تغطية مباشرة انتخابات 2026: إسرائيل تختار بين نتنياهو ومنافسيه واشنطن العاصمة 06:43 PM

غارات الأردن على سوريا تختبر العلاقات مع حكومة الشرع

استدعاء دمشق للسفير الأردني احتجاجا على مقتل مدنيين في غارات استهدفت جنوب سوريا يكشف عن خلافات أمنية بين البلدين، رغم مساعيهما لتعزيز التعاون لمواجهة التهديدات المشتركة.

· 6 دقيقة قراءة
رجل يتفقد موقع غارة جوية أردنية يُعتقد أنها وقعت في بلدة المسيمية بمحافظة درعا جنوبي سوريا، وأسفرت عن مقتل أربعة أفراد من العائلة نفسها، بينهم ثلاثة أطفال، 27 أكتوبر 2026. رويترز/خليل عشّاوي
رجل يتفقد موقع غارة جوية أردنية يُعتقد أنها وقعت في بلدة المسيمية بمحافظة درعا جنوبي سوريا، وأسفرت عن مقتل أربعة أفراد من العائلة نفسها، بينهم ثلاثة أطفال، 27 أكتوبر 2026. رويترز/خليل عشّاوي

استدعت وزارة الخارجية السورية، الأربعاء، السفير الأردني لدى دمشق، سفيان القضاة، وسلمته مذكرة احتجاج على غارات جوية أردنية أسفرت عن مقتل مدنيين في جنوب سوريا، في تصعيد دبلوماسي جديد بين البلدين بعد أشهر من محاولات تعزيز التعاون الأمني والسياسي.

وجاء استدعاء السفير الأردني بعد يوم من اتفاق البلدين على تشكيل لجنة أمنية مشتركة للتحقيق في ملابسات الغارات، التي قالت عمّان إنها استهدفت عناصر من تنظيم داعش مرتبطين بهجوم دموي على كنيسة في محافظة الكرك الأردنية الأسبوع الماضي.

وتضع الأزمة الأردن أمام مشكلة أمنية وسياسية. فالمملكة، التي سارعت إلى بناء علاقات مع الحكومة السورية الجديدة بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، ترى أن استقرار سوريا ضروري لأمنها، لكنها تبدي مخاوف بشأن قدرة دمشق على ضبط حدودها ومواجهة التنظيمات المتشددة وشبكات التهريب.

وقالت وزارة الخارجية السورية، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الرسمية “سانا“، إن مذكرة الاحتجاج جاءت على خلفية القصف الأردني الذي طال مواقع مدنية في محافظة درعا، وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى، بينهم أطفال.

وكان الجيش الأردني قد أعلن أن الغارات، التي حملت اسم “الردع الأردني – حمود”، استهدفت مواقع لتنظيمات إرهابية في جنوب سوريا، وأسفرت عن تدمير مستودع أسلحة وآليات. وقدّرت الحكومة الأردنية مقتل أكثر من 20 عنصرا من داعش في العملية.

وقال مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن لـ”الحرة” إن ليس لديه معطيات ميدانية مستقلة لتأكيد حصيلة القتلى من مسلحي داعش أو تحديد هوية جميع المستهدفين.

وذكرت السلطات السورية أن الضربات التي استهدفت مناطق في درعا والسويداء أسفرت عن مقتل سبعة مدنيين، بينهم ثلاثة أطفال وامرأة. وأعربت الحكومة الأردنية عن “أسفها البالغ” لسقوط ضحايا مدنيين.

وقالت مصادر أردنية لـ”الحرة” إن الأردن يتجه إلى تعويض عائلات المدنيين الذين قُتلوا في الهجوم، وإن وسيطا بين الأردن والعشائر في المناطق التي وقع فيها الهجوم يرتب المسألة وفقا للأعراف العشائرية.

وقال مسؤول أردني، طلب عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخول بالتصريح حول الموضوع، لـ”الحرة” إن من بين القتلى والدة أحد عناصر تنظيم داعش وثلاثة من أبناء شقيقه، كانوا يقيمون في خيمة قرب مبنى إسمنتي صغير، كان “المسؤول الداعشي” يختبئ فيه.

ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من رواية المسؤول بشأن هوية المستهدفين أو ظروف وجود الضحايا في المكان.

وأثارت الغارات خلافا علنيا بين الحكومتين بشأن التنسيق المسبق. فقد أعلن الجيش الأردني أن العملية جرت بالتنسيق مع دمشق، لكن وزارة الخارجية السورية نفت تلقي أي إخطار مسبق، ووصفت الغارات في بيان بأنها “انتهاك غير مقبول” للسيادة و”خرق صريح لمبادئ حسن الجوار”.

وعلقت السلطات السورية مؤقتا العمل في معبر نصيب الحدودي، المقابل لمعبر جابر الأردني، وهو المنفذ البري الرئيسي لحركة الركاب والبضائع بين البلدين، قبل أن تستأنف العمل فيه يوم الأربعاء.

ويرى محللون أمنيون تحدثوا لـ”الحرة” أن تنفيذ عملية من هذا النوع دون أي اتصال مسبق بين الأجهزة العسكرية أمر يصعب تصوره. لكن لا توجد معلومات مستقلة تحسم ما إذا كانت دمشق قد أُبلغت بالضربات أو متى حدث ذلك.

من هجوم الكرك إلى غارات درعا

جاءت الغارات الأردنية بعد ثلاثة أيام من هجوم مسلح استهدف مشاركين في مراسم تشييع داخل كنيسة أرثوذكسية في بلدة حمود بمحافظة الكرك، جنوبي المملكة، وأسفر عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة أكثر من 30 آخرين.

وقالت السلطات الأردنية إن التحقيقات كشفت صلات بين المشتبه في تنفيذهم الهجوم وعناصر متشددة داخل سوريا، وإن هذه المعلومات دفعتها إلى تنفيذ الضربات.

وقال مسؤول أردني لـ”الحرة”: “بعد ما وصلت معلومات أن الخلية التي قامت بالعملية في حمود لها ارتباط بتنظيم داعش، لم نتردّد لحظة أن نرد لهم الصاع صاعين”.

لكن السلطات الأردنية لم تعلن تفاصيل الأدلة التي تربط منفذي هجوم الكنيسة بالمواقع المستهدفة في سوريا. ولم يكن التنظيم قد أعلن مسؤوليته عن الهجوم، وفقا لما أوردته وكالة رويترز يوم الثلاثاء.

وأعاد الهجوم إلى الواجهة المخاوف من استمرار وجود شبكات متشددة داخل الأردن، بعضها يرتبط بتنظيمات نشطت في سوريا والعراق خلال العقد الماضي.

ويقدر خبراء تحدثوا إلى “الحرة” أن عدد المتأثرين بالأفكار التكفيرية في الأردن قد يتجاوز ثلاثة آلاف شخص، يتركز كثير منهم في المناطق الجنوبية التي تعاني ارتفاع البطالة والفقر وتراجع الفرص الاقتصادية. غير أن هذا التقدير لا يستند إلى إحصاء رسمي معلن، ولا يعني أن جميع هؤلاء منخرطون في نشاط مسلح.

حدود مضطربة

لا تقتصر المخاوف الأردنية على داعش. فمنذ سقوط نظام الأسد، أصبحت السيطرة على المناطق الحدودية في جنوب سوريا أحد أبرز التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة في دمشق.

وتنشط في أجزاء من الجنوب السوري شبكات لتهريب المخدرات والأسلحة، فيما تتداخل مناطق عملها مع مناطق وجود جماعات مسلحة وتشكيلات محلية لا تخضع جميعها بصورة كاملة لسلطة دمشق.

وتشير بيانات الجيش الأردني إلى إحباط 536 محاولة تسلل وتهريب خلال عام 2025، وإسقاط 89 طائرة مسيّرة وضبط 168 قطعة سلاح. وخلال النصف الأول من عام 2026، تعامل الجيش مع 231 محاولة تسلل وتهريب، وأسقط 56 طائرة مسيّرة.

وقال مسؤول أردني رفيع لـ”الحرة” إن بلاده بادرت إلى إعادة العلاقات مع الحكومة السورية انطلاقا من قناعة بأن استقرار سوريا يخدم الأمن الوطني الأردني، ولذلك “انخرطت عمّان مع الرئيس الجديد (أحمد الشرع) وأركان حكمه لأننا ندرك أنه يواجه تحديات اقتصادية وأمنية كبيرة وأن التحول من إدارة ميليشيا إلى إدارة دولة سيأخذ وقتا طويلا”.

وتزيد التطورات في محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية من تعقيد المشهد الأمني، في ظل التوتر بين دمشق وإسرائيل ووجود تشكيلات مسلحة محلية.

ويقول مسؤولون أردنيون مطلعون على الملف إن عمّان تتابع بقلق نفوذ الشيخ حكمت الهجري والتشكيلات المسلحة المرتبطة به، والعلاقات التي أقامتها إسرائيل مع بعض الأطراف الدرزية في جنوب سوريا.

ويتخوف هؤلاء المسؤولون من أن يؤدي استمرار ضعف سلطة دمشق إلى تكريس كيانات محلية منفصلة عن الحكومة المركزية، بما يغير التوازنات الأمنية قرب الحدود الأردنية.

كما يتهم مسؤولون أردنيون مجموعات مرتبطة بالهجري بالتورط في تهريب أسلحة ومخدرات، وهي اتهامات لم يتسنَّ التحقق منها بصورة مستقلة.

وقال دبلوماسي مطلع على الملف إن مسؤولين إسرائيليين ردوا على استفسارات أردنية بشأن دعم الهجري بالقول: “لا ندعمه شخصيا، نحن مع أي شخص يجلب الأمن والاستقرار للطائفة الدرزية”.

ولم يتسنَّ الحصول على تعليق إسرائيلي مباشر بشأن هذه الرواية.

ويمثل الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا عاملا إضافيا في الحسابات الأردنية، خصوصا مع مخاوف عمّان من تأثير أي تصعيد على أمن حدودها وحركة التجارة والموارد المائية المشتركة.

وفي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر، حذر الملك عبد الله الثاني من “حقائق جديدة يتم فرضها على الأرض، منها ما يمس مصادر مائية حيوية”، مؤكدا أن “أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي”.

تحديات التعاون مع دمشق

تتزامن الأزمة مع جهود الرئيس السوري أحمد الشرع لإعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية بعد سنوات من الحرب، ودمج تشكيلات مسلحة تختلف في خلفياتها وولاءاتها.

ويعتقد دبلوماسيون غربيون وعرب مطلعون على الملف السوري أن مؤسسات الأمن والاستخبارات لا تزال تواجه تحديات تتعلق بالقيادة والسيطرة بعد إعادة تشكيلها في أعقاب سقوط الأسد.

كما يشيرون إلى مخاوف من استمرار وجود عناصر داخل المؤسسات الجديدة تحتفظ بأفكار متشددة أو تعارض التوجهات الحالية للشرع، الذي كان يقود فصيلا جهاديا قبل وصوله إلى السلطة.

لكن حجم هذه المعارضة وطبيعتها غير واضحين، ولا تتوافر بيانات موثوقة تسمح بتحديد أعداد العناصر المتشددة داخل المؤسسات السورية الجديدة.

وتشير تقديرات أممية إلى استمرار وجود آلاف من عناصر داعش في سوريا، فيما تنشط جماعات متشددة أخرى في مناطق مختلفة من البلاد.

وبالنسبة إلى الأردن، يثير هذا الواقع تساؤلات بشأن قدرة دمشق على الوفاء بالتزاماتها الأمنية، حتى في ظل وجود رغبة سياسية متبادلة في التعاون.

ويقول محلل مقرب من الأوساط الرسمية الأردنية إن هناك شعورا لدى بعض المسؤولين في عمّان بأن المبادرات الأمنية الأردنية لم تقابل دائما بالقدر نفسه من الاستجابة السورية.

ومع ذلك، يرى مسؤولون أردنيون أن الصعوبات التي تواجه حكومة الشرع تجعل التعاون معها أكثر أهمية، لا أقل.