في أبريل 1920، اندلعت أعمال شغب في صفوف الحشود الفلسطينية التي تجمعت في القدس للاحتفال بموسم النبي موسى، وذلك احتجاجاً على الانتداب البريطاني والهجرة الصهيونية. وأسفرت الاضطرابات عن مقتل خمسة يهود وأربعة عرب، وإصابة مئات آخرين، فيما يُعد أول صدام كبير فيما سيصبح فيما بعد الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وفي 7 أكتوبر 2023، اندلعت أحدث جولات هذا الصراع، والذي لا يزال ضحاياها يتساقطون.
وعلى مدى قرن كامل يفصل بين هاتين الجولتين، تبنت الأجيال الفلسطينية المتعاقبة كل أشكال المقاومة المسلحة الممكنة، القانوني منها والمخالف للقانون، منطلقين من كل قاعدة أتيحت لهم، وكانت النتيجة سلسلة من الكوارث. لم تنجح المقاومة المسلحة في وقف الصهيونية أو تفكيكها، بل أسهمت في تغذية أكثر تيارات الحركة الصهيونية عدوانية وتوسعاً، وأسفرت كل جولة من المقاومة المسلحة عن تقلص استقلال الفلسطينيين وسيطرتهم على أرضهم.
ومع ذلك، عندما تنتقد أصوات فلسطينية وعربية، من بينها صوتي، المقاومة المسلحة استناداً إلى فشلها وإلى أثرها المدمر على المنظومة الأخلاقية الفلسطينية والعربية، يكون رد الفعل عنيفاً، مصحوبا باتهامات الخيانة والانهزامية ولوم الضحية. رد الفعل هذا يستحق التأمل. كيف يتمسك أشخاص حسني النية وعقلاء باستراتيجية فشلت على مدى قرن كامل في تحقيقي أهدافها؟ كيف لا يرون كل هذا الفشل؟ وكيف يمكن للعلمانيين والليبراليين أن يؤيدوا حركة إسلامية من شأنها القضاء عليهم لو انتصرت؟ نحتاج الى تفسير حقيقي لهذا الموقف، فافتراض اللاعقلانية فيمن نختلف معهم في الرأي لا يختلف كثيرا عن افتراضهم أننا خونة وانهزاميون. لا افتراضهم ولا افتراضنا يفيد أي منا في فهم موقف الآخر، ولا في فهم هذا الصراع واستمراره. يحتاج الأمر منا الى فهم حقيقي للدوافع التي تجعل الفلسطينيين يتمسكون بهذه الاستراتيجية بغض النظر عن نتائجها.
التفسيرات الظاهرية
التفسيرات الشائعة لا تغني ولا تسمن من جوع. أكثر هذه التفسيرات شيوعاً أن الفلسطينيين لا يختارون بين المقاومة المسلحة والتعايش السلمي لأن الخيار الأخير غير مطروح أصلاً؛ وبالتالي فهم يختارون بين المقاومة المسلحة وبين استمرار الاحتلال أو الإبادة. التفسير الآخر الشائع هو أن الخيارات السلمية أخفقت هي الأخرى: فلا المفاوضات ولا المقاومة السلمية قادا الى قيام دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وغزة. في المقابل، نجحت المقاومة المسلحة في إجبار إسرائيل على الانسحاب – من لبنان عام 2000 ومن غزة عام 2005. وإذا لم يكن مثال حزب الله أو حماس كافيا، فهناك دائماً حرب التحرير الجزائرية والمقاومة المسلحة في جنوب أفريقيا بوصفهما مثالين ناجحين على المدى الطويل.
تبدو هذه التفسيرات أقرب إلى التبرير منها إلى أي شيء آخر. فاستمرار الاحتلال لا يحوّل استراتيجية فاشلة إلى استراتيجية ناجحة. بمعنى أنه إذا استمر الاحتلال رغم المقاومة المسلحة، فلا يمكن أن يعني ذلك أن انهاء الاحتلال يتطلب تكرار نفس الاستراتيجية التي لم تنجح. ومهما بلغ الاحتلال من فظاعة، تظل الاستراتيجية الفاشلة غير قادرة على إنهائه. سوء الوضع القائم لا يعني إذا أن المقاومة المسلحة هي الحل. إضافة إلى ذلك، فإن اللجوء للعنف، أو المقاومة المسلحة، قد أسهم إسهاماً كبيراً في إفشال التوصل إلى تسوية تفاوضية. من ناحية أخرى، فإن فشل التفاوض لا يجعل المقاومة المسلحة ناجحة بالضرورة، فمن الوارد منطقيا أن تكون كلا المفاوضات والمقاومة المسلحة فاشلتين وأن يكون الفلسطينيون في حاجة إلى نهج ثالث مختلف.
وما يُوصف بنجاح حزب الله وحماس يبدو اليوم أقل إثارة للإعجاب. أما حالتي الجزائر الفرنسية وجنوب أفريقيا، فهما مختلفتان اختلافاً جوهرياً يجعل من الصعب إدراك صلتهما بالوضع الفلسطيني؛ ففي الأولى، انسحبت دولة أوروبية من أرض بلد أخرى كانت تستعمرها، وفي الثانية، تراجعت أقلية عن هيمنتها لتحتفظ بامتيازاتها في ظل حماية دستورية متفق عليها.
تبدو هذه الحجج إذا أقرب إلى التبرير منها للتفسير، وكأنها ستاراً ظاهريا يخفي أمراً أعمق. كما أن الغضب العارم الذي يثيره أي انتقاد للمقاومة المسلحة يحمل دلالات تستحق التأمل؛ فالناس لا يتعاملون بهذه الحدة مع الاختلافات العادية حول جدوى أمر ما، بل عندما يشعرون بأنهم يتعرضون للاعتداء. وهنا يكمن مفتاح الإجابة على السؤال: لفهم سبب التمسك بالمقاومة المسلحة رغم فشلها البين، علينا أن نفهم التيارات العميقة التي تغذيها.
المثل الأعلى
يقدم كتاب يزيد صايغ “الكفاح المسلح والبحث عن الدولة” (1997) جانباً مهماً من الإجابة. فهو يوضح كيف شكّل الكفاح المسلح الإطار الذي تبلورت داخله الهوية الفلسطينية بعد نكبة ١٩٤٨، ولا سيما خلال ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، وذلك بصرف النظر عن إخفاقاتها العملياتية. فعلى سبيل المثال، انتهى الهجوم الإسرائيلي على مخيم الكرامة في الأردن عام 1968 بمقتل ما يصل إلى 200 مقاتل فلسطيني وجندي أردني، وأسر أكثر من 100 فلسطيني، وتدمير المخيم. لكن القوة الإسرائيلية المهاجمة خسرت 30 جندياً وعدداً كبيراً من المركبات أثناء الاشتباكات. وبالتالي احتفى ياسر عرفات والفلسطينيون بما حدث باعتباره انتصاراً، لأن هذه المواجهة المسلحة قدمت دليلاً على أن الفلسطينيين لم يعودوا مجرد لاجئين، بل أصبحوا “شعباً” قادرا على الفعل المستقل – من خلال الأطر التي تقدمها فصائل المقاومة المسلحة.
وتقدم إيزابيلا حماد جزءا آخر من الإجابة في روايتها الأولى “الباريسي” (2019) ، حيث تشرح ببراعة الكيفية التي أصبحت بها المقاومة المسلحة رابطة جديدة تتجاوز الولاءات الفردية والعائلية التي سادت المجتمع الفلسطيني في أوائل عشرينيات القرن الماضي، بحيث أعادت تشكيل أولويات الناس العاديين وخياراتهم الحياتية ونظرتهم إلى ذواتهم.
وبهذا المعنى، لم تكن المقاومة المسلحة مجرد إطار لبلورة الهوية الفلسطينية المستقلة، بل أيضاً وسيلة لتأكيد القدرة على الفعل والمبادرة. وهو الدور الذي بدأت في تأديته منذ انتفاضة موسم النبي موسى عام 1920 حين وجد الفلسطينيون أنفسهم خاضعين لحكم بريطاني قسري بدد آمالهم في الاستقلال. كانت تلك سنوات العنف التي صاحبت الحرب العالمية الأولى، بما تشمله من الانتفاضات القومية المسلحة التي اجتاحت العالم العثماني. وفي الوقت نفسه، كانت الحركة الصهيونية تشتري مساحات شاسعة من الأراضي وتطرد آلاف الفلاحين منها. في نهاية المطاف، حمل هؤلاء الفلاحون السلاح، وقدموا «مقاومتهم» بوصفها تأكيداً لقدرتهم على الفعل، نقيضا للاستسلام، ونقيضاً لسلبية أعيان الفلسطينيين وسياساتهم العقيمة.
وبحلول نهاية العشرينات، كانت فكرة المقاومة المسلحة قد ترسخت، ثم اتخذت منحى دموياً خلال اضطرابات البراق عام 1929 ومذبحة الخليل. وكلما ترسخ العنف، انتقلت القيادة أكثر إلى أيدي من يدعون إليه، مثل الشيخ عز الدين القسام (1881-1935). وهكذا سرعان ما تحول الإضراب العام الذي بدأ عام 1936 إلى انتفاضة مسلحة قادها أساساً المقاتلون الفلاحون. ومع تزايد التضحيات في ظل القمع البريطاني الوحشي، استمر انتقال السلطة من النخبة القديمة إلى المقاتلين الريفيين. ثم جاءت حرب عام 1948 والنكبة، فدمرتا ما تبقى من نفوذ النخب القديمة، وتركتا الفلسطينيين من دون هيئة تمثلهم جماعياً – أي “بوصفهم شعباً” – سوى من خلال الفصائل المسلحة.
بالطبع، شهد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أوقاتا تراجع فيها زخم المقاومة المسلحة يتراجع، كما حدث خلال السنوات الأولى من عملية أوسلو، حين أيدت غالبية الفلسطينيين التوصل إلى تسوية عبر المفاوضات. لكن المقاومة المسلحة كمثل أعلى ظلت كامنة تحت السطح، باعتبارها الأداة الرئيسية لتأكيد الهوية الفلسطينية والقدرة المستقلة على الفعل. وهذا ما مكن حركتي حماس والجهاد الإسلامي من تجنيد الأنصار الذين فضلوا نهجهما على مسار أوسلو التفاوضي. ولهذا السبب، عندما تعثر مسار أوسلو أخيراً في قمة كامب ديفيد عام 2000، أصبحت المقاومة المسلحة هي البديل التلقائي للجميع.
وعليه، فإن المقاومة المسلحة لا تجسد هوية الفلسطينيين فحسب، بل تعكس أيضاً إحساسهم بالقدرة على الاعتماد على ذاتهم والتصدي لأعدائهم، سواء انتصروا أو هُزموا. بل إنه كلما زادت خسائرهم كلما ازدادت أهمية إظهارهم، لأنفسهم وللعالم، أنهم ما زالوا موجودين، صامدين، وقادرين على التحرك بوصفهم شعبا. لذلك، لا تمثل الهزيمة سببا للتخلي عن المقاومة في نظر أنصارها، بل على العكس، تجعل الحاجة إليها أكبر. وهذا ما يفسر فشل الرد الإسرائيلي العنيف على هجوم 7 أكتوبر، وعلى كل عمل من أعمال المقاومة المسلحة. فالعنف الإسرائيلي لا يضعف الدافع الفلسطيني للتمسك بالمقاومة المسلحة، بل يقويه. رد الفعل الإسرائيلي يرفع كلفة المقاومة المسلحة، لكن الفلسطينيين يتعاملون مع تلك الكلفة باعتبارها قدراً لا مفر منه.
ولهذا أيضاً، يصبح أولئك الذين ينتقدون المقاومة المسلحة – مثلي – هدفاً لغضب عارم. إذ تبدو انتقاداتنا وكأنها تنكر على الفلسطينيين حقهم في الوجود كشعب قادر على الفعل. أما الحجج المتعلقة بإخفاق المقاومة في تحقيق تقرير المصير فتبدو بلا معنى، لأن المقاومة المسلحة نفسها تجسد، في عيون أنصارها، حق تقرير المصير. أما الحجج المتعلقة بالتمييز بين المقاومة والإرهاب، وبين القتال والقتل، ونشر ثقافة تمجيد الموت وما إلى ذلك، فتبدو كلاما فارغا في ظل الانهيار الأخلاقي العام الذي أنزله هذا الصراع بأطرافه وضحاياه معا. نفس الشيء ينطبق على الحجج المتعلقة بالمصالح الفصائلية الضيقة، وتجاوزات الإسلاميين، ودور الأطراف الإقليميين وأجنداتهم – كلها تبدو مسائل ثانوية مقارنة بالقضية الأصلية.
خلاصة القول، من غير المرجح أن يسقط المثل الأعلى الذي يمثله المقاومة المسلحة نتيجة الحجج المنطقية المتعلقة بفشلها في تحقيق الأهداف الوطنية، أو المتعلقة بأثرها المدمر على ثقافة الفلسطينيين وإنسانيتهم. لن تفقد المقاومة المسلحة جاذبيتها إلا إذا انفصلت الهوية الفلسطينية وشعور الفلسطينيين بالقدرة على الفعل عن السلاح، وأُعيد تشكيلها حول شيء آخر يتيح للفلسطينيين أن يتحركوا، وأن يراهم العالم وهم يتحركون، بوصفهم شعباً قادر على التحرك والدفاع عن نفسه – من دون بندقية.
لن يحدث هذا التحول بسهولة، ولا بقرار. لكن إلى أن يتحقق، ستظل المقاومة المسلحة تلعب دور المثل الأعلى، بغض النظر عن النتائج التي تحققها، وعن الكلفة التي تتسبب فيها.
الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).