تواصل إيران تصدير النفط رغم العقوبات الأميركية والحصار البحري، مستفيدة من شبكة من السفن والوسطاء وأساليب إخفاء الهوية والتلاعب ببيانات الملاحة.
وتصدر طهران حاليا نحو 260 ألف برميل يوميا، وهو أدنى مستوى لمبيعات النفط الإيراني خلال ست سنوات، مقارنة بنحو 1.67 مليون برميل يوميا قبل الحرب.
لكن استمرار هذه الصادرات، ولو بمستويات منخفضة، يكشف عن قدرة طهران على الالتفاف على القيود المفروضة على تجارتها النفطية.
على مدى أسابيع، راجعت “الحرة” عشرات صور الأقمار الاصطناعية والبيانات الملاحية، ووثقت عمليات نقل نفط قبالة السواحل الإيرانية، انتقلت خلالها الشحنات من ناقلات إيرانية إلى سفن أخرى حملتها إلى وجهاتها النهائية.
وتعرف هذه الممارسة باسم النقل من سفينة إلى سفينة، أو “STS”.
وفرضت العقوبات الأميركية على إيران الاعتماد منذ سنوات على هذا النوع من العمليات، إذ كانت ناقلاتها تنقل الخام إلى مناطق بعيدة عن السواحل الإيرانية، من بينها مضيق ملقا قبالة ماليزيا وسنغافورة، قبل نقله إلى سفن أخرى.
ويقول يوريولاغورتيا مينير، المسؤول السابق في الاستخبارات العسكرية الأميركية والخبير في مكافحة تمويل الإرهاب، لـ”الحرة” إن النفط الإيراني “لا يخرج عبر التخفي فقط، بل عبر غسيله في البحر”.
ويضيف أن نقل الشحنة من سفينة مرتبطة بالعقوبات إلى سفينة أخرى ذات سجل نظيف يهدف إلى “مسح هويتها الرقمية”.
ووثقت صور الأقمار الاصطناعية التي حللتها “الحرة” أكثر من 30 حالة نقل من سفينة إلى أخرى شاركت فيها ناقلات إيرانية.
وتركزت أغلب الحالات في ثلاثة مواقع، أبرزها منطقة الحدود البحرية بين إيران والعراق، قرب جزيرة خارك، التي يمر من خلالها 90 في المئة من صادرات الخام الإيراني، ونحو 15 حالة أخرى قبالة جزيرة لارك، في قلب مضيق هرمز، وكذلك في خليج جاسك عند السواحل الجنوبية الشرقية لإيران.

ويتسم الموقعان الأخيران بأهمية استراتيجية بالغة، إذ تشرف عليهما 3 قواعد بحرية تابعة للحرس الثوري الإيراني، بما يوفر مظلة أمنية للناقلات والزوارق المستخدمة في العملية.
ويقول مينير، إن المنفّذ الرئيسي لهذه العمليات هو النظام والحرس الثوري الإيراني لتمويل الميزانية العسكرية ووكلائه في المنطقة. وخلف هذه الحلقة الرئيسية توجد طبقة من الوسطاء، بينهم “أمراء الحرب الماليون، وشركات توريد المعدات البحرية في شرق آسيا”، الذين يحققون، بحسبه، أرباحا كبيرة من تغطية هذه العمليات.
تُعرف سفن تهريب النفط الإيراني بـ “أسطول الظل”، ووفقا لتقديرات شركة “وينوارد” لتتبع البيانات الملاحية، حرصت ناقلات النفط الإيرانية على تعطيل أجهزة تتبعها الملاحية، بحيث تختفي مواقعها خاصة عند انخراطها في أنشطة نقل حمولاتها إلى سفن أخرى.
وفي كثير من الحالات التي وثقتها صور الأقمار الاصطناعية، كانت معلومات السفن المشاركة في أنشطة التهريب مخفيّة، إلا في لحظات خاطفة، لكنها كانت كافية لرصد هوياتها عبر منصة تتبع السفن عبر الإنترنت “مارين ترافيك“.
ومن بين السفن التي رصد تحقيق موقع “الحرة” مشاركتها في عمليات التهريب قرب الحدود الإيرانية العراقية، في نهاية شهر مايو، ناقلة النفط “ديستني” الخاضعة للعقوبات الأميركية والأوروبية، والتي ترفع العلم الإيراني.
وتصل الحمولة القصوى لناقلة “ديستني” لأكثر من 280 ألف طن من الخام، وتشير سجلاتها إلى أنها مملوكة للشركة الوطنية الإيرانية للنفط، بينما يظهر نمط حركتها استخدامها كنقطة ضخ أولية في المياه الإقليمية.

كشفت البيانات أيضا عن ناقلة صغيرة نفذت عمليات تهريب مماثلة تدعى “كوش”، وتشير البيانات الملاحية، التي يوفرها موقع “مارين ترافيك” أن “كوش” التي تحمل علم جزر القمر، وصلت إلى موقعها قبل بدء الحصار الأميركي في 12 أبريل بيومين، ولم تغادره منذ ذلك الوقت، وهو ما منحها دورا استثنائيا في منظومة تهريب النفط الإيراني.
وتظهر صور الأقمار الاصطناعية انخراط “كوش” في عدة عمليات نقل من سفينة لأخرى بين أبريل وأغسطس، وهو ما يعني أن السفينة كانت تستخدم كمحطة تخزين عائمة.
وتخفي السفينة مالكها الحقيقي؛ منذ إدراجها في قوائم العقوبات الأميركية عام 2025، حسبما يظهر في قاعدة بيانات “Equasis” المدعومة من الاتحاد الأوروبي. لكن آخر مالك معروف للسفينة هي شركة “SAANVI” للشحن، التي يمتلكها رجل أعمال بنمي يُدعى هيكتور فاريلا دي ليون، والذي عاقبته الولايات المتحدة لدوره في تهريب النفط الروسي والإيراني.

وكشفت البيانات التي حللها موقع “الحرة” في الخليج العربي وخليج عمان، نحو 135 حالة تغيّر خلالها مستوى الغاطس لناقلات النفط الإيرانية. وهو ما يحدث عند تغير حمولة السفينة. وفي بعض الحالات، حدث أكثر من تغيير خلال أيام قليلة، وهو ما يتوافق مع احتمال استخدام السفن في عمليات نقل حمولات أو كمخزن تهريب عائم.
ويكشف تكرار انخراط “كوش” في عدة حالات نقل بين السفن، كونها واحدة من تلك المخازن العائمة.
النمط نفسه اتبّعته سفن أخرى، من بينها الناقلة العملاقة RHN، التي تصل قدرتها الاستيعابية لأكثر من مليوني برميل من النفط.
ووثقت صور الأقمار الاصطناعية مشاركة “RHN” في عملية نقل نفط مع سفينة مجهولة في الأول من مايو، وخلال الحصار البحري الأميركي.
كما أظهرت بيانات الملاحة المتاحة عبر موقع “مارين ترافيك” أن سفينة أخرى تُدعى “AMPAR 8” وصلت لنفس الموقع الذي تمركزت فيه “RHN” قبل ذلك التاريخ بأيام قليلة، لكنها سرعان ما أطفأت أجهزة التتبع واختفت عن الأنظار.

خلال تتبع التحقيق لمسار السفينة “AMPAR 8” بعد ذلك التاريخ، أظهرت أنظمة التعريف الآلي AIS، التي ترصد حركة السفن، أنها توجهت إلى ميناء أبوظبي لفترة وجيزة، قبل انطلاقها باتجاه ميناء مومباي الهندي.
لكن التدقيق في البيانات يكشف أن السفينة غادرت الميناء الإماراتي دون أن يتغير مستوى الغاطس لديها، وهو المسافة التي يغوص بها هيكل السفينة في الماء، ويتغير تبعا لكمية الحمولة. كما يكشف أن السفينة قطعت مسافات طويلة في مياه الخليج في وقت قياسي.
ويرجح مينير، أن ذلك ربما يرتبط بممارسة تُعرف باسم “AIS Spoofing”، أو تزييف الموقع، ويشرح أن الأمر “ليس معجزة في السرعة الميكانيكية، بل هو تلاعب بالإشارة الرقمية”. ويقول إن بعض الجهات تستخدم أجهزة تبث إحداثيات مزيفة “بحيث تخفي السفينة من موقعها الحقيقي وتزرعها في موقع آخر خلال ثوانٍ”. والهدف، بحسبه، هو إرباك أنظمة المراقبة وإنشاء مسارات وهمية تغطي على المسار الحقيقي للشحنة.
ولم يقتصر التلاعب على اختفاء سفينة وظهورها في مكان آخر؛ إذ ترصد البيانات أيضا تجمعات كثيفة وغير ممكنة للسفن في مساحات بحرية ضيقة في مواقع متفرقة في مياه الخليج العربي وخليج عمان ومضيق هرمز.
تبدو هذه التجمعات، للوهلة الأولى، مجرد ازدحام ملاحي، لكن مينير يقول إن “هذا التجمع ليس عشوائيا”. فعندما تتجمع عشرات السفن في مساحة بحرية ضيقة، تصبح المستشعرات الرادارية والحرارية أقل قدرة على التمييز الدقيق بين الأهداف. ويصفها بأنها “بيئة مثالية لنقل النفط غير المصرح به أو لإخفاء هوية السفن ذات الخطر العالي وسط الزحام التجاري الطبيعي”.

ووفقا لبيانات شركة “وينوارد”، تعرّضت أكثر من 1650 سفينة لتشويش في إشارات نظام تحديد المواقع وأنظمة التعريف الآلي عبر منطقة الخليج في السابع من مارس 2026، فيما رصدت الشركة نحو 30 بؤرة تشويش في المنطقة.
منذ اندلاع الحرب نهاية فبراير الماضي، سجلت بيانات موقع “مارين ترافيك” 284 حالة، غيرت فيها ناقلات النفط الإيرانية أسماءها عبر بيانات AIS التي تشاركها مع أنظمة المراقبة الملاحية.
كما رصدت بيانات الشركة التي حللتها “الحرة”، أن 40 سفينة مرتبطة بإيران، بينها ناقلتان، غيرت أعلامها خلال فترة الحرب.
ومع ذلك، هناك رقم يفترض أن يبقى ثابتا حتى عندما تتغير هوية السفينة وهو رقم التعريف IMO.
يوضح مينير أن نظام تسجيل السفن يتيح تغيير علم السفينة واسمها بسهولة نسبية، لكن رقم التعريف يفترض أن يبقى الهوية الثابتة للسفينة، مثل “رقم هيكل السيارة”.
غير أن أسطول الظل الإيراني، بحسب الخبير الأميركي، يحاول تجاوز هذه الطبقة أيضا من خلال تزوير أرقام التعريف يدويا وعلى الأنظمة الإلكترونية، بهدف إخفاء هوية السفينة بالكامل. وهنا تتعقد عملية التحقق أكثر. فالاسم يمكن أن يتغير. والعلم يمكن أن يتغير. والمالك المسجل يمكن أن يتغير. وحتى الإشارة الرقمية التي يفترض أن تخبر العالم بمكان السفينة يمكن التلاعب بها.
ولا يتوقف الأمر عند تغيير بيانات السفينة، فالمرحلة التالية هي تغيير هوية الحمولة نفسها. يقول مينير لـ “الحرة” إن التكتيك الأكثر تطورا يتضمن التخفيف والخلط، أي مزج النفط الإيراني بنفط آخر لإنتاج خليط يصعب تمييز مصدره كيميائيا بسهولة.
وبهذا فإن عملية التخفي هي عبارة عن سلسلة متكاملة تبدأ من السفينة، ثم تنتقل إلى الشحنة، ثم الوثائق التجارية، وتنتهي في الشبكة المالية التي تستقبل العائدات.
وفي النهاية، لا يختفي النفط. الذي يتغير هو هويته فقط.