كشفت عدة مصادر استخباراتية إقليمية لـ”الحرة” معلومات تفيد بأن إيران لجأت إلى أسلوب جديد لإدارة حربها مع الولايات المتحدة من داخل العراق.
وقالت المصادر، وفق معلومات أولية، إن شخصيات لبنانية وإيرانية دخلت العراق في مارس وأبريل الماضيين، وتتولّى منذ ذلك الحين إدارة عمليات إطلاق الطائرات المسيّرة من داخل العراق.
وتقول المصادر إن أغلب هذه المسيّرات انطلقت من الشريط الحدودي الشرقي للعراق، وإن الهجمات التي طالت السعودية والكويت نفذتها مجموعات تقودها هذه الشخصيات، وإن الغرض الإيحاء بأن الفصائل التقليدية منخرطة في تلك الهجمات
وتنسب المصادر إلى المجموعات نفسها أغلب الضربات التي أصابت إقليم كردستان العراق والأراضي السعودية، لكن هذه المعلومات تبقى “أولية” وفقا لتلك المصادر.
ويوم الاثنين تعرض مكتب رئيس حكومة إقليم كردستان العراق مسرور بارزاني لهجوم بطائرتين مسيرتين دون ورود تقارير عن وقوع خسائر بشرية. وقالت مديرية مكافحة الإرهاب في الإقليم إن الهجومين انطلقا من الأراضي الإيرانية.
وهذه ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها إقليم كردستان العراق إلى الاستهداف بطائرات مسيرة. فبعد خمسين يوما على بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير الماضي، تعرض الإقليم الكردي إلى أكثر من 800 هجمة بالطائرات المسيرة، وفقا لحكومة الإقليم.
وفي أكثر من بيان، أعلنت الفصائل العراقية الموالية لإيران أنها لم تشن أية هجمات في الأسابيع الأخيرة.
وقال مصدر في الحشد الشعبي لـ”الحرة” إن “رئيس الهيئة تحدث إلى فصيلي النجباء وحزب الله مؤخرا، وأبلغاه بأنهما لم يشنا أية هجمات على السعودية أو إقليم كردستان. أبلغاه بأن هذه ضربات إيرانية.” وأضاف: “إن كانوا هم من نفذ الهجمات، فلن يترددوا في قول ذلك”.
ولم يتسن لـ”الحرة” التأكد من هذه المعلومات من مصدر مستقبل.
وفي 24 أبريل الماضي، أعلن المتحدث باسم وزارة الدفاع الكويتية العقيد الركن سعود عبد العزيز العطوان، استهداف موقعين من المراكز الحدودية البرية الشمالية بطائرتي درون مفخختين، ووصفهما بأنهما “قادمتان من العراق”.
وفي 17 مايو، أعلنت وزارة الدفاع السعودية اعتراض ثلاث مسيّرات دخلت المجال الجوي للمملكة “قادمة من الأجواء العراقية”. وفي اليوم نفسه، قالت وزارة الدفاع الإماراتية إن دفاعاتها تعاملت مع ثلاث مسيّرات دخلت “من جهة الحدود الغربية”، وإن واحدة أصابت مولّدا كهربائيا خارج المحيط الداخلي لمحطة براكة في الظفرة. ولم تحدد أبوظبي مصدر الهجوم.
وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية اللواء الركن تركي المالكي في 27 يوليو، إن مسيّرات حاولت استهداف منشآت بترولية في المنطقة الشرقية والرياض “انطلقت من الأراضي العراقية ونفذتها ميليشيات إرهابية تابعة لإيران”. وتكرر الإعلان في اليوم التالي.
وردّا على الهجمات التي استهدفت المملكة، ضربت القوات الأميركية والسعودية في 29 يوليو مقار لهيئة الحشد الشعبي العراقي في سبع محافظات: بغداد وواسط ونينوى والبصرة وكركوك وكربلاء وديالى.
وأعلنت الهيئة مقتل ما لا يقل عن عشرين من عناصرها وإصابة اثنين وثلاثين. وقالت القيادة المركزية الأميركية إن المستهدفين يوالون إيران ووجّههم الحرس الثوري، المصنف جماعة إرهابية في واشنطن، لمهاجمة القوات الأميركية والبنية التحتية للطاقة في السعودية، وإنهم شنّوا أكثر من عشرين هجوما بالمسيّرات في الأيام السابقة.
وشُيّعت في بغداد خمسة نعوش ملفوفة بالأعلام الإيرانية.
وتطابقت معلومات المصادر الاستخباراتية الإقليمية مع روايات مصادر عراقية عن شبكة من الخلايا الصغيرة المرتبطة مباشرة بالحرس الثوري، تعمل خارج هياكل الفصائل المسلحة، ونفذت هجمات استهدفت أربيل ودولا مجاورة، بينها السعودية والأردن والكويت.
ووفقا لمصدر عسكري عراقي يعمل في سفارة دولة عربية، وتحدث لـ”الحرة”، تشكلت هذه الخلايا خلال الأشهر الماضية، في التوقيت الذي بدأت فيه فصائل مناقشة تسليم سلاحها.
وسُحبت عناصر مختارة من فصائل رئيسية ووُزّعت على مجموعات يتراوح عدد أفراد كل منها بين خمسة وعشرة. خرج بعضهم من الفصائل التي وافقت على مبدأ تسليم السلاح، وتلقّى آخرون تدريبات مكثفة في إيران.
ولا تمر عمليات هذه المجموعات عبر قيادات الفصائل. بل ترتبط مباشرة بالحرس الثوري عبر حجي حامد، رئيس مستشاري الحرس في العراق، وفقا لما كشفته “الحرة” في تقرير سابق.
خلال ظهوره في برنامج “ساعة بغداد” الذي تنتجه “الحرة” قال المتخصص في الشؤون الأمنية والاستخباراتية سيف رعد: “قيادات هذه المجموعات، تُدار من قيادات أجنبية، وهي قيادات حوثية وقيادات لبنانية وأيضا قيادات إيرانية.”
ولم يصدر عن أي جهة عراقية رسمية ما يؤكد وجود عناصر من حزب الله اللبناني على الأراضي العراقية أو ينفيه.
ويأتي حديث رعد بعد أشهر من انتقال ملف نزع سلاح حزب الله إلى مرحلة التنفيذ في لبنان. فقد أعلن الجيش اللبناني في يناير الماضي تحقيق أهداف المرحلة الأولى من خطة انتشاره في الجنوب ونزع سلاح الجماعات غير الحكومية، ومنعها من إعادة بناء قدراتها “بشكل لا عودة عنه”.
في مارس، قال رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إن الأنشطة العسكرية لحزب الله تقع خارج إطار القانون اللبناني. وفي يونيو، بدأ تنفيذ مقترح “المناطق التجريبية” بموجب اتفاق الإطار الموقّع مع إسرائيل برعاية أميركية.
وتداولت الأوساط السياسية في مايو الماضي مقترحا يقضي بتأمين ممر آمن لمقاتلين من حزب الله وعائلاتهم إلى العراق، وهو طرح لم يتجاوز حتى الآن إطار التداول.
أما الشق الحوثي في حديث رعد، فله ما يدعمه على الأرض.
ففي 30 مارس الماضي، أسفرت سلسلة غارات أميركية عن مقتل سبعة من خبراء جماعة أنصار الله داخل الأراضي العراقية، في ضربات استهدفت مواقع تابعة لفصائل الحشد الشعبي. وأفادت تقارير بأن الغارات استهدفت شبكات الطيران المسيّر تحديدا، وبأن عدد القياديين العسكريين الحوثيين داخل العراق حتى تاريخ الضربة تجاوز العشرين.
وتزامنت هذه الهجمات مع مساعي رئيس الوزراء علي فالح الزيدي لإعادة تموضع بغداد إقليميا وتعزيز علاقاتها مع واشنطن وعواصم عربية.
وبعد الغارات الأميركية السعودية، نجح زعيم منظمة بدر هادي العامري إلى حدٍّ كبير في إقناع الفصائل بالتريث في الرد، من دون أن تعدل عن قرارها المبدئي بالرد.
وتنتهي في 30 سبتمبر المهلة التي حدّدتها الحكومة لإنهاء وجود السلاح خارج إطار الدولة، وهو التاريخ نفسه الذي تنتهي فيه مهمة التحالف الدولي.
وقال الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان: “لا نسمح بعد يوم 30 من الشهر المقبل لأي سلاح خارج إطار الدولة”، مشيراً إلى وجود تفاهمات مع بعض الفصائل.
وكانت “عصائب أهل الحق” و”كتائب الإمام علي”، المصنفتان جماعتين إرهابيتين في واشنطن، أعلنتا في 2 يونيو فك ارتباطهما بتشكيلات الحشد الشعبي والمباشرة بإجراءات حصر السلاح، بعد خطوة مماثلة لـ”سرايا السلام”.
وقال أبو حسين الحميداوي أمين عام كتائب حزب الله، المصنفة جماعة إرهابية في واشنطن، إن القصف الأميركي السعودي مدعاة للتمسك بالسلاح لا للتخلي عنه.
وبينما تسعى بغداد إلى ضبط السلاح، يتحكم الحرس الثوري الإيراني بعملية إطلاق المسيرات من داخل العراق أو عبره، دون أن تتمكن بغداد من السيطرة على الوضع حتى اللحظة، وفقاً لمسؤول أمني في الحكومة العراقية تحدث لـ”الحرة” خلال زيارة رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي إلى واشنطن الشهر الماضي.