كان الوقت ينفد بالنسبة لدنيا لحاف وطفليها المراهقين. فقد فرّوا من أعمال العنف في لبنان عام 2024، ووصلوا إلى الولايات المتحدة بموجب برنامج وضع الحماية المؤقتة (TPS)، الذي يُمنح لمواطني الدول التي تعاني نزاعات مسلحة أو كوارث بيئية. لكن إدارة الرئيس دونالد ترامب اتخذت خطوات لتقليص البرنامج بشكل كبير، وكان من المقرر أن يفقد اللبنانيون في الولايات المتحدة وضع الحماية المؤقتة في مايو الماضي.
كانت دنيا وطفلاها قد صعدوا بالفعل إلى الطائرة في مطار جون إف. كينيدي، والمتجهة إلى بيروت، عندما وصلها خبر غير متوقع منحها أملاً جديداً. فقد أعلنت دائرة خدمات الجنسية والهجرة الأميركية (USCIS) تمديد وضع الحماية المؤقتة للبنان تلقائياً لمدة ستة أشهر.

دنيا لحاف وطفلاها بعد صعودهم إلى الرحلة المتجهة إلى لبنان في مايو.
وسرعان ما غادروا الطائرة.
وقالت لحاف: “كانت لحظة مؤثرة للغاية بالنسبة لي، لأنني وجدت نفسي مضطرة إلى اتخاذ قرار سيغيّر حياتي خلال دقائق معدودة. لكن بصفتي أماً، شعرت أن لدي فرصة أخيرة لحماية سلامة أطفالي.”
وأكدت أنها كانت تنوي دائماً العودة إلى منزلها في جنوب لبنان عندما يصبح الوضع آمناً. لكنها أوضحت أن آراءها السياسية ودينها وأسلوب حياتها لا تتوافق مع توجهات حزب الله، الجماعة الشيعية المسلحة والحزب السياسي الذي يتمتع بنفوذ واسع في جنوب لبنان، والذي تخوض إسرائيل حرباً للقضاء عليه، فيما تعهدت الحكومة اللبنانية بالحد من نفوذه.
ويبقى العنف حاضراً في حياتها. فبعد ثلاثة أيام فقط من نزولها من الطائرة، قُتل ابن شقيقتها، البالغ من العمر 16 عاماً، في جنوب لبنان.
وأضافت: “الأمر مرهق ومؤلم للغاية، لأنني أفكر بعائلتي الموجودة هناك طوال الوقت.”
وقالت دائرة خدمات الجنسية والهجرة الأميركية إن التطورات المتسارعة في لبنان حالت دون إجراء مراجعة شاملة للأوضاع في البلاد، ولذلك مددت وضع الحماية المؤقتة للبنانيين حتى 27 تشرين الأول/ نوفمبر.
وفي الشهر الماضي، قضت المحكمة العليا الأميركية بأن المحاكم لا تملك صلاحية التدخل في قرار الحكومة إلغاء وضع الحماية المؤقتة لنحو 50 ألف هايتي، ونحو ستة آلاف سوري. وبذلك، انتهى البرنامج فعلياً لمواطني 13 دولة من أصل 17 كانت قد مُنحت هذا الوضع في الأصل.
أما مواطنو السلفادور والسودان وأوكرانيا، إلى جانب اللبنانيين، فقد حصلوا على مهلة حتى الخريف، لكنهم قد يواجهون المصير نفسه لاحقاً.
ويُقدَّر عدد اللبنانيين الموجودين حالياً في الولايات المتحدة والمؤهلين للاستفادة من برنامج وضع الحماية المؤقتة بنحو 11 ألف شخص. ويتيح البرنامج لمواطني الدول المشمولة به الإقامة والعمل بصورة قانونية في الولايات المتحدة بشكل مؤقت عندما تجعل الظروف في بلدانهم العودة غير آمنة.
وكما أشارت دائرة خدمات الجنسية والهجرة الأميركية في قرارها الصادر في مايو، لا يزال جنوب لبنان يشهد اضطرابات واسعة.
ففي الثاني من مارس، أطلق حزب الله صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه إسرائيل، رداً على الضربات الأميركية الإسرائيلية التي أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، ما أدى إلى تصعيد الاضطرابات الإقليمية الناجمة عن الحرب مع إيران. وكانت تلك المرة الأولى التي يطلق فيها الحزب النار على إسرائيل منذ وقف إطلاق النار الذي رعته الولايات المتحدة في نوفمبر 2024.
وتواصل التوتر عبر الحدود منذ ذلك الحين، فيما ردت إسرائيل بشن غارات جوية في أنحاء لبنان، خصوصاً على معاقل حزب الله.
وفي 24 مارس، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي أن إسرائيل ستحتل أجزاء واسعة من جنوب لبنان.
ووفقاً لوزارة الصحة اللبنانية، أسفرت الضربات الإسرائيلية منذ الثاني من مارس 2026 عن 2,759 قتيلاً و8,512 جريحاً، فيما نزح نحو مليون شخص، أي ما يعادل خمس سكان البلاد.
ويستضيف لبنان منذ سنوات نحو 1.5 مليون لاجئ سوري نزحوا بسبب الحرب المستمرة منذ 14 عاماً في سوريا المجاورة.
ويلقي بعض السياسيين باللوم على هؤلاء اللاجئين في تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، معتبرين أنهم يشكلون عبئاً على موارد البلاد واقتصادها. ورغم أن سقوط نظام بشار الأسد أعاد إحياء الآمال بعودة كثير منهم، فإن الاقتصاد السوري لا يزال هشاً.
وفي المقابل، وسّع الجيش اللبناني انتشاره جنوب نهر الليطاني، وبدأ تنفيذ خطة حكومية لنزع سلاح حزب الله، إلا أن التقدم في هذا المسار لا يزال محدوداً ويواجه حساسيات سياسية كبيرة.
ولا يشكل وضع الحماية المؤقتة طريقاً للحصول على الإقامة الدائمة أو الجنسية الأميركية، إلا أن المستفيدين منه يستطيعون التقدم بطلبات للحصول على مزايا هجرة أخرى أثناء تمتعهم بهذا الوضع.
وقالت لحاف إنها، رغم حصولها على وضع الحماية المؤقتة، ما زالت تنتظر تصريح العمل منذ فبراير 2025.
وأضافت: “لم أرد البقاء في الولايات المتحدة بصورة غير قانونية. كان عليّ أن أحترم القانون وأفعل ما هو صحيح لعائلتي.” وأوضحت أن هذا هو السبب الذي دفعها، على مضض، إلى ركوب تلك الطائرة في أواخر مايو.
ورغم التمديد، لا يزال احتمال اضطرارها وأسرتها إلى العودة إلى لبنان قبل نهاية العام قائماً.
وتنص مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، التي أُعلن عنها في 17 يونيو، على إنهاء العمليات العسكرية وضمان وحدة الأراضي اللبنانية وسيادتها. كما يفترض أن تؤكد الاتفاقية النهائية إنهاء الحرب بصورة دائمة على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان.
وقال ستيفن ييل-لوهر، أستاذ قانون الهجرة في كلية الحقوق بجامعة كورنيل: “قد يشكل الاتفاق عاملاً من العوامل التي تؤخذ في الاعتبار عند تقرير ما إذا كان سيتم تمديد وضع الحماية المؤقتة للبنان، لكن هناك أيضاً عوامل إنسانية وسياسية عديدة تدخل في قرار تمديد أو إنهاء هذا الوضع لأي دولة.”
من جانبه، قال بول شيا، المسؤول السابق في الاستخبارات والمحاضر في جامعة جورج واشنطن، إن تداعيات الاتفاق على لبنان وآلية تنفيذه لا تزال غير واضحة، وكذلك ما إذا كانت إسرائيل ستواصل إجراءاتها الأمنية داخل لبنان أو ستسمح للجيش اللبناني ببسط سيطرته على المناطق الحدودية.
وأضاف أن قدرة الجيش اللبناني على نزع سلاح حزب الله ستكون عاملاً رئيسياً في تحديد الأوضاع الإنسانية على الأرض.
وأشار إلى أنه، رغم أن حزب الله يتبنى علناً أهداف الحرس الثوري الإيراني، فإنه يمثل أيضاً شريحة واسعة من الطائفة الشيعية في لبنان، التي لطالما شعرت بالتهميش من قبل الدولة اللبنانية.
أما بالنسبة إلى لحاف، فإن وقف إطلاق النار الهش لا يمثل ضمانة كافية للسلامة. وقالت: “آمل أن يتم تمديد وضع الحماية المؤقتة إذا ظل الوضع في لبنان خطيراً كما هو الآن.”
وإذا لم يحدث ذلك، فإن اللبنانيين في الولايات المتحدة سيعودون إلى بلد يواجه أزمات تتجاوز بكثير قضية حزب الله.
فقد شهد لبنان انهياراً اقتصادياً حاداً عام 2019، ثم انفجار مرفأ بيروت عام 2020، أحد أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ. وتفاقمت هذه الأوضاع مع جائحة كوفيد-19، ثم دخلت البلاد في فراغ رئاسي استمر عامين، قبل أن تواجه لاحقاً الوجود العسكري الإسرائيلي في أجزاء من أراضيها.
ويعتمد الاقتصاد اللبناني بدرجة كبيرة على قطاع السياحة، الذي يمثل 10.3%من الناتج المحلي الإجمالي، وكذلك على تحويلات اللبنانيين العاملين في دول مجلس التعاون الخليجي، التي تشكل 33.3% من الناتج المحلي. إلا أن هذه التحويلات والسياحة تأثرتا بعدما أصبحت دول الخليج نفسها أهدافاً خلال الحرب.
وقال شيا: “الاقتصاد يتحسن، لكنه يتحسن رغم كل ما يحدث تقريباً. هل يستطيع لبنان استيعاب مزيد من السكان؟ نعم، لكن الوضع لا يزال بالغ الصعوبة. ومن زاوية أخرى، شهد لبنان هجرة كبيرة للكفاءات، وهو بحاجة ماسة إلى عودة كثير من هؤلاء. أعتقد أن لبنان قادر على تحقيق الكثير، خصوصاً عندما ينعم بالاستقرار.”
وفي نهاية المطاف، ستظل الأوضاع الإنسانية في لبنان مرتبطة إلى حد كبير بكيفية تعامل إيران مع جيرانها، وبالطريقة التي تستخدم بها حزب الله ضمن هذه العلاقة.
وتختتم لحاف بالقول: “لا نريد أن نبقى هنا، في الولايات المتحدة، إلى الأبد. نريد العودة إلى عائلاتنا، وإلى منازلنا، وإلى حياتنا. لذلك نأمل أن يأتي يوم يعم فيه السلام والاستقرار والأمان.”