أمضى السفير الأميركي لدى تركيا توم باراك جانباً كبيراً من فترة عمله في تحدي الأعراف التقليدية للدبلوماسية الأميركية. فالرجل الذي جاء من عالم الأعمال والاستثمار يتحدث غالباً بلغة مباشرة، وأحياناً على نحو يسبق الموقف الرسمي أو يفتح الباب أمام تأويلات واسعة.
والجمعة، ذهب باراك إلى حد الإشارة إلى احتمال شن ضربات جديدة على إيران خلال أيام.
وقال: “هل يمكن أن تقع ضربة في عطلة نهاية هذا الأسبوع؟ بالتأكيد”.
وجاء التصريح رغم إعلان الرئيس دونالد ترامب في 8 أكتوبر استبعاد أي هجمات قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة الشهر المقبل، وهو موقف أعاد البيت الأبيض تأكيده الخميس.
وعندما سُئل ترامب عن تصريحات باراك، نأى بنفسه عن هذا التوقع.
وقال للصحفيين: “هذا سفيري لدى تركيا. أظنه رجلاً نافذاً إلى حد كبير”. ثم أضاف: “إذا كان الأمر كذلك، فأنا لا أعرف شيئاً عنه”.
وقبل ذلك بثلاثة أيام فقط، كان باراك قد أثار جدلاً من نوع آخر، حين بدا وكأنه يثير شكوكا حول إحدى الركائز الأساسية التي قام عليها الدور الأميركي في الشرق الأوسط خلال مؤتمر أمني في الدوحة.
وأمام “منتدى الأمن العالمي” قال باراك: “أميركا، بوصفها الضامن للعالم على مدى الأعوام الثمانين الماضية، لم تعد موجودة بهذه الصورة”.
وأضاف: “ما يحدث في هذه الإدارة ليس تخلّياً، بل رسالة لإعادة التموضع”.
وأوضح أن واشنطن تمر بمرحلة “انتقال” بعيداً من التفاهم التقليدي الذي قام لعقود على مبادلة النفط بالأمن مع الدول المنتجة في الخليج، مشبهاً هذه العملية بـ”تربية مراهق”.
لكن الواقع على الأرض يبدو أكثر تعقيداً من ذلك. فالولايات المتحدة لا تزال منخرطة بعمق في حربها مع إيران، التي قال دبلوماسي أميركي بارز الجمعة إنها قد تستمر سنة أخرى، فيما تساعد البحرية الأميركية في تأمين حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
ولهذا، أعادت تصريحات باراك الأخيرة طرح سؤال قديم يتجدد كلما خرج بموقف لافت: عندما يتحدث بصراحة عن السياسة الأميركية، إلى أي حد يكون متحدثاً باسم واشنطن، وإلى أي حد يكون معبّراً عن نفسه؟
دبلوماسي خارج المألوف
باراك، البالغ 79 عاماً، الذي هاجر أجداده من لبنان، بنى ثروته في قطاع العقارات والاستثمارات الخاصة، ويعرف ترامب منذ عقود.
وترأس لجنة حفل تنصيب ترامب الأول عام 2017، قبل أن ينضم إلى إدارته الثانية سفيراً لدى تركيا عام 2025، ثم يتولى لاحقاً أيضاً مهمة المبعوث الخاص إلى سوريا والعراق.
هذا القرب من الرئيس، إلى جانب معرفته الطويلة بالمنطقة، أتاحا له موقعاً غير مألوف داخل الدبلوماسية الأميركية. وهو موقع يتيح له التحرك بهامش أوسع من المعتاد، بعيداً من اللغة المحسوبة بعناية التي يلتزمها عادة المبعوثون الأميركيون.
وتقول راندا سليم، مديرة برنامج الشرق الأوسط في “مركز ستيمسون”، إن باراك يتعامل مع الدبلوماسية بعقلية تركز على العلاقات الشخصية والنتائج العملية، أكثر من تركيزها على الخلافات الأيديولوجية أو المواقف التفاوضية الصارمة.
وقالت لـ”الحرة”: “يتعامل مع الدبلوماسية بعقلية رجل أعمال، يسعى إلى إنجاز المهمة من خلال العلاقات الشخصية مع الأطراف الرئيسية، متجاوزاً الانقسامات الأيديولوجية، ومتجنباً الوقوع في أسر الخطوط الحمر”.
وترى سليم أن استعداده للتعامل مع أحمد الشرع، القائد السابق لفرع تابع لتنظيم “القاعدة” الذي أصبح رئيساً لسوريا مطلع العام الماضي قبل أن يتحول لاحقاً إلى حليف لترامب، يقدم مثالاً واضحاً على هذه البراغماتية.
دبلوماسية بلا نص جاهز
لكن هذا الأسلوب الشخصي والمباشر لم يخلُ من كلفة، واضطر باراك في أكثر من مناسبة إلى توضيح تصريحاته أو إعادة ضبطها.
ففي أغسطس، قال إن إسرائيل لا تزال تحتل هضبة الجولان السورية في انتهاك لقرارات الأمم المتحدة، وهو ما بدا متناقضاً مع قرار ترامب عام 2019 الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على المنطقة.
وبعد انتقادات حادة من مشرعين جمهوريين، أوضح باراك أن السياسة الأميركية تجاه الجولان لم تتغير.
وفي المقابلة نفسها، أشار إلى أن إيران و”حزب الله” غائبان عن المحادثات التي تقودها الولايات المتحدة مع إسرائيل بشأن أمن لبنان.
لكنه عاد لاحقاً ليؤكد أنه كان يصف “صعوبة المشكلة” المرتبطة بنزع سلاح “حزب الله” المدعوم من إيران، ولا يقترح الدخول في محادثات مع الجماعة التي تصنفها الولايات المتحدة منظمة إرهابية.
وفي مناسبة أخرى، عارض باراك المحاولات الغربية لفرض الديمقراطية على سوريا ما بعد الأسد، لكنه ذهب أبعد حين تساءل عما إذا كانت أي دولة في الشرق الأوسط، بما فيها إسرائيل، ديمقراطية فعلاً.
وأثارت هذه التصريحات انتقادات مسؤولين إسرائيليين ومشرعين جمهوريين، بينهم السناتور الراحل ليندسي غراهام.
ولم تكن هذه الحالات استثناءات.
فإلى جانب أحدث تصريحاته بشأن احتمال شن غارات جديدة على إيران، وحديثه عن نهاية معادلة “النفط مقابل الأمن”، أثار باراك أيضاً ضجة هذا العام خلال “منتدى الأمن العالمي” في الدوحة عندما قال إن إيران “ليست نظاماً شريراً”.
لكن ترامب ناقضه بعد يومين فقط، حين وصف إيران في منشور على منصة “تروث سوشال” بأنها “نظام شرير حقاً”.
صفقة قديمة تحت الضغط
ويرى جيم كرين، خبير شؤون الطاقة وأمن الخليج في “معهد بيكر” التابع لجامعة رايس في هيوستن، أن تصريحات باراك قد تكون مؤشراً إلى تحول حقيقي في السياسة، أو ربما لا تعدو أن تكون “بالون اختبار”.
وأوضح أن معادلة “النفط مقابل الأمن” لم تكن يوماً اتفاقاً رسمياً، بقدر ما كانت تفاهماً استراتيجياً تشكل تدريجياً، يرجع في جزء أساسي منه إلى تعهد الرئيس جيمي كارتر عام 1980 بالدفاع عن المصالح الأميركية في الخليج.
وقال كرين لـ”الحرة”: “إنها أقرب إلى مفهوم. وعلى حد علمي، لا توجد وثيقة يمكنك قراءتها بعنوان النفط مقابل الأمن. وعلى الأقل، لا توجد وثيقة علنية من هذا النوع”.
لكن الحرب مع إيران كشفت أيضاً عن نقطة ضعف في هذه المعادلة. فالمنشآت العسكرية الأميركية التي أنشئت أساساً لحماية شركاء واشنطن في الخليج باتت، في ظل الحرب، أهدافاً محتملة للهجمات الإيرانية.
وقال كرين: “المظلة الأمنية نفسها أصبحت الآن ضمن بنك أهداف إيران”.
وأضاف أن القواعد العسكرية الأميركية “تجعل حلفاءنا أقل أمناً لأنها تتعرض للهجمات”.
ومع ذلك، يشكك كرين في أن تتمكن التحالفات الأمنية الإقليمية الناشئة، مثل “اتفاق مكة”، من الحلول قريباً محل القدرات العسكرية الأميركية.
وقال: “لا توجد قوة خارجية أخرى قادرة على توفير المستوى نفسه من الأمن الذي توفره الولايات المتحدة”، مرجحاً أن يستمر الوضع القائم في المدى المنظور.
وترى سليم أن الطرح الذي يقدمه باراك ليس جديداً في جوهره.
وقالت: “هذا التحول يعود إلى استراتيجية أوباما لإعادة التوجه نحو آسيا”، في إشارة إلى مساعي مطلع العقد الماضي للابتعاد من حربي العراق وأفغانستان.
وأضافت أن الإدارات الأميركية المتعاقبة حاولت منذ ذلك الحين نقل مركز الثقل الاستراتيجي نحو آسيا، لكن صراعات الشرق الأوسط واصلت إعادة الولايات المتحدة إلى المنطقة.
باسم من يتحدث؟
وعندما سُئلت وزارة الخارجية الأميركية عما إذا كانت تصريحات باراك تعكس السياسة الخارجية الرسمية للولايات المتحدة أم تعبّر عن آرائه الشخصية، اكتفت بالتشديد على أن الموقف الأميركي لم يتغير.
وقال متحدث باسم الوزارة لـ”الحرة”: “الرئيس ترامب نفسه يعبّر بصورة منتظمة عن مواقف هذه الإدارة تجاه الشرق الأوسط. ولم يطرأ أي تغيير على السياسة الأميركية”.
وأضاف: “تبقى الولايات المتحدة ملتزمة بحماية المصالح الأميركية ودعم شركائنا في الشرق الأوسط”.
ولم ترد السفارة الأميركية في أنقرة على طلب لإجراء مقابلة مع باراك، كما لم يرد البنتاغون على استفسار بشأن تصريحاته في الدوحة.
لكن آرون ديفيد ميلر، المفاوض المخضرم في شؤون الشرق الأوسط الذي عمل خلال فترات ولاية خمسة رؤساء أميركيين، من جيمي كارتر إلى جورج دبليو بوش، لا يرى في تصريحات باراك ما يخرج كثيراً عن المألوف في عصر ترامب.
وبرأيه، فإن ما يقوله باراك لا يرقى بالضرورة إلى إعلان تحول جديد في السياسة.
وقال عن تصريحاته بشأن معادلة النفط مقابل الأمن: “إنه في الواقع من التصريحات الأقل حدة. ويمكن تفسيره على أنه ملاحظة تحليلية، وليس بيان سياسي”.
وميلر، الذي يعمل حالياً باحثاً بارزاً في “مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي”، يقول إن باراك يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره ذكياً وملماً بشؤون الشرق الأوسط، لكن القيمة الحقيقية لتصريحاته تبقى مرتبطة بمدى انسجامها مع ما تفعله الإدارة على الأرض.
وقال: “إنه تعليق من شخص يعرف المنطقة ومقرّب من الرئيس، لكن عليك أن تقارنه بالواقع، وبما تفعله الإدارة فعلاً”.
وأشار في هذا السياق إلى الحرب مع إيران، والنشاط البحري الأميركي في مضيق هرمز، وموافقة واشنطن أخيراً على صفقة مقترحة لبيع السعودية 48 مقاتلة من طراز “إف-35”.
ثم طرح السؤال الذي يلخص التناقض كله:
“هل ينظر توم باراك إلى المنطقة نفسها التي أنظر إليها أنا؟ لا يبدو لي أننا في وضع انسحاب”.