام أو تُحسّن سريعًا حياة الناس داخل البلاد.
وغدًا، من المقرر أن يعقد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة جلسة طارئة بشأن إيران. وقد شجب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك عنف النظام ضد المتظاهرين.
إلى أين الآن؟
ما يخيّم على هذه الانتفاضة اليوم هو عدم اليقين لا الخاتمة. يدرك الإيرانيون أن موجة الاحتجاجات الفورية سُحقت بوحشية بفوهات البنادق، لكن شيئًا من الأزمة البنيوية للبلاد لم يُحل. الاقتصاد لا يزال في حالة يرثى لها. والريال بالكاد أقوى مما كان عليه عندما أدى انهياره إلى انطلاق احتجاجات تجار البازار في طهران يوم 28 ديسمبر/كانون الأول. والطبقة الوسطى تعيش تحت خط الفقر. وحتى وفق حسابات النظام نفسه، يخرج التضخم عن السيطرة.
القيادة تشيخ وتزداد هشاشة، وقد تجاوزت قوات الأمن عتبة نفسية جديدة بتحويل مدن بأكملها إلى مناطق إطلاق نار حي، تحصد مواطنيها بلا تمييز.
ومع ذلك، قد يكون ثمة تغيير مهم على صعيد المعلومات. فحتى بعد أسبوعين من شبه صمت على الإنترنت، تسربت صور وشهادات كافية لجعل الإنكار مستحيلًا. هذا هو الشيء الوحيد الذي لا يستطيع النظام التراجع عنه. يمكنه سجن الناس وقطع الكابلات ومصادرة الهواتف، لكنه لا يستطيع محو ما كشفه للعالم عمّا فعل.
الخاتمة
في الأسبوع الماضي، نشرتُ شهادة مصوّرة لمغني الراب الإيراني ميراج طهراني، الذي فرّ للتو من البلاد عقب مجزرة النظام بحق المحتجين. وهنا مقابلتان بالإنجليزية أجراهما عمّا شاهده، إحداهما مع سكاي نيوز والأخرى مع ABC News
وأخيرًا، خلف أرقام الآلاف من الذين قتلهم النظام أسماء وحياة عاشوها. هذه قصة سنم بوربابائي، موسيقية تبلغ 26 عامًا فقدت حياتها على أيدي السلطات:
اطلعوا على المنشور على X هنا وشاهدوا على إنستغرام هنا

أندريس إلفيس
أندريس إلفيس هو مدير المبادرات الاستراتيجية في مؤسسة الشرق الأوسط للإرسال. وتشمل خبراته الصحفية عقدين في بي بي سي وراديو أوروبا الحرة.


