الأمر مربك جدا. ماذا تقول لصديق مُسح بيته عن الخريطة حرفيا؟ كيف تعزيه؟ أن تصلك منه صورة من أقمار صناعية لبيته في جنوب لبنان، الذي أمضى سنوات طوال يبنيه حجرا على حجر، وقد تحول الى بقعة من رماد. ماذا تقول؟
المسألة ليست مألوفة. تموت البيوت وتمحى بالقصف، أو بالهدم المنهجي، ولا يستطيع أصحابها فعل أي شيء. معظمهم عالقون بين فكّي كماشة المتحاربين، الجيش الإسرائيلي من جهة، و”حزب الله” من جهة ثانية.
كثيرون في لبنان باتوا يدفعون كل بضعة أيام ثمن مبالغ للحصول على صورة بالأقمار الصناعية لبلداتهم. للاطمئنان فقط على منازلهم. يقومون بتنزيل هذه الصور من مواقع تعتمد على أقمار صناعية أوروبية، تبث صورا مباشرة لجنوب لبنان.
على “غوغل إرث” الصور غير محدّثة. بعضها يعود لشهور إلى الوراء. هناك قرى دمّرت بكاملها، ولا تزال صورها على “غوغل” تُظهر المنازل وكأن شيئا لم يمسسها. كثيرون يتمنّون لو أن الزمن يبقى عالقا بلا تحديث قبل وقوع الحرب والدمار.
الصديق الذي أرسل لي صورة بيته الممحو، أمضى سنوات في بنائه ولم يسكنه قط. رافقته مرارا في زيارات للاطلاع على سير العمل في موقع البيت. لطالما كان يقول إنه يشعر بأنه يربّي البيت كطفل صغير، ويراه يكبر، يحبو من قطعة أرض إلى أساسات إلى أعمدة فسقف فجدران. بيته كبُر أمامه وبَلغ، صار المشروع أكثر جدية وعلى وشك أن يكتمل.
شاركتُ هذا الصديق مراحل بناء بيته، وشاركني مراحل بناء بيتي على مدى سنوات، بلحظات النموّ البطيئة لكن الممتعة. كنا في كل نهاية أسبوع نلقي نظرة على ما أُنجز، وكيف كانت بيوتنا تكتمل شيئا فشيئا بالتقسيط المريح.
أمثالنا ممن لا يملكون الكاش ولا الأموال التي تمكننا من البناء دفعة واحدة، نقسّط أحلامنا على دفعات. كنا نحن الذين لم نضع أموالا في المصارف اللبنانية، نشعر بأننا محظوظون لأننا لم نخسر تلك الأموال في الأزمة الاقتصادية حينما استولت المصارف على أموال المودعين. ظننا أننا بوضع مدخراتنا في مشاريع البيوت في جنوب لبنان، ننجو من مصير غيرنا. من نجوا من المصارف، أكلت الحرب جنى أعمارهم.
انا أجد نفسي محظوظا لأنني بعد إكمال بناء البيت على مدى سنوات، زادت عن عشر، تمكنت أخيرا من السكن فيه لسنوات قليلة قبل أن أهاجر إلى أميركا.
صديقي الذي مات بيته بغارة إسرائيلية، لم يكن قد سكنه بعد. كان ينتظر الانتهاء من التفاصيل، اي “التشطيب” بلغة البنّائين. كنا نزور بيته على كتف الوادي في بلدة زوطر التي يمر نهر الليطاني في واديها عند غياب الشمس، نلقي نظرة سريعة، نطمئن إلى أكياس الأسمنت وقضبان الحديد والقساطل في الورشة، ثم نكمل إلى بلدتي شقرا القريبة من الحدود، إلى بيتي نصف المكتمل، فننام فيه، ونشرف في اليوم التالي على ما تبقى من أعمال في الخارج.
لا يعرف صديقي، ومثله كثر، أين يفجرّون غضبهم. على إسرائيل التي دمّرت بيوتهم، أم على “حزب الله” الذي يستخدمها للقتال في معركة غير متكافئة؟ قبل أيام انتشر عبر “واتساب” تسجيل صوتي لرجل جنوبي غاضب، يقول: “في أي دين وأي شرع يُسمح لأحد بخلع باب بيت والدخول والاحتماء فيه وتعريضه للقصف من الطائرات الإسرائيلية؟”.
بعض التدمير في الجنوب وخصوصا في المنطقة الصفراء العازلة منهجي وشامل، لا يميز بين بيت ولا آخر، ولا تشفع المواقف السياسية لكثيرين من معارضي الحزب في تجنيب بيوتهم النسف. نسفت إسرائيل مثلا بيت الباحث والمؤرخ اللبناني أحمد بيضون، وهو من الأصوات الشيعية المعارضة للحزب والمعارضة للحرب. خسر من ضمن ما خسره في البيت، مكتبته الكبيرة. كتب على فيسبوك: “ذهبت مكتبتنا فيما ذهب، وأدرجناها مع موقعها الفريد من النفس، بين أقلّ ما ذهب وأهونه. ضاع فيها ما يداني عدده النصف من كتبي… وضاع أيضا ما يداني النصف من أوراقي وملفاتي، من محفوظاتي على اختلافها”. لا مال يمكن أن يعوّض هذه الخسارة الفادحة.
صديقي، الذي بدوره يبتعد عن السياسة قدر المستطاع، ويهتم بشؤونه الخاص، لم يكن يريد من الدنيا إلا الهدوء والراحة وإكمال بناء بيته ليكون ملاذا. هو لا يبرئ “حزب الله” من “دم” بيته. يقول إنهم يستخدمون البيوت لإطلاق الصواريخ والمسيرات، وأن بيوتا إلى جانب بيته لم تدمّر بعد.
مرة قال لي خالي إن بناء بيت لأمثالنا يشبه القمار. كان يقصد أن البيت سيجعلك تدفع فيه كل ما تجنيه دفعة واحدة، ولن يكتمل أبدا. سيظل هناك أشياء تريد أن تطورها وتحسّنها في البيت.
إنه قمار حقا، بناء بيوت في تلك البقعة من العالم، حيث الصراع مستمر منذ عقود على الأرض وعلى الدين والدنيا والآخرة، بسرديات غيبية، وبأجندات أيديولوجية متطرفة.
كلفة الحصول على ملف صورة مباشرة بالأقمار الصناعية حوالي خمسين دولارا. يدفع كثير من الجنوبيين هذا المبلغ كل أسبوع تقريبا للتأكد من أن بيوتهم لا تزال في مكانها. فعلتُ ذلك مرارا للاطمئنان على بيتي وبيت أهلي في القرية. قبل أسبوع كان لا يزال البيت هناك. لا أجرؤ دائما على التحقق من الصور. أخشى أن أفتح الملف، تماما كما حدث مع صديقي وغيره آلاف، وأجد بيتي بقعة رماد.
لم أعرف ماذا أقول لصديقي عندما وقفتُ وكأنني تعرضتُ لصفعة وأنا أرى البقعة الرمادية على الخريطة.
ماذا نقول في عزاء البيوت؟

رامي الأمين
كاتب ومراسل لبناني، يغطي قضايا الشرق الأوسط، ويعدّ ويقدم فقرة "حامض حلو" النقدية الساخرة. حائز درجة ماجستير في العلاقات الإسلامية والمسيحية من كلية العلوم الدينية في جامعة القديس يوسف في بيروت. من بين اصداراته كتيّب سياسيّ عن "حزب الله"، بعنوان "يا علي لم نعد أهل الجنوب"، وكتاب بعنوان "الباكيتان"، يتناول سيرة تمثال "الشهداء" في بيروت.


