غارة الدوحة.. نتانياهو “وقمة النار”

الغارات الإسرائيلية على قادة حماس في قطر، هزت المنطقة، والعالم.

منذ عامين، على أقل تقدير، تشن إسرائيل غارات ضد أهداف في سوريا ولبنان واليمن، وحتى في العمق الإيراني، لكن الهجوم على الدوحة اعتبر خرقا غير مسبوق لقواعد اللعبة الإقليمية

العملية، التي أطلقت عليها إسرائيل اسم “قمة النار”، نُفذت الثلاثاء بمشاركة أكثر من عشر مقاتلات، وفقا لصحيفة وول ستريت جورنال، بعد أشهر من التحضير باستخدام صواريخ بعيدة المدى أُطلقت من خارج الأجواء القطرية.

وأعلنت حماس، التي تصنفها الولايات المتحدة “منظمة إرهابية”، مقتل خمسة من أعضائها في الغارة، بينهم نجل خليل الحية، رئيس الحركة في غزة وكبير مفاوضيها، فيما أكدت نجاة القيادة العليا.

ومع أن إسرائيل لم تكشف بعد رسميا عن نتائج الضربة، فإن مجرد وقوعها في العاصمة القطرية أثار عاصفة سياسية وأمنية لا تقل عن وقعها العسكري.

“كانت هناك معارضة من قبل العديد من المسؤولين الأمنيين من الشباك وأيضا من الجيش، ولكن نتنياهو أصر على القيام بهذه العملية العسكرية،” يقول المحلل السياسي لهيئة البث الإسرائيلية شمعون أران لـ”الحرة”.

في تل أبيب، حاول نتانياهو ووزير دفاعه، يسرائيل كاتس، تبرير العملية في بيان مشترك باعتبارها ردّا على هجوم السابع من أكتوبر، والهجمات الأخيرة، ومنها عملية القدس.

لكن هذا التبرير بدا متناقضا مع إعلان جهاز الشاباك أن منفذي هجوم القدس لم تكن لهم أي صلة بحماس أو سجل أمني سابق.

وإضافة إلى ذلك، فإن هجوم السابع من أكتوبر وقع قبل عامين، ما جعل اختيار هذا التوقيت يثير تساؤلات إضافية، خاصة أنه تزامن مع اجتماع قيادات حماس في الدوحة لبحث مقترح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن الإفراج عن المختطفين ووقف إطلاق النار.

الجيش الإسرائيلي أكد أن القادة المستهدفين “مسؤولون مباشرة” عن الحرب ضد إسرائيل، وأشار إلى استخدام ذخيرة دقيقة لتفادي إصابة المدنيين. وفي خطاب له خلال حفل السفارة الأميركية في تل أبيب، تجنّب نتنياهو ذكر قطر بالاسم، في إشارة رآها مراقبون تعكس حرصه على تجنّب صدام مباشر مع الدولة الوسيطة في ملف المفاوضات.

في خلفية العملية برزت أيضا مسألة غياب الموساد عن الرواية الرسمية. وعلى عكس العمليات البعيدة التي غالبا ما تُنسب إليه، شددت إسرائيل على أن الجيش وجهاز الشاباك هما من خططا ونفذا الضربة.

واعتبر محللون ذلك رسالة مقصودة لإبعاد الموساد عن أي شبهة مباشرة، خصوصا أن رئيسه زار الدوحة مرارا في إطار التنسيق مع السلطات القطرية، ما يجعل أي تورط معلن ضربة قاسية لقناة التواصل التي تعتمد عليها تل أبيب.

“لا أفترض بأن الموساد لم يكن له ضلع في ذلك، ولا أدري ما سبب عدم ذكر دوره في العملية،” يقول المحلل شمعون أران، مضيفا أن الجهاز يوفر معلومات استخباراتية في جميع أنحاء العالم، ومن المرجح أنه ساهم في التحضير.

لكن المفارقة لم تتوقف هنا؛ ففي اللحظة التي كانت فيها الطائرات الإسرائيلية تقصف الدوحة، كان وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يعلن من زغرب أن الحرب يمكن أن تتوقف “غدا” إذا أُعيد جميع المختطفين ونُزعت أسلحة حماس، مؤكدا قبول إسرائيل بمبادرة ترامب الأخيرة.

المفارقة أن هذه التصريحات عن التسوية جاءت في نفس اللحظة التي كان فيها نتنياهو يوجه الطائرات لقصف قادة حماس في الدوحة، ما يسلط الضوء على تناقض داخل الخطاب الإسرائيلي بين الدبلوماسية والتصعيد.

على الأرض، كانت العائلات الإسرائيلية للمختطفين الأكثر قلقا. فقد حذر “منتدى العائلات” من أن العملية تعرض حياة 48 مختطفا لخطر غير مسبوق، مؤكدين أن “صورة النصر الحقيقية لن تكون غارة جوية ناجحة، بل عودة جميع المختطفين إلى بيوتهم”.

هذا القلق شاركه أيضا قادة في المؤسسة الأمنية. اللواء احتياط نيتسان ألون، رئيس هيئة شؤون المختطفين، عارض توقيت العملية، ووفق هيئة البث الإسرائيلية فقد أيّده في ذلك رئيس الأركان وعدد من مسؤولي الموساد.

هؤلاء أوصوا بالتقدم نحو صفقة جزئية للإفراج عن بعض المختطفين، لكن نتنياهو، كما في مرات سابقة بشأن غزة والمفاوضات الجزئية، اختار السير بعكس توصياتهم.

ردود الفعل الإقليمية لم تتأخر.

بعد ساعات من الهجوم، نددت قطر بـ “الاعتداء الجبان”، ووصفته بأنه انتهاك صارخ للقانون الدولي.

وقال رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إن الغارة الجوية تهدد بعرقلة محادثات السلام التي تتوسط فيها قطر.

مصر والسعودية والأردن والإمارات، إلى جانب دول أخرى، أدانت العملية بشدة واعتبرتها انتهاكا صارخا لسيادة قطر.

وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي أعلن أن بلاده ستدعم “أي خطوات قطرية لحماية سيادتها”.

وتستضيف قطر منذ عدة سنوات قيادات حماس، التي لا تزال تحتجز 48 رهينة في غزة.

وتتوسط مع مصر بدعم من الولايات المتحدة في جهود التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار يتضمن إطلاق سراح المحتجزين.

أما في واشنطن، فخيّم الارتباك، خصوصا بعد أن كشفت صحيفة “واشنطن بوست” أن قطر حصلت قبل أسابيع فقط على تعهد من الموساد والبيت الأبيض بعدم استهداف أراضيها.

القطريون قالوا إنهم “فوجئوا تماما” بالهجوم، فيما ذكرت تقارير أن ترامب أبلغ مبعوثه الخاص بضرورة تحذير الدوحة في اللحظات الأخيرة، وهو ما اعتُبر من قبل القطريين إخطارا شكليا أكثر منه تنسيقا حقيقيا.

هذه التطورات فتحت باب التساؤل حول طبيعة التنسيق الأميركي ـ الإسرائيلي.

ففي حين سمح ترامب بالمضي في قصف الدوحة، كان قد أوقف في يونيو الماضي غارة جوية إسرائيلية كانت على وشك أن تنفذ فوق إيران بعد أن قطعت الطائرات مسافة تقارب ألفي كيلومتر.

التناقض بين الموقفين يثير أسئلة حول أولويات البيت الأبيض: لماذا رفض ضرب إيران وسمح بضرب قطر، الدولة الحليفة والوسيطة في ملف المختطفين؟

“لا اعتقد بأن هذه العملية ستؤثر على العلاقات الاسرائيلية الأميركية، فواشنطن والعديد من دول العالم مرتاحة لاستهداف قادة حماس، رغم أنها لا تتحدث عن ذلك بصورة علنية” يقول أران.

عملية “قمة النار” في الدوحة ليست مجرد تصفية حسابات عسكرية مع قادة حماس، بل هي أيضا خطوة سياسية مدروسة.

فهي تمنح نتنياهو فرصة لإعادة صياغة صورته الداخلية: ليس خاضعا للدوحة كما اتُّهم في فضيحة “قطر غيت”، بل الرجل الذي يضرب في قلبها.

لكنها في الوقت نفسه تهدد بإفشال أي مسار دبلوماسي برعاية قطرية وأميركية، وتضع حياة المختطفين في خطر متزايد.

“هناك الكثير من الناس في إسرائيل لم يكونوا سعداء أو مرتاحين لتخطيط هذه العملية. عناصر مهمة في مجتمع الاستخبارات في إسرائيل اعتقدت أن هذه الخطوة لم تكن صحيحة، وبالتأكيد لم تكن طريقة تنفيذها صحيحة” يقول رئيس جهاز الموساد الأسبق أفرايم هلفي.

“الرأي العام الإسرائيلي منقسم للغاية، ويعتقد كثير من الناس أن هذه المخاطرة لم يكن ينبغي القيام بها  وأن الخطر على حياة الرهائن المتبقين في أيدي حماس أصبح الآن أكبر من أي وقت مضى،” يضيف هلفي لـ”الحرة”.

وبينما قد يرى نتنياهو في هذه المغامرة تعزيزا لمكانته السياسية، فإن تداعياتها الإقليمية والدولية قد تكون أثقل بكثير من المكاسب الآنية التي حققها.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading