افترش مشجعون نرويجيون ساحة “تايمز سكوير” في نيويورك مرددين صيحات “الفايكنغ” الشهيرة قبيل انطلاق مباراة منتخبهم الوطني في بطولة كأس العالم لكرة القدم التي تستضيفها أمريكا مع المكسيك وكندا.
كان المشجعون في نيويورك مغمورون بمشاعر المرح قبل انطلاق مباراة منتخب بلادهم في ملعب ميتلايف الكبير في ولاية نيوجيرزي المجاورة لنيويورك.
هذا الملعب و10 ملاعب أخرى استضافت عشرات الفرق في المونديال، كانت في البداية مثار انتقادات شديدة للولايات المتحدة، بعدما تخللها من مشاكل لوجستية وقيود أمنية وأخرى تتعلق بأسعار التذاكر وجودة الملاعب.
لكن الأجواء الاحتفالية في مدن الولايات المتحدة طغت على كل شيء مع مرور الوقت واحتشد المشجعون عبر الأراضي الأميركية لمشاهدة فرقهم، وشوهد الألمان وهم يكتشفون مطاعم “وافل هاوس” لأول مرة، وآخرون اسكتلنديون وهم يتجرعون كميات كبيرة من البيرة في بوسطن.
النرويج تغزو تكساس
“النرويج تغزو تكساس. كأس العالم كان رائعا” يقول واحد من آلاف المشجعين الذي قصدوا ولاية تكساس الجنوبية.
في مشهد آخر، يقول مشجع مازحا: “أنا هنا لأنه هناك أشياء مشتركة بين الفايكنغ وتكساس”.. ربما يقصد التناقض بين الأجواء الحارة في تكساس والباردة في بلاده.
وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، أطلق مشجعون حملة بعنوان “نحن مدينون بالاعتذار لأميركا” بعد الترحاب الذي لاقوه على عكس ما توقعوا.
مشجع بريطاني يدعى أوليفر، ظهر في مقطع خلال مباراة إنكلترا وكرواتيا ليقول إن الولايات المتحدة لديها “ملاعب أفضل بكثير من ملاعبنا”.
فيكتور ماثيسون، أستاذ الاقتصاد والمحاسبة في كلية هولي كروس، يدرك حجم المشكلات التي أثيرت في البداية ويقول إنه “بمجرد انطلاق المباريات كانت الأمور تسير بشكل جيد.. وقضى الحاضرون أوقاتاً ممتعة للغاية” وها هي وسائل التواصل الاجتماعي “تضج بمشجعين من مختلف البلدان يعبرون عن سعادتهم بالأجواء” وفق تصريحاته للحرة.
وبالنسبة لليزا نيروتي، وهي أستاذة مشاركة في إدارة الرياضة بكلية الأعمال في جامعة جورج واشنطن، وحضرت 23 دورة ألعاب أولمبية و7 بطولات كأس عالم، فوسائل الإعلام “مالت إلى تضخيم المشكلات، لكن مع انطلاق المنافسات تغيرت طبيعة القصص المنشورة”.
11 مدينة أميركية تستقبل العالم
قبل انطلاق الحدث الكروي في الـ11 من يونيو، تحدث ناشطون على مواقع التواصل عن شعورهم بوجود “تجاهل” شعبي ورسمي لبطولة بها الحجم رادين ذلك إلى “غياب الاهتمام الجماهيري بكرة القدم ” التي يعرفها العالم وليس كرة القدم الأميركية.
ومع ذلك ، أطلق البيت الأبيض رسالة ترحاب وضعها على صدر صفحة أنشأها خصيصا لهذه البطولة : “11 مدينة أميركية عبر 11 ملعبا. هذه المدن لا تستعد فقط لاستضافة المباريات بل تستعد لاستقبال العالم”.
لكن بالنسبة لماثيسون فإن ادعاء غياب الاهتمام بالبطولة “غير صحيح” على الإطلاق ففي الولايات المتحدة “أحد أكثر دوريات الكرة استقطابا للجماهير على مستوى العالم ولدينا ثقافة متنوعة تجمع بين الجذور المحلية وتلك المهاجرة التي جلبت معها الشغف بكرة القدم”.
هؤلاء المشجعون المحليون فقط يستطيعون أن يملأوا مساحات المدرجات المخصصة للفرق الـ48 المشاركة.
يقول: “لا توجد دولة أخرى في العالم لديها هذا المزيج المحلي من المشجعين المنتمين لشتى الثقافات العالمية “.
ويعتقد ماثيسون، الذي يعيش قرب بوسطن، أن عدد مشجعي الرأس الأخضر ممن يعيشون فقط في المنطقة الجنوبية لتكساس ربما يوازي عددهم في الوطن الأم.
ولا يتجاوز عدد سكان الرأس الأخضر النصف مليون نسمة، وهي تتأهل لأول مرة في تاريخها إلى المونديال العالمي.

تدرك نيروتي أيضا أن اهتمام الجماهير، وفعاليات المشجعين، ونسب المشاهدة العالية “كانت أمراً استثنائياً فاق كل التوقعات وساهم أيضاً في نجاح البطولة”.
ومع انطلاق البطولة، ظهرت أيضا شكوك في جودة الملاعب التي خصص بعضها في الأساس لمباريات كرة القدم الأميركية، وصعوبة الوصول إليها ، وارتفاع درجات حرارة الصيف وظهور “وهج الشمس” في أرضية ملعب مثل دالاس ما اضطر أدارته لإجراء تعديلات لإصلاح المشكلة.
وملعب ميتلايف في نيوجيرزي، الذي شهد مباراة الافتتاح ومن المقرر أن يشهد أيضا المباراة الختامية، تعرض لانتقادات بسبب أرضية الملعب “الصلبة” وصعوبة الوصول إليه من مدينة نيويورك .
التحدي ذاته أيضا واجه ملعب دالاس في تكساس الذي تطلب مسافات طويلة من السفر للوصول إليه.
والمشكلة في الولايات المتحدة، مقارنة بأوروبا على سبيل المثال، وفق ماثيسون، تكمن في أن العديد من الملاعب الكبرى لا تقع في مراكز المدن أو في مواقع يسهل الوصول إليها، وتفتقر إلى خدمات نقل عام فعالة، ولذا يضطر المشجعون إلى الاعتماد على سيارتهم الخاصة وهو ما يمثل أيضا تحديا آخر.
لكن في ملاعب أخرى مثل ملعب سان فرانسيسكو ساتر الأمور بشكل سلس نسبيا بسبب توافر شبكة نقل عام جيدة، وفق ماثيسون.
سيادة الدول أولا
من أبرز المشكلات خلال المونديال الأميركي، القيود التي واجهت اللاعبين والفرق المشاركة في الحصول على تأشيرات ودخول البلاد، وكان من أبرز الأمثلة طاقم الفريق الإيراني الذي اضطر إلى التنقل من معسكره في المكسيك لخوض المباريات داخل الأراضي الأميركية ثم العودة إلى المعسكر.
وتنبع هذه الإجراءات من سياسات الهجرة الصارمة للإدارة الحالية التي أدت إلى رفض دخول حكام ولاعبين من دول مشمولة بقرار الحظر.. وكان من أبرزهم الحكم الصومالي، عمر عرتن، الذي تم ترحيله على الحدود بسبب “مخاوف أمنية”.
لكن وفق أرييل رويز، كبير محللي السياسات في معهد سياسات الهجرة في تصريحات للحرة، لم يقتصر الأمر على هذه الدول فحسب، فعلى سبيل المثال، واجه لاعب من المنتخب السويسري أيضاً مشكلة في الحصول على تأشيرته.
وكانت هناك مخاوف أمنية كبيرة في بداية إقامة المباريات لكنها تبددت بعد ذلك وسارت الأمور بشكل جيد، بحسب رويز.
فريد هاميل، وهو لاعب كرة قدم أميركي سابق، ويقطن قرب سياتل التي استضافت بعض المباريات، قال للحرة إنه رغم التواجد الأمني المكثف في المباريات ومواقع الفعاليات، ووجود احتجاجات ضد سياسات الهجرة، “إلا أن الطاقة الإيجابية المرتبطة بكرة القدم طغت على الشعور بالمراقبة والتحكم.”

ولمس اللاعب السابق في رابطة كرة القدم لشمال أميركا تقديرا من الحاضرين لضرورة وجود هذه الإجراءات التي لم تقف عائقا أمام سير المباريات.
ويدرك ماثيسون أهمية ” اتخاذ إجراءات أمنية صارمة”، لكن كان من الأفضل التحقق من الخلفيات الأمنية للمشاركين قبل فترة زمنية من انطلاق الحدث للخروج بأفضل صورة ممكنة، وهو ما كان يجب أن ينطبق على الحكم الصومالي بمعالجة ملفه قبل ذلك بوقت كاف.
ومُنع الحكم من دخول الولايات المتحدة بعدما رأت وزارة الأمن الداخلي ووزارة الخارجية أن دخوله يمثل تهديداً أمنياً، وذلك استناداً إلى اتصالات قالت السلطات إنه أجراها مع جهات مشبوهة قبل قدومه إلى الولايات المتحدة.
ومع ذلك، كانت تلك كانت حوادث فردية، فالغالبية العظمى من الأفراد، وعلى الأقل اللاعبين والمدربين والطواقم الفنية تمكنوا بالفعل من الوصول والمشاركة، يقول ماثيسون.
يعتقد رويز أنه ربما ما جعل كأس العالم مختلفة هذه المرة هو السياق السياسي والجيوسياسي المرتبط بالتوترات مع إيران وزيادة عدد الفرق المشاركة وهو ما زاد من تعقيد الأمور بالنسبة للاعبين الذين يحتاجون إلى الراحة بعد المبارايات.
لكن بطولات كأس العالم السابقة، في قطر وروسيا وأماكن أخرى، شهدت قيوداً أيضا على السفر لكن بصرف النظر عما تريد الفيفا فعله” تظل للدول سيادتها الكاملة في تقرير من يمكنه دخول أراضيها” يقول رويز.
تذاكر تناسب السوق الأميركي
أهم الانتقادات التي صاحبت البطولة كانت تتعلق بأسعار تذاكر حضور المباريات التي أثارت شكوكا حول قدرة المشجعين على حضور المباريات، ومع ذلك كانت الملاعب ممتلئة عن آخرها.
وفي مواجهة الانتقادات التي تتعلق بالتنظيم وجدول أسعار التذكار التي وصلت إلى عشرات الآلاف من الدولارات في بعض الأحيان، اعتبر رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، أنها تناسب السوق الأميركي، فمتوسط سعر التذكرة كان أقل من 500 دولار “وهو رقم مماثل لأسعار تذاكر الأحداث الرياضية الأميركية في الأدوار النهائية”.
وقال في تصريحات صحفية إنه “لو كانت عرضت بأسعار أقل لكان سيعاد بيعها في السوق السوداء بأسعار أعلى بكثير. وستذهب هذه الأموال إلى منظمي هذه الأسواق وليس إلى كرة القدم”.
لكن رابطة المشجعين الأوروبية “فانس يوروب” رصدت ارتفاع أسعار التذاكر في هذا المونديال بخمسة أضعف ما كانت عليه في قطر عام 2022. وفي إشارة على التكلفة الباهظة، قدرت أنه على سبيل المثال “لو أراد مشجع مشاهدة مباريات فريقه من دوري المجموعات إلى النهاية، سيكلفه ذلك 69 ألف دولار”.
وتواكبت مع أسعار التذاكر أيضا طفرة في أسعار النقل العام وصل إلى زيادة تقارب 700 في المئة في نيويورك وبوسطن.
ومثلا، قفز سعر تذكرة ركوب القطار من نيويورك إلى ملعب ميتلايف في نيوجيرزي المجاورة من 13 دولارا إلى 98 دولارا، وفي بوسطن من 20 دولارا إلى 80 دولارا.
ويحدد الفيفا أسعار تذاكر المباريات لكن المواقع السياحية والخدمية المحلية في المدن رفعت أيضا من أسعار خدماتها.
ولا يتشارك الفيفا عائدات هذه الأموال مع المنظمين المحليين، “ما دفعهم إلى البحث عن فرص أخرى لزيادة الدخل، مثل زيادة أسعار النقل” وفق ماثيسون.
مدرجات ممتلئة
ورغم ارتفاع التكلفة مع متوسط سعر للتذكرة يبلغ 400 دولار ، “امتلأت المدرجات” بالجماهير، أي أن هناك من يستطيع تحمل هذه التكلفة.
ويقول ماثيسون: “كانت ستكون هناك مشكلة حقيقة لو بيعت التذاكر بهذه الأسعار المرتفعة، وشاهدنا ملاعب خالية من الجماهير” لكن هذا لم يحدث حتى مع الفرق الصغيرة.
وتؤكد إحصاءات الفيفا التي نشرها على موقعه الرسمي بعد 17 يوما من انطلاق البطولة الحضور اللافت لها.
فهناك نحو 4.6 مليون شخص حضورا المباريات وهو ما تجاوز الرقم القياسي البالغ 3.5 مليون في بطولة عام 1994.
وبلغ متوسط الحضور 64 ألفا في المباراة الواحدة.
وهؤلاء ملأوا 99.7 في المئة من المقاعد المتاحة.

وسجل الفيفا أعلى حضور يومي في تاريخ البطولة في 25 يونيو، بلغ 426,834 متفرجًا.
وخلال 17 يوما، شهدت مباريات كأس العالم أكثر من 80,000 شخص في مباراة واحدة ثماني مرات.
وخلال مرحلة المجموعات، تجمع أكثر من 5.5 مليون مشجع في مهرجانات مشجعي الفيفا في الدول الثلاث المستضيفة، حيث استهلكوا 2 مليون وحدة من المشروبات الغازية والمياه وأكثر من 2 مليون مشروب كحولي.
وأثناء مباراة واحدة هي مباراة اسكتلندا والبرازيل في ميامي، استهلك المشجعون في مهرجان المدينة 32 ألف زجاجة بيرة.
وما يعكس الاهتمام الجماهيري الأميركي بكرة القدم أن مباراة الولايات المتحدة ضد باراغواي الافتتاحية للفريقين في مرحلة المجموعات حققت حوالي 25 مليون مشاهدة.
هاميل، اللاعب لأميركي السابق الذي لديه أكثر من 50 عاما خبرة في مجال كرة القدم، يرى في تصريحاته للحرة أن الصورة النمطية عن الاهتمام الأميركي بكرة القدم “في طريقها للزوال” مع زيادة “هائلة” في الاهتمام بكرة القدم وقدوم نجوم عالميين للمشاركة في الدوري الأميركي.
“لقد تغير الوضع تماما عما كان عليه في حقب السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات” حسب قوله.
نجاح أميركي في المستطيل الأخضر
أندرو جولياني، المدير التنفيذي لفريق عمل اللجنة المنظمة لكأس العالم، الذي كان يخرج في تصريحات شبه يومية للحديث عن أجواء البطولة، قال في تصريحات تلفزيونية بعدما حقق الفريق الأميركي نتائج كبيرة إنه “بعد ما استعدت الحكومات للبطولة، من الجدير بالاهتمام رؤية ما يفعله الأميركيون في الملاعب”.
وقد تمكن المنتخب الأميركي حتى الآن من الوصول إلى دور الـ 16 في البطولة، وسيواجه بلجيكا لمحاولة التأهل إلى ربع النهائي.
وتعتبر نيروتي أن البطولة جاءت “في توقيت مثالي لتوحيد الأميركيين من خلال الرياضة، ولإبراز أفضل ما في أميركا أمام الزوار الدوليين ووسائل الإعلام، مما يعزز الصورة العالمية للبلاد”.
وبالنسبة لرويز فإن بطولات رياضية مثل هذه تكون فرصة للدول المضيفة لاستعراض مدى جاهزيتها وما لديها من مرافق ومنشآت تسهل ما يلزم من إجراءات لوجستية.
وفي حالة الولايات المتحدة تحديداً، كانت البطولة “وسيلة لإبراز المزايا والإسهامات الإيجابية للبلاد”.
ونجاح الولايات المتحدة في تنظيم حدث كهذا “قدم دروساً قيمة لكيفية إدارة الفعاليات المستقبلية في البلاد”.
وكان أيضا بمثابة “اختبار عملي” لكيفية تعامل الولايات المتحدة مع الهجرة، والترحيب بالزوار وتتويج الفائزين، تماما كما يحدث في أي محفل رياضي آخر.
ولم تتفاجأ نيروتي بالمستوى العالي للتنظيم بالنظر إلى الخبرة الأميركية الهائلة في تنظيم مثل هذه الفعاليات مع وجود مرافق رياضية وفنادق عالمية المستوى.
تقول:” تضافرت جهود الجميع لإنجاح البطولة”.