خلال مقابلة أجريت معه مؤخرًا، أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب طرح فكرة السماح لسوريا بالتدخل في لبنان.
واقترح ترامب أن يكون الرئيس السوري أحمد الشرع أكثر قدرة من الإسرائيليين، الذين يحتلون حاليًا جنوب لبنان، على التعامل مع تهديد حزب الله، قائلًا: «سيدخل ويتولى أمر حزب الله، وسيفعل ذلك بطريقة مختلفة. لن يهدم المباني، فقد كرهت رؤية المباني وهي تُهدم».
وأضاف ترامب لاحقًا: «أعتقد أنه سيكون أكثر دقة [من إسرائيل]، نعم، ويمكنني أن أقول لكم إنني أعرف أنه يرغب في القيام بذلك».
لكن عندما سُئل الشرع عن القضية نفسها خلال قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) الأخيرة في تركيا، قدّم إجابة لا لبس فيها، فقال: «نحن نبحث عن قنوات اقتصادية بين لبنان وسوريا، لا قنوات عسكرية».
وكشف التباين بين الموقفين عن مشكلة أوسع في مقاربة واشنطن لسوريا ما بعد الأسد. فالولايات المتحدة تتعامل بصورة متزايدة مع دمشق كما لو أنها أصبحت بالفعل قوة إقليمية مستقرة قادرة على المساعدة في حل الأزمات الأمنية لدى جيرانها. أما في الواقع، فما تزال سوريا تكافح لتصبح دولة قادرة على أداء وظائفها.
ويبدو أن وزير خارجية ترامب نفسه يتفق مع هذا التقييم. والأربعاء أبدى ماركو روبيو تشككًا حيال فكرة تدخل سوريا ضد حزب الله، قائلًا إن واشنطن تشجع سوريا على «التركيز على التحديات الداخلية التي تواجهها».
سوريا مختلفة
رحل الأسد، لكن سوريا لا تزال في مرحلة انتقالية. فُتحت السجون، وسقطت التماثيل، وتولت حكومة جديدة السلطة. ومع ذلك، لا تزال مؤسسات الدولة السورية هشة، ولا يظهر ذلك في أي مكان بوضوح أكبر من المؤسسة العسكرية.
لبنان، الذي يكافح لاحتواء النفوذ الإيراني عبر وكيله حزب الله، لا يحتاج إلى مزيد من التدخلات الخارجية. والأهم من ذلك أن دمشق مطالبة أولًا بفرض سلطتها داخل البلاد قبل أن تفكر حتى في بسط نفوذها خارج حدودها.
يقول الدكتور جوشوا لانديس، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما: «الجيش السوري يعاني حالة كبيرة من الفوضى. لقد جرى تجميعه من عشرات الميليشيات المختلفة التي ساعدت في إسقاط الأسد، فيما تبقى منظومة القيادة والسيطرة فيه ضعيفة للغاية».
وظهرت هذه الهشاشة بالفعل في طريقة استجابة الحكومة المركزية لتصاعد أعمال العنف الإقليمية. فقد فشل الجيش في احتواء المجازر التي ارتكبتها الميليشيات بحق مدنيين علويين ودروز في وقت سابق من هذا العام، كما واجه صعوبات في دمج القوات التي يقودها الأكراد في شمال شرقي البلاد ضمن قيادة عسكرية موحدة.
هذا هو الجيش الذي اقترح الرئيس ترامب إرساله إلى لبنان، البلد الذي لا تزال فيه ذكريات الوجود العسكري السوري السابق حاضرة بقوة.
ففي عام 1976، أرسلت سوريا بقيادة حافظ الأسد قواتها لدعم الفصائل المسيحية ضد منظمة التحرير الفلسطينية وحلفائها، قبل أن يرتفع عدد القوات إلى نحو 40 ألف جندي على مدى ما يقرب من ثلاثة عقود.
وانسحبت القوات السورية عام 2005 وسط احتجاجات شعبية واسعة أعقبت اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري، وهي الجريمة التي وُجهت فيها أصابع الاتهام على نطاق واسع إلى أجهزة الاستخبارات السورية.
ولا يبدو أن السوريين أو اللبنانيين يرغبون في تكرار تلك التجربة. فلبنان، الذي يكافح لاحتواء النفوذ الإيراني عبر وكيله حزب الله، لا يحتاج إلى مزيد من التدخلات الخارجية. والأهم من ذلك أن دمشق مطالبة أولًا بفرض سلطتها داخل البلاد قبل أن تفكر حتى في بسط نفوذها خارج حدودها.
ولم تغب هذه الحقيقة عن الشرع، الذي تعامل مع لبنان، خلافًا لحافظ الأسد، انطلاقًا من منطلق مختلف جذريًا. فقد عملت حكومة الشرع على تعطيل عمليات التهريب عبر الحدود، وأعلنت دعمها العلني للجهود الرامية إلى إضعاف القدرات العسكرية لحزب الله.
لكن لا ينبغي تفسير هذه الخطوات على أنها استعداد لخوض معارك لبنان الأمنية نيابة عنه. فقد حرص الشرع باستمرار على تقديم دور سوريا بوصفه دورًا دبلوماسيًا واقتصاديًا، لا عسكريًا. وهنا تخلط واشنطن بين تقاطع المصالح وبين قدرة الدولة الفعلية.
يقول السفير جيمس جيفري، الذي أشرف على تنسيق سياسة وزارة الخارجية الأميركية تجاه الحرب الأهلية السورية: «سوريا مثقلة بالفعل بما يكفي من الأعباء».
ويشير إلى أن حكومة الشرع تخوض حاليًا معارك ضد فلول تنظيم داعش، وتعمل على منع شحنات الأسلحة الإيرانية المتجهة إلى حزب الله، كما تدير الانقسامات الداخلية بالتوازي مع بلورة سياساتها تجاه قوى دولية نافذة لكل منها مصالحها الخاصة.
ويضيف أن حكومة لا تزال تعيد بناء مؤسساتها لا يمكنها في الوقت نفسه أن تصبح الضامن لأمن دولة أخرى. ويشير هذا الطرح إلى طبيعة المهمة الأساسية التي تواجه سوريا في الوقت الراهن. فأكبر تحدياتها لا يتمثل في بسط النفوذ خارج حدودها، بل في إعادة بناء بلد دمرته أكثر من عشر سنوات من الحرب.
آلام المرحلة الانتقالية
سيتوقف نجاح هذه المرحلة الانتقالية على قدرة الحكومة الجديدة على إنعاش الاقتصاد، مع تجنب الوقوع في مستنقع الفساد الذي أفرغ الدولة السورية من مضمونها خلال عهد الأسد. فالتعافي الاقتصادي لا ينفصل عن الحوكمة؛ إذ من غير المرجح أن يضخ المستثمرون أموالهم في سوريا إذا اعتقدوا أن الفساد لن يفعل سوى استبدال شكل من أشكال السلطوية بشكل آخر.
ويشير لانديس إلى نمط مألوف، إذ قام الشرع بترقية دائرة ضيقة من رفاقه القدامى في فصيله المسلح خلال سنوات الحرب إلى مواقع قيادية في الأعمال المرتبطة بالدولة وصفقات إعادة الإعمار، من دون رقابة مستقلة تُذكر على حركة الأموال.
ويقول: «سيكون هذا هو التحدي الأكبر بالنسبة له، وهو تحقيق النمو الاقتصادي ومنع الفساد من خنقه. عليه أن يكسب ثقة المستثمرين الأجانب بأن بإمكانهم الاستثمار بدرجة من الأمان، وأن يتمكنوا من إخراج أموالهم من البلاد من دون أن يتعرضوا للاستغلال على يد هؤلاء الحيتان، أي كبار رجال الأعمال المقربين من نظام الشرع».
والسؤال نفسه، أي ما إذا كان ينبغي منح الثقة من دون ضمانات، ينطبق الآن على خيارات السياسة الأميركية. فقرار الرئيس ترامب الأخير بشطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب يحمل تداعيات مهمة على عملية إعادة الإعمار.
ينبغي لواشنطن ألا تقيس نجاح سوريا بمدى قدرتها على استعراض قوتها العسكرية في لبنان، بل بمدى قدرتها على بناء حكومة قادرة على حكم سوريا نفسها. فسوريا مستقرة ستقدم للبنان، وللأمن الإقليمي، أكثر بكثير مما يمكن أن تقدمه سوريا هشة يُطلب منها أن تخوض حربًا ليست حربها.
ويقارن جيفري ذلك بنهج واشنطن تجاه أوكرانيا، المتمثل في طرح مطالب قصوى بهدف دفع الأطراف نحو إحراز تقدم. ويرى أن الاختبار الحقيقي يكمن فيما إذا كانت واشنطن تربط أي مطلب بعواقب ملموسة. ومن خلال رفع اسم سوريا من القائمة من دون شروط، كما يقول، اختارت واشنطن الثقة بدلًا من ممارسة الضغط.
ويبقى السؤال الآن كيفية استخدام الولايات المتحدة لنفوذها الذي ولّده هذا القرار. فالشرع يسعى إلى الانخراط مع الغرب، وتخفيف العقوبات، واكتساب الشرعية الدولية. وهذا يمنح واشنطن مساحة للتأثير في مسار المرحلة الانتقالية السورية.
ويشير جيفري إلى خطوات عملية يمكن للولايات المتحدة اتخاذها، من بينها افتتاح سفارة في دمشق، وتقديم تعاون استخباراتي وتدريب عسكري، ومنح سوريا دورًا رسميًا في التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، ودعم دمشق دبلوماسيًا في خلافاتها مع إسرائيل وروسيا وتركيا بشأن استمرار وجود قواتها داخل الأراضي السورية.
وكل واحدة من هذه الخطوات من شأنها أن تعزز قدرة الحكومة المركزية، من دون مطالبتها بخوض معارك تتجاوز إمكاناتها.
لكن مثل هذا الدعم لن يكون ذا جدوى إلا إذا كانت المؤسسات السورية قادرة على استيعابه. وقد خطت البلاد بالفعل خطواتها الأولى في هذا الاتجاه، من خلال اعتماد دستور انتقالي وتشكيل برلمان لا تزال صلاحياته غير محددة.
ويمنح هذا واشنطن وأوروبا نافذة فرصة للضغط من أجل بناء مؤسسات تتجاوز عمر أي قائد بعينه. كما أن ترسيخ سيادة القانون من شأنه توفير حماية أكبر للمجتمعات السورية المتنوعة مقارنة بترتيبات تقاسم السلطة على أسس طائفية. فحماية الأقليات تكون أكثر رسوخًا عندما تُكرّس داخل مؤسسات تحدّ من سلطة الدولة، بدلًا من أن تعتمد على حسن نية من يتولى الحكم.
ويشير جيفري إلى أول اختبار عملي لذلك، وهو اتفاق 30 يناير بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد، الذي تم التوصل إليه بعد أسابيع من القتال في شمال شرقي البلاد.
وينص الاتفاق على التزام الحكومة بدمج القوات الكردية في الجيش الوطني، وحماية الحقوق المدنية والتعليمية للأكراد. ويقول إن ضمان تنفيذ هذا الاتفاق بصورة كاملة وعادلة سيعزز وضع سوريا أكثر من أي خدمة عسكرية يمكن أن تقدمها لجيرانها.
كما تستطيع واشنطن أن تساعد في ضمان الاستقرار الذي تعتمد عليه عملية إعادة إعمار سوريا. ويكتسب ذلك أهمية خاصة على طول الحدود الجنوبية للبلد، حيث تقوض الأنشطة العسكرية الإسرائيلية المستمرة جهود إعادة الإعمار وثقة المستثمرين.
ويرى لانديس أن هذا يشكل عقبة مباشرة، ويقول: «لا تعرف حقًا أين تقع حدود إسرائيل. وهذا أمر تمتلك أميركا نفوذًا بشأنه. فهي قادرة على وقف التوسع الإسرائيلي داخل سوريا، وينبغي لها أن تسعى إلى التوصل لاتفاقات دائمة في كل من لبنان وسوريا، بحيث تصبح هناك حدود ثابتة بين هذه الدول».
وينبغي لواشنطن ألا تقيس نجاح سوريا بمدى قدرتها على استعراض قوتها العسكرية في لبنان، بل بمدى قدرتها على بناء حكومة قادرة على حكم سوريا نفسها. فسوريا مستقرة ستقدم للبنان، وللأمن الإقليمي، أكثر بكثير مما يمكن أن تقدمه سوريا هشة يُطلب منها أن تخوض حربًا ليست حربها.