لم تعد تداعيات الحرب على إيران مقتصرة على خسائرها العسكرية، فمع الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية، هوى الريال إلى مستويات قياسية تاريخية.
وفقد الريال الإيراني نحو 60 بالمئة من قيمته منذ بداية الحرب، في مارس الماضي، في انعكاس مباشر لتراجع عائدات النقد الأجنبي وتصاعد الضغوط الاقتصادية على طهران.
وتزامن الهبوط التاريخي لقيمة الريال الإيراني مع حصار بحري بدأ في 14 يوليو وجولة جديدة من العقوبات أطلقتها وزارة الخزانة في الـ24 من أغسطس الماضي، بهدف عزل طهران تماما عن النظام المالي العالمي.
وقد تحولت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب من الاعتماد على القوة العسكرية إلى استخدام القوة المالية، ما كان له أثر مباشر على الريال الإيراني أحد أكثر نقاط الضعف في إيران.
وفي بداية الحرب، قفز الدولار مقابل الريال متجاوزا حاجز مليون ريال لكل دولار، وتأرجحت العملة الإيرانية صعودا وهبوطا بحسب وتيرة المعارك العسكرية، ثم جاء يوم العقوبات، لينهار رسميا مسجلا أكثر من مليوني ريال إيراني للدولار الواحد.
وتجاوز سعر صرف الدولار حاجز 2.2 مليون ريال إيراني في السوق الموازية بطهران، يوم الأربعاء، مسجلا مستوى قياسيا جديدا، بعدما كان سعر الدولار يبلغ حوالي 1.35 مليون ريال في مارس.
وأدى هذا الانهيار إلى ارتفاع فوري في تكلفة السلع المستوردة، لأن التجار يحددون أسعار مخزونهم من السلع، استنادا إلى سعر صرف الدولار في السوق السوداء.
وفي تصريح لـ”الحرة”، قال هاشم بيساران، زميل في كلية “ترينيتي”، بجامعة كامبريدج، إن إيران تعرضت لعقوبات أميركية وأممية على مدى أكثر من 47 عاما، وما يحدث الآن هو استمرار لهذا الوضع، ولكنه مقترن بحروب ومزيد من العزلة الاقتصادية.
وفي حين كانت إيران تتمكن من تجاوز العقوبات السابقة عبر تهريب النفط الخام عبر “أسطول الظل”، أدى الحصار البحري إلى وقف هذه الصادرات تقريبا.
ونظرا لأن النفط يُعد المصدر الرئيسي للعملة الصعبة بالنسبة لإيران، فقد تسبب هذا الاختناق المفاجئ في قطع تدفق الدولارات النقدية، ما أدى إلى انهيار سريع للعملة المحلية.
وكشف تقرير لرويترز، نشر في الأول من سبتمبر الجاري، أن إيران بعد نحو سبعة أسابيع من الحصار، لم تتمكن من شحن كميات ملموسة من النفط الخام عبر مضيق هرمز.
ومع الصعوبات التي تواجهها في نقل الخام عبر هرمز، اتجهت إيران إلى بيع ما لديها من مخزونات عائمة في آسيا للصين.
وقال الدبلوماسي الأميركي السابق، جيمس جيفري، في مقابلة سابقة مع “الحرة” إنه بمجرد تفريغ شحنات النفط الإيراني الموجودة حاليا في عرض البحر، لن يتبقى الكثير من النفط الإيراني المتاح للصين أو لأي طرف.
ويقول الباحث الاقتصادي الإيراني هادي كاهالزادة في مركز “كراون” لدراسات الشرق الأوسط بجامعة برانديز الأميركية لـ”الحرة” إن العقوبات الجديدة سرعت من الأزمة، إلا أن إيران تواجه ضغوطا أوسع نطاقا فيما يتعلق بالعملات الأجنبية بسبب الحرب والحصار.
ووفق الباحث، فقدت إيران ما بين 30 و35 مليار دولار من عائدات تصدير البتروكيماويات والصلب، وهي الآن بحاجة إلى واردات جديدة بقيمة 10 مليارات دولار لتعويض النقص في الغاز الطبيعي والديزل والصلب والمنتجات البتروكيماوية التي فُقدت خلال الحرب.
وإذا استمر هذا الوضع فستبلغ عائدات البلاد النفطية 10 مليارات دولار، ما يعني خسارة قدرها 30 مليار دولار في صادرات النفط في العام مقارنة بالسابق.
ومع حالة عدم اليقين الشديدة وغياب رؤية واضحة لإنهاء الصراع والحرب، تتجه العملة الإيرانية إلى مزيد من الانخفاض.
وعليه، فإن الريال يتراجع نتيجة لانخفاض عائدات التصدير، وتزايد الحاجة إلى الواردات، ومحدودية الوصول إلى الاحتياطيات، وتوقعات استمرار الحرب لفترة أطول.
وكان وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، قد أشار، يوم الاثنين، بوضوح إلى الواقع الجديد، إذ توقع انهيار الاقتصاد الإيراني “في غضون أسابيع أو أشهر”.
وبلغ متوسط معدل التضخم هذا العام في إيران نحو 69 في المئة، وفق صندوق النقد الدولي، وسجل معدل تضخم أسعار المواد الغذائية 128 في المئة على أساس سنوي، بينما وصل معدل البطالة إلى 9.2 في المئة.
وذكر مركز الإحصاء الإيراني أن الإيجارات ارتفعت 31 في المئة على أساس سنوي في مارس، وأفادت وسائل الإعلام الحكومية بأن أسعار المساكن في طهران ارتفعت بنحو 50 في المئة مقارنة بالعام الماضي.
وكانت السلطات في إيران رفعت الحد الأدنى للأجور بنحو 60 بالمئة هذا العام، لكن استمرار انخفاض قيمة الريال أدى إلى تآكل القوة الشرائية، وانخفضت القيمة الفعلية للحد الأدنى للأجور بالدولار من حوالي 105 دولارات إلى 86 دولارا منذ أواخر مارس.
ويواجه المصنعون الإيرانيون صعوبة بالغة في شراء المواد الخام الأجنبية أو مكونات الآلات اللازمة لاستمرار تشغيل المصانع، وقد توقفت العديد من شركات الاستيراد والتصدير المحلية عن العمل تماما.
يقول هوارد كاتز، المحلل الاقتصادي في مؤسسة “راند” لـ”الحرة” إن إيران تحتاج إلى استعادة القدرة على تصدير نفطها للحفاظ على دوران عجلة اقتصادها، ففي الوقت الحالي، باتت الحكومة تطبع النقود لسداد التزاماتها المالية، مما يزيد معدلات التضخم.
وفي ظل هذه الأوضاع، يتوقع صندوق النقد الدولي أن ينكمش الاقتصاد الكلي بنسبة 6.1 في المئة هذا العام.
ويقول كاهالزادة إن الاقتصاد الإيراني عادة ما يمتص الصدمات، مثل العقوبات، من خلال التضخم وانخفاض قيمة العملة على المدى القصير، وهي تبعات بتحملها الناس العاديون، ثم تقوم الحكومة بتخفيف هذا الضغط جزئيا عبر خطط الحماية الاجتماعية.
لاتزال إيران تتبع هذه الاستراتيجية، لكنها ربما لن تنجح هذه المرة.
ويتوقع كاهالزادة أن تواجه البلاد معدلات تضخم أعلى بكثير “قد تكون من بين الأعلى التي شهدتها إيران في تاريخها الحديث”.
وفي ظل حالة الركود التضخمي الحاد، لن تستطع الأجور مواكبة التضخم، وستزيد معدلات البطالة، مما يؤدي إلى تراجع سريع في القدرة الشرائية.
يقول كاهالزادة : “إيران، التي كانت تمتلك يوما واحدة من أكبر الطبقات الوسطى في الشرق الأوسط، تتحول إلى موطن لواحدة من أكبر التجمعات السكانية التي تعاني من الفقر والهشاشة الاقتصادية في المنطقة”.
ويتوقع المحلل الإيراني سعيد قاسمي نجاد، من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أن تتجه إيران لترشيد النقد الأجنبي، وتمويل الواردات الأساسية، إلا أن هذه التدابير لن تكون كافية، حسب رأيه.
وبدون انتعاش ملموس في صادرات النفط، والمدفوعات الخارجية، وتأمين طرق التجارة، ستبقى إيران تحت رحمة ضعف النشاط الاقتصادي والتضخم وانخفاض قيمة العملة.
ويقول كاتز إن السوابق التاريخية تشير إلى أن التضخم في مثل هذه المستويات غالبا ما يؤدي إلى تغيير الحكومات.