فاقمت حرب أكتوبر 2023 كارثة الركام في قطاع غزة، إذ تجاوز حجمها عشرات الملايين من الأطنان المختلطة بمواد خطرة وذخائر غير منفجرة ورفات بشرية، وأصبحت معالجتها والتخلص منها أحد الملفات الرئيسية المرتبطة بالتعافي وإعادة الإعمار.
وتكشف بيانات دولية حجم المشكلة، فيما تحدث مسؤولون وخبراء لـ”الحرة” عن عقبات تواجه عمليات إزالة الركام، في ظل غياب التنسيق وافتقار القطاع إلى المعدات اللازمة.
وتعود جذور الأزمة إلى نهاية معارك 2009 في غزة، حين قدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حجم الركام بنحو 600 ألف طن، بعدما تضرر ودُمر نحو 15 ألف منزل ومنشأة في القطاع.
وأزيل فعلا جزء من تلك الأنقاض، فيما ألقيت كميات أخرى على أطراف الطرق وفي أراض خالية في ظل الافتقار إلى مواقع تخزين محددة، ونظام مركزي لإدارة الركام.
وبرزت آنذاك مخاوف من وجود مادة الأسبستوس المسرطنة، بالإضافة إلى ذخائر لم تنفجر، ما دفع برنامج الأمم المتحدة إلى وضع خطة لفرز الركام وإزالته وطحنه وتخزينه.
وفي يوليو 2009، بدأ البرنامج إزالة نحو 420 ألف طن ضمن مشروع قدرت كلفته بنحو 12 مليون دولار.
لكن معالجة ركام الحرب لم تتحول في ظل حكومة حركة حماس، المدرجة على قوائم الإرهاب الأميركية، إلى برنامج مستمر داخل القطاع. واستمرت البلديات تتعامل مع عمليات إزالة الأنقاض وفتح الطرق، بحسب إمكاناتها.
وبعد حرب 2014 ارتفع حجم الركام إلى نحو مليوني طن وفق تقديرات الأمم المتحدة. وبدأ في نوفمبر من العام نفسه مشروع لإزالة نحو 140 ألف طن، من المناطق الأكثر تضررا.
ثم شهدت أعمال رفع الأنقاض توسعا خلال الأعوام اللاحقة، إذ تولت الأمم المتحدة إزاحة ما يزيد عن مليون طن، بالتوازي مع جهود ملاك وشركات خاصة نجحت في رفع قرابة 800 ألف طن أخرى.
كما أعيد تدوير جانب من هذه المخلفات بعد معالجتها للاستفادة منها في إصلاح الطرق وأعمال البنية التحتية.
ويقول مسؤول سابق في وزارة الأشغال العامة والإسكان لـ”الحرة” إن الحكومة الفلسطينية تكفلت بتمويل نفقات البلديات لرفع الركام ونقله، بالتنسيق مع منظمات دولية.
لكن حكومة حماس، بحسب المسؤول، تعاملت مع الملف بصورة منفصلة عن الجهات الرسمية، وجرت عمليات نقل والتخلص من الركام في أحيان كثيرة بعيدا عن التنسيق مع وزارة الأشغال.
كما تم التخلص من الركام عشوائيا في البحر، فيما أدى بناء لسان بحري من دون دراسات هندسية في خان يونس إلى تآكل الشاطئ وزيادة الانجراف.
وعزا أستاذ كيمياء بجامعات غزة عدم تنفيذ إزالة الركام بشكل صحيح إلى افتقاد حكومة حماس لخطة متكاملة، مؤكدا تجاهلها حلولا علمية قدمت للحد من الأضرار البيئية والصحية.
ولفت، في تصريحات لـ”الحرة”، إلى أن جهود المنظمات الأممية والحكومية اصطدمت أيضا بعدم وجود مختبرات متطورة في القطاع، أو إمكانات فحص للتأكد من شروط سلامة الركام المستخدم لاحقا.
وتزامن كل ذلك مع استمرار الانقسام السياسي الذي أعقب سيطرة حماس على القطاع عام 2007، وعمل مؤسسات غزة بصورة منفصلة عن السلطة الفلسطينية.
ثم جاءت الحرب الأخيرة، بعد هجوم حماس في 7 أكتوبر، لتغير حجم المشكلة بصورة جذرية.
ووفقا لتقييم أخير للبنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، الذي تعتمد عليه وزارة الأشغال الفلسطينية في خطتها، يبلغ حجم الركام الذي تسببت به الضربات الإسرائيلية نحو 68 مليون طن حاليا.
وتقول رقية أبو الرب، رئيسة فريق إعادة إعمار غزة بوزارة الأشغال العامة والإسكان، إن التعامل مع هذه الكمية قد يستغرق نحو 5 سنوات في حال توافرت المعدات الثقيلة اللازمة، مع استمرار عمليات إعادة الإعمار بالتوازي.
وبدأت، بحسب أبو الرب، عمليات إزالة الركام بالفعل في المناطق التي سمحت الإمكانات الحالية بالوصول إليها، لكن الوسائل المتوافرة محدودة وتتعرّض للتهالك بفعل الاستخدام، بالإضافة إلى نقص قطع الغيار والوقود.
وتعمل 5 كسارات حاليا في قطاع غزة، موزعة بين المحافظات.
وفي سبتمبر الماضي، بحث وزير الأشغال عاهد بسيسو مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مستجدات الملف، ضمن خطة الحكومة للتعافي وإعادة الإعمار.
لكن إدارة الركام لا تتعلق بحجمه فقط، وإنما ترتبط عمليات الإزالة بمخاطر الذخائر غير المنفجرة والمواد الخطرة، فضلا عن رفات الضحايا.
وتلفت أبو الرب إلى أن جهات موجودة في غزة لا تزال تعمل في الملف بشكل منفصل، وبعضها يتخلص من الركام بإلقائه عشوائيا في البحر، وأنه جرى التحرك مع البلديات لمنع هذه الإجراءات.
وتشمل خطة إدارة الركام إنشاء جزيرتين بمساحة إجمالية تبلغ نحو 14 كيلومترا مربعا، إحداهما في منطقة غزة والأخرى في المنطقة الجنوبية، على أن تقام عليهما مرافق ضمن تصور لتوسيع مساحة القطاع.
وتقول أبو الرب إن هذه الخطة حكومية ويجري العمل عليها مع المؤسسات الأممية، وإن تنفيذها سيخضع لدراسة تتعلق بالسلامة والأعراف الدولية.