في المناطق الصحراوية على الحدود المصرية السودانية، لم يعد البحث عن الذهب مجرد عمل شاق يمارسه أفراد عاديون، بل أصبح نشاطا تتداخل فيه مصالح المنقبين وشبكات التجارة والتهريب، وسط اتهامات بوجود مجموعات مسلحة.
وفي مصر، أعلن الجيش بدء المرحلة الرابعة من عملية “درع الجنوب”، لمواجهة التنقيب غير المشروع عن الذهب في الصحراء الشرقية.
وقال المتحدث العسكري، العقيد أحمد عتمان علي، إن المراحل الثلاث السابقة، التي نفذت بين 14 يونيو و29 أكتوبر الماضيين، أسفرت عن رصد 52 تجمعا وصفها بأنها لـ “عناصر إجرامية مسلحة”، وإلقاء القبض على 691 شخصا، بينهم 151 مصريا و540 أجنبيا. وأضاف أن 6614 شخصا سلموا أنفسهم قبل بدء العمليات، إلى جانب ضبط أسلحة وذخائر ومعدات ومركبات.
وتقول السلطات المصرية إن الحملة تستهدف حماية مناطق التعدين وقطع إمدادات السلاح والذخيرة عن الشبكات التي تنشط فيها.
لكن ما يحدث على الجانب الآخر من الحدود لا يمكن فصله عن اقتصاد الحرب في السودان، حيث بات الذهب أحد الموارد التي تعتمد عليها البلاد، في وقت تراجعت فيه قدرة المؤسسات الحكومية على تنظيم الإنتاج والتجارة.
الذهب.. اقتصاد الحرب
يطلق اسم “الدهابة” على المنقبين عن الذهب، سواء عملوا أفرادا أو ضمن مجموعات. وفي السودان، توسع هذا النشاط مع الحرب التي اندلعت في أبريل 2023، بعدما دفعت المعارك وتدهور الأوضاع المعيشية أعدادا كبيرة من السكان إلى مغادرة مناطقهم والبحث عن عمل في مناطق التعدين، خصوصا في الولايات الشمالية والشرقية.
وتشير تقارير سودانية إلى أن التعدين الأهلي يمثل نحو 80 في المئة من إنتاج الذهب في السودان، وأن ملايين الأشخاص يعتمدون عليه بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ومع تعطل قطاعات اقتصادية أخرى، أصبح التنقيب ملاذا لعمال فقدوا مصادر دخلهم، لكنه يجري في مناطق واسعة يصعب على السلطات مراقبتها.
ولا تقتصر أهمية الذهب على توفير فرص العمل. فقد أظهر تقرير بحثي صادر عن تشاتام هاوس كيف أصبح القطاع جزءا من اقتصاد الحرب، مع سيطرة أطراف مسلحة على مناطق إنتاج وتهريب المعدن واستخدام عائداته في تمويل أنشطة عسكرية. وقدر التقرير أن التعدين الأهلي شكل 83 في المئة من الإنتاج السوداني المعلن عام 2024.
ويقول الكاتب والباحث السوداني عمار العركي لـ “الحرة” إن الحرب وتراجع سلطة الدولة أسهما في انتشار مجموعات مسلحة ومعدّنين في مناطق التعدين.
وأضاف أن بعض المجموعات، التي فقدت مصادر دخلها أو تفككت بعد تعثر دفع مستحقاتها، اتجهت إلى هذه المناطق، حيث ظهرت عمليات نهب والاستيلاء على الذهب بالقوة.
ويرى العركي أن المشكلة لا تتعلق فقط بمن ينقب عن الذهب، بل أيضا بالجهات التي تشتريه وتنقله، وبالمسارات التي يسلكها قبل وصوله إلى الأسواق. فكلما اتسعت التجارة خارج القنوات الرسمية، أصبح تحديد المستفيدين من عائدات التعدين أكثر صعوبة.
الباحثون عن الذهب
يقول اللواء سمير فرج، المدير السابق للشؤون المعنوية بالجيش المصري، لـ “الحرة”، إن التنقيب بدأ بأفراد من القبائل المحلية، قبل أن يتحول مع ارتفاع عائداته إلى نشاط أكثر تنظيما، تستخدم فيه مجموعات مولدات كهرباء وسيارات وأسلحة.
ويضيف أن بعض هذه المجموعات أصبحت تعمل ضد السلطات، ودخل في نطاق أنشطتها الهجرة غير الشرعية والإرهاب والمخدرات، وهو ما دفع الحكومة المصرية إلى التحرك للقضاء عليها.
ومن الجانب السوداني، يقول العركي إن مناطق التعدين الحدودية أصبحت أكثر عرضة لنشاط مجموعات مسلحة وعناصر وافدة من دول مجاورة، في ظل ضعف الرقابة واتساع رقعة الحرب.
ولفت إلى أن هذه المناجم تقع في منطقة حدودية حساسة بين البلدين، تمثل ملتقى للحدود السودانية والليبية والمصرية، مؤكدا أن هذا الطريق يمثل أهمية كبيرة للأمن القومي للدول الثلاث.
لكن تحديد الجهات التي تسيطر على مواقع بعينها، أو التي تحصل على عائدات الذهب، لا يزال يحتاج إلى أدلة مستقلة ومعلومات ميدانية أكثر تفصيلا.
وتكمن صعوبة المسألة في أن العاملين في هذه المناطق ليسوا فئة واحدة. فهناك منقبون يبحثون عن مورد للعيش، وآخرون يعملون ضمن مجموعات منظمة، وشبكات قد تستفيد من التهريب أو من غياب الرقابة. والتعامل مع الجميع باعتبارهم تهديدا أمنيا واحدا قد يحجب الفروق بين النشاط الأهلي وشبكات الجريمة المنظمة.
وكتب المحامي السوداني أمجد فريد أن مقتل منقبين سودانيين يعكس تداخل ضعف الرقابة الحكومية مع الظروف المعيشية التي تدفع السكان إلى العمل في مناطق خطرة. ودعا إلى كشف ملابسات الحادث، محذرا من استغلاله لتأجيج التوتر بين المصريين والسودانيين.
ويرى العركي أن احتواء المشكلة يتطلب تنسيقا مباشرا بين القاهرة والخرطوم، وتحديد مناطق التنقيب المسموح بها، وتنظيم شراء الذهب وتداوله، مع التمييز بين المنقبين الباحثين عن الرزق وشبكات الجريمة المنظمة. فالذهب الذي يوفر دخلا لآلاف الأسر بات يتحرك في منطقة تتراجع فيها سلطة الدولة وتتعدد الجهات الساعية إلى الاستفادة منه.
غارات تشعل الخلاف
ظهر هذا التعقيد بوضوح في أكتوبر، عندما أثارت غارات جوية استهدفت مواقع للتنقيب عن الذهب قرب الحدود المصرية السودانية موجة من الغضب والاتهامات. وقالت مجموعة “محامو الطوارئ” السودانية إن ضربة جوية في 10 أكتوبر أوقعت عشرات القتلى، واتهمت الجيش المصري بتنفيذها. لكن المسؤولية عن الهجوم لم تحسم بصورة مستقلة، وتباينت تقديرات الضحايا بين المصادر.
وأمر رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق، وقال إن اتصالات جرت مع القيادات المصرية لكشف ملابسات الحادث وحماية الحدود. وجاء ذلك بعد واقعة سابقة في يونيو أثارت بدورها اتهامات باستهداف منقبين سودانيين.
وتقول القاهرة إن عملياتها تستهدف أنشطة التنقيب غير المشروع وشبكات تهريب السلاح داخل الأراضي المصرية. وأشار المتحدث العسكري إلى أن القوات وجهت تحذيرات مسبقة للأشخاص الموجودين في المناطق المستهدفة، ومنحتهم فرصة تسليم أنفسهم.
وتناولت منصة صحيح مصر مقاطع فيديو متداولة عن العمليات، وقارنت مواقعها بصور الأقمار الصناعية، وخلصت إلى أن المواقع التي فحصتها تقع داخل الأراضي المصرية. غير أن هذا التحليل لا يحسم وحده جميع ملابسات الغارات أو مواقع كل الضربات التي أُبلغ عنها، في ظل استمرار الخلاف بشأن بعض المواقع الحدودية.