في أواخر ديسمبر 2023، اعتقلت قوات الأمن الإسرائيلية شابين في حي رأس العمود بالقدس الشرقية. وقال المحققون إنهما كانا يحوزان مواد كيميائية لصناعة المتفجرات، ودفترًا يتضمن تعليمات لصنع القنابل، وراية تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
وكان الشابان اللذان يبلغان من العمر 19 و20 عامًا، يمضيان أيامهما في مشاهدة دروس التنظيم ومقاطع فيديو لعمليات قطع الرؤوس. وتمثلت خطتهما في تحميل شاحنة بأسطوانات غاز وتفجيرها بالقرب من الكنيست الإسرائيلي.
حظيت الخطة بقدر من التغطية الإعلامية قبل أن تختفي عن الأنظار، بعدما طغت عليها الحرب في غزة . وهذا هو النمط السائد منذ ما يقرب من ثلاث سنوات. فمنذ هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، ركّز المحللون وصنّاع السياسات في المقام الأول على حماس وحزب الله وبقية مكونات “محور المقاومة” الإيراني. لكن تنظيم الدولة الإسلامية كان خلال هذه الفترة أكثر نشاطًا من أي وقت مضى في استهداف إسرائيل.
وتُظهر قاعدة بيانات أعددتها بشأن عمليات الاعتقال المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية التي أعلنت عنها السلطات الإسرائيلية علنًا منذ عام 2014، والتي تشمل أشخاصًا جرى توجيههم عبر الإنترنت من خارج البلاد وآخرين استلهموا دعاية التنظيم، أن إسرائيل أحبطت من المخططات المرتبطة بالتنظيم منذ السابع من أكتوبر عددًا يفوق ما أحبطته خلال السنوات التسع والنصف السابقة مجتمعة. فبين عامي 2014 و2023، نفذت القوات الإسرائيلية 50 عملية اعتقال مرتبطة بالتنظيم. ومنذ 7 أكتوبر 2023، نفذت 46 عملية.
كما ازدادت هذه القضايا تعقيدًا . فقبل الحرب، كانت معظم الاعتقالات تتعلق بأشخاص يسعون إلى الانضمام إلى المقاتلين الأجانب والتوجه إلى سوريا، أو بأفراد ينشرون دعاية التنظيم عبر الإنترنت. أما منذ السابع من أكتوبر، فقد تضمنت 28 عملية من أصل 46 مخططات لتنفيذ هجمات، مقارنة بـ 18 عملية خلال الفترة السابقة للحرب بأكملها.
ولم يلحظ سوى عدد قليل من الأشخاص هذا الارتفاع في النشاط، لأن هذه المخططات لم ينجح أي منها تقريبًا، وهو ما يعكس نجاح الاستخبارات الإسرائيلية أكثر مما يعكس ضبط النفس لدى التنظيم. كذلك، لا تقتصر هذه المخططات على أنصار معزولين يتصرفون بمبادرات فردية، إذ يمكن تتبع نسبة كبيرة منها إلى شبكات تنظيم الدولة الإسلامية في الخارج، ولا سيما في سوريا.
المخططات التي أُحبطت
بالقرب من الخليل، أعدّت خلية مؤلفة من أربعة أشخاص، كان قائدها على اتصال بعناصر في التنظيم خارج البلاد، نحو 100 عبوة ناسفة لاستخدامها ضد الجنود الإسرائيليين. وفي مدينة الطيبة العربية داخل إسرائيل، بحث خمسة رجال كمية المواد المتفجرة اللازمة لإسقاط برجي عزرائيل في تل أبيب، وخططوا لتفجير سيارة مفخخة في المركز التجاري الواقع أسفلهما. وفي عكا وبئر السبع والقدس الشرقية، أعدّ آخرون عبوات أنبوبية وعبوات ناسفة بدائية الصنع، أو اشتروا مسدسات بهدف مهاجمة جنود وشرطة ومحطة حافلات ونادٍ ليلي.
حتى الآن، لم تتحول هذه المخططات إلى أعمال عنف متواصلة. فقبل السابع من أكتوبر، نُفذت اعتقالات الإسرائيلية عقب خمس هجمات دامية استلهم منفذوها أفكار تنظيم الدولة الإسلامية، من بينها إطلاق نار في الخضيرة عام 2022.
ومنذ ذلك الحين، لم يقع سوى هجوم دامٍ واحد، تمثل في مقتل الإسرائيلي بنيامين أخيمئير، البالغ من العمر 14 عامًا، على يد فلسطيني استلهم أفكار التنظيم، بالقرب من قرية دوما في الضفة الغربية، في أبريل 2024. وبعد شهر من هجوم السابع من أكتوبر، قتلت القوات الإسرائيلية أيضًا عنصرًا مرتبطًا بالتنظيم في أبو ديس، خارج القدس. وقالت القوات إنه شكّل خلية واشترى أسلحة وأطلق النار على جنود بعد الإفراج عنه من سجن إسرائيلي.
كما أن طبيعة الأشخاص الذين يقفون وراء هذه المخططات مهمة. إذ تضمنت نحو ثلثي الحالات منذ السابع من أكتوبر مواطنين عربًا في إسرائيل، وليس فلسطينيين من الضفة الغربية أو القدس الشرقية. وشملت تسع حالات على الأقل قاصرين، كان أحدهم يبلغ 14 عامًا فقط.
ولم تقتصر قائمة المشتبه بهم على شبان مهمّشين، بل ضمت طبيبًا في أحد مستشفيات بئر السبع أعلن مبايعته للخليفة الجديد للتنظيم بعد السابع من أكتوبر، وجنديًا إسرائيليًا سابقًا يبلغ 30 عامًا كان يستعد للانضمام إلى التنظيم في الخارج . وفي ديسمبر 2025، حذّر مسؤولون أمنيون إسرائيليون من “ارتفاع مستوى التهديد الذي يشكّله تنظيم الدولة الإسلامية وأنصاره داخل الأراضي الإسرائيلية” منذ اندلاع الحرب.
ملامح استراتيجية
منحت قيادة تنظيم الدولة الإسلامية هذه المخططات الهجومية مبررات أيديولوجية وحددت أهدافها . ففي أول بيان واضح للتنظيم بشأن الحرب، دعت افتتاحية نشرتها أسبوعية “النبأ ” في أكتوبر 2023 إلى شن هجمات على التجمعات اليهودية والمعابد اليهودية والسفارات في أنحاء العالم، وحثّ الشبان في غزة على الاستعداد لارتداء أحزمة ناسفة.
وفي يناير 2024، دعا المتحدث باسم التنظيم، أبو حذيفة الأنصاري، الفلسطينيين إلى التخلي عن حماس، التي يعتبرها التنظيم مرتدة ووكيلة لإيران، وإلى قتال “اليهود لأنهم يهود”. كما دعا أنصاره إلى قتل اليهود والمسيحيين “في شوارع الغرب وأزقته”.
وفي أبريل 2026، وهو تاريخ قريب، دعت صحيفة “النبأ” إلى استهداف المعابد اليهودية خلال عيد الفصح اليهودي، وقدّمت هجوم شاطئ بوندي في سيدني، الذي وقع في ديسمبر 2025، نموذجًا يُحتذى به.
وتتمثل الاستراتيجية المعلنة للتنظيم في استهداف “حماة” إسرائيل أولًا: الحكومات العربية، ودول الخليج التي تستضيف قواعد أميركية، والجاليات اليهودية في الخارج . وعرضت افتتاحية في صحيفة “النبأ ” في سبتمبر 2025 منطق هذه الاستراتيجية، معتبرة أن عبور الحدود إلى إسرائيل أمر بالغ الصعوبة، لأن الدول العربية المجاورة، بما فيها سوريا، “تحمي” حدودها.
ولذلك، يرى التنظيم أن المتطوعين الموجودين أصلًا داخل إسرائيل هم الخيار العملي الأكثر قابلية للتنفيذ بالنسبة إليه هناك . وتعكس سجلات الاعتقال هذا التقسيم للأدوار، إذ يحدد القادة الكبار الإطار العام والأهداف، فيما يزوّد الوسطاء في الخارج المجندين بالأدلة والإرشادات ووسائل الاتصال ومسارات السفر، ثم يحاول المجندون المحليون تنفيذ بقية المهمة.
كما أتاح وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر 2025 للتنظيم حجة إضافية . فقد وصفت نشرة “النبأ” الاتفاق بأنه التزام “بضمان حماية الدولة اليهودية المصغّرة وعدم مهاجمتها مرة أخرى”، وأبلغت الفلسطينيين بأن الجهاد، وليس “طريق التحرير الوطني”، هو خلاصهم الوحيد. وقدّم التنظيم نفسه بوصفه طليعة صغيرة لا تعرف المساومة، من شأنها قيادة “الحروب الدينية المقبلة”. ومع التزام حماس بالهدنة، سعى تنظيم الدولة الإسلامية إلى تصوير نفسه باعتباره الطرف الذي لا يزال ملتزمًا بمواصلة قتال إسرائيل.
الارتباط بسوريا
تضمنت حالات كثيرة من هذه القضايا مراهقين جرى استقطابهم وتطرفوا عبر الإنترنت، لكن هذا لا يعكس الصورة الكاملة. ففي أكثر من ثلث الحالات، كان المشتبه بهم على اتصال مباشر بعناصر في تنظيم الدولة الإسلامية خارج البلاد، أو كانوا يحاولون الوصول إلى ساحات نشاط التنظيم في الخارج.
وتلقى بعضهم مساعدة مباشرة. ففي عام 2025، تواصل ثلاثة من سكان عرعرة، وهي بلدة عربية في شمال إسرائيل، عبر تطبيق تيك توك مع أحد المتصلين بالتنظيم في سوريا. وأرسل إليهم أدلة إرشادية ومقاطع فيديو تشرح كيفية صنع قنبلة وصاعق تفجير. فصنعوا عبوتين أنبوبيتين واختبروهما، ثم صوّروا تقارير إخبارية زائفة تزعم وقوع هجمات في تل أبيب.
وفي القدس الشرقية، جُنّد رجلان كانا يخططان لمهاجمة مركز للشرطة على يد شخص تلقى تدريبًا في الخارج على أيدي عناصر من التنظيم. كما كانت خلية في حي صور باهر على اتصال بعناصر من تنظيم الدولة الإسلامية في الضفة الغربية وسوريا، وكانت تخطط للسفر إلى سوريا لتلقي تدريب على صناعة المتفجرات. وحاول آخرون الانضمام إلى التنظيم في سوريا أو الصومال، وغالبًا ما سلكوا طرقًا تمر عبر تركيا أو الأردن.
وبدأت إسرائيل أيضًا ملاحقة هذه الشبكات خارج حدودها. ففي ديسمبر 2025، استهدفت القوات الإسرائيلية شبكة مباشرة داخل سوريا. وخلال مداهمة ليلية لقرية الرفيد بالقرب من مرتفعات الجولان، اعتقل جنود من لواء الجولان التابع للجيش الإسرائيلي، برفقة محققين من الوحدة 504، مشتبهًا به قال الجيش إنه “يعمل بتوجيه من تنظيم الدولة الإسلامية”.
كما صادرت القوات أسلحة ونقلت المشتبه به إلى إسرائيل لاستجوابه . وقدّم الجيش الإسرائيلي العملية على أنها تهدف إلى حماية سكان الجولان، في إشارة إلى أن إسرائيل باتت تنظر إلى نشاط التنظيم عبر الحدود باعتباره تهديدًا لأراضيها.
وفي أغسطس 2025، قتلت قوات إسرائيلية أيضًا محمد عبد العزيز أبو زبيدة في غزة، ووصفته بأنه قائد “ولاية فلسطين” التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية، مدعية أنه كان مسؤولًا عن عمليات التنظيم ضد إسرائيل في الضفة الغربية وغزة وسيناء . وقال الجيش الإسرائيلي أيضًا إنه ساعد في تهريب الأسلحة والأموال من الضفة الغربية إلى غزة، وإن التنظيم شارك في القتال ضد القوات الإسرائيلية.
ولا تزال غزة الساحة الأكثر غموضًا. فحماس تحظر وجود تنظيم الدولة الإسلامية داخل القطاع، ولذلك يضطر الموالون للتنظيم إلى التخفي عن كل من إسرائيل وحماس. وحتى أنصار التنظيم أنفسهم باتوا يتجادلون بشأن ما إذا كان له هيكل تنظيمي رسمي داخل القطاع، أم أنه لا يضم سوى متعاطفين معه. وفي الأيام الأولى للحرب، حثّت شخصيات بارزة مؤيدة للتنظيم أنصاره في غزة على عدم الانخراط في معركة حماس، ودعتهم بدلًا من ذلك إلى تخزين الأسلحة وتشكيل خلايا ومبايعة التنظيم عندما تندلع حرب أوسع نطاقًا.
ما الذي ينبغي على واشنطن فعله؟
ينبغي للولايات المتحدة وإسرائيل التعامل مع تنظيم الدولة الإسلامية باعتباره تهديدًا مستقلًا في الساحة الإسرائيلية الفلسطينية، بدلًا من إدراجه ضمن التقييمات المتعلقة بحماس والمحور الإيراني.
وينبغي أن تبدأ هذه الجهود من سوريا. فمع تعميق واشنطن انخراطها مع حكومة أحمد الشرع، عليها الضغط على دمشق لاتخاذ إجراءات ضد الوسطاء التابعين لتنظيم الدولة الإسلامية الذين يوجّهون الخلايا داخل إسرائيل، وتنسيق هذه الجهود مع العمليات الإسرائيلية في هذا المجال، وتوسيع نطاق تبادل المعلومات الاستخباراتية بشأن المسارات التي يستخدمها الراغبون في الانضمام إلى التنظيم عبر تركيا والأردن.
كما أن شكل النظام الأمني والإداري في غزة بعد الحرب مهم أيضًا. وينبغي لأي إطار لتحقيق الاستقرار أو توفير الأمن في القطاع أن يتضمن إجراءات للتدقيق والمراقبة بهدف رصد الأنشطة الجهادية، حتى لا يؤدي إضعاف حماس إلى إفساح المجال أمام تنظيم الدولة الإسلامية.
وأخيرًا، ينبغي لإسرائيل أن تدرك أن معظم الأشخاص الذين تعتقلهم أجهزتها الأمنية هم من الشباب العرب المواطنين في إسرائيل.
ويمكن للشراكات مع البلديات والمدارس والقيادات الدينية في مجالي الإنذار المبكر والتدخل، إلى جانب الامتناع عن اتخاذ تدابير جماعية قد تعزز الرواية التي يروّج لها تنظيم الدولة الإسلامية، أن تقلّص عدد المعرضين للاستقطاب قبل أن تصل المخططات إلى مرحلة استخدام المتفجرات والمسدسات.
كما أن المنصات التي عثر كثير من هؤلاء الشباب عبرها على تعليمات لصنع القنابل ووسائل اتصال بعناصر التنظيم، بما في ذلك تيك توك وتلغرام، تحتاج إلى تشديد كبير في الإشراف على المحتوى باللغة العربية. وقد نجحت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، عبر إحباط هذه المخططات، في إبقاء حملة تنظيم الدولة الإسلامية غير مرئية إلى حد كبير. لكن لا ينبغي الخلط بين هذا النجاح وغياب التهديد.
الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).