واشنطن العاصمة 08:08 PM

في لعبة القوى الكبرى.. الصين تعزز حضورها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

قوة الصين الاقتصادية، وسياستها الخارجية القائمة على عدم التدخل، ونموها في المجال الصناعي، عوامل تعيد تشكيل المشهد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.    

اقرأ بـ English
· 9 دقيقة قراءة
يستقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الرئيس الصيني شي جين بينغ لدى وصوله إلى مطار القاهرة الدولي في زيارة رسمية إلى مصر، وهي أول زيارة دولة يقوم بها إلى البلاد منذ 10 أعوام، في القاهرة، مصر، 1 سبتمبر 2026. رويترز/محمد عبد الغني/صورة مشتركة

تواصل الصين، بخطى ثابتة، توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، متحدية الهيمنة الأميركية في منطقة طالما عُدت ركيزة أساسية للقوة والنفوذ الأميركيين.   

MBN تنشر اليوم ثمرة جهد بحثي استمر أشهرا لقياس تنامي النفوذ الصيني تحت عنوان “مؤشر النفوذ الأميركي – الصيني” في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في خمسة مسارات: القوة العسكرية، والاقتصاد، والدبلوماسية، والقوة الناعمة، والتكنولوجيا.   

المؤشر وجد أن الصين كانت بين عامي 2020 و2025 أقرب من الولايات المتحدة إلى 12 دولة من أصل 23 دولة تشكل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.   

في مقابل 9 دول خلال فترة السنوات الست نفسها قبل عقد من الزمن.   

عن المؤشر   

يقيس المؤشر النفوذ الأميركي والصيني عبر خمس فئات: القوة العسكرية، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والقوة الناعمة، والدبلوماسية، فيما يحظى الانخراط العسكري والاقتصادي بالوزن الأكبر، تليه التكنولوجيا ثم القوة الناعمة ثم الدبلوماسية.   

كما يحدد المؤشر درجة للانخراط لكل دولة من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يوثق من خلالها أهم مجالات التنافس والنفوذ بين الصين والولايات المتحدة.   

وتحتل الإمارات والسعودية، وهما اثنتان من أكبر ثلاثة اقتصادات في المنطقة، المرتبة الأعلى في الانخراط.   

 اقرأ المزيد بشأن المؤشر 

من ملعب في الجزائر ومدارس في العراق إلى مزارع رياح في السعودية وشبكات الجيل الخامس في مصر، بنت بكين حضوراً تجارياً واسعاً في أنحاء المنطقة بفضل قدراتها الصناعية وخبرتها في البنية التحتية وسياستها الخارجية التي لا تطرح أسئلة.   

وتجاوز إجمالي التجارة بين الصين ودول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 510 مليارات دولار في 2025، أي ما يعادل ضعفين ونصف إجمالي التجارة الأميركية مع المنطقة.   

“في المجالَين الاقتصادي والتكنولوجي، شهدنا توسعا هائلا للنفوذ الصيني في المنطقة”.   

 يقول آرون غلاسرمان، الباحث في معهد ويذرهيد لدراسات شرق آسيا في جامعة كولومبيا. “كثير من دول المنطقة، ولا سيما التي يعتمد اقتصادها تاريخياً على النفط والغاز، كانت الصين هي الشريك الحاسم لتنويع مصادر دخل تلك الدول”.   

لكن رغم تراجع الحضور الاقتصادي للولايات المتحدة، فإنها لا تزال تتمتع بتفوق كبير في القوة العسكرية والعلاقات الأمنية، وإلى حد أقل، في التكنولوجيا المتقدمة.

فلواشنطن اتفاقيات دفاعية مع السعودية وقطر والإمارات والبحرين والأردن والكويت وإسرائيل، يمكنها توظيفها ليس فقط لتحقيق أهدافها الجيوسياسية، بل أيضاً لدعم الشركات الأميركية.

الصورة التي تتكشف، إذن، لا تتمثل في تحرك بكين لإزاحة واشنطن من المنطقة، بقدر ما تتمثل في أن صعود الصين منح الشرق الأوسط وشمال أفريقيا شيئا كان يفتقر إليه إلى حد كبير قبل جيل، ألا وهو الخيارات. ويستفيد العديد من قادة دول المنطقة من هذه الفرصة، فيوطدون علاقاتهم مع القوتين العظميين، ويستخلصون من كل منهما ما يحقق لهم أكبر قدر من المكاسب.   

العراق يجسد التغير الذي طرأ على المشهد الجيوسياسي في المنطقة.   

اجتاحت الولايات المتحدة البلاد عام 2003 وأطاحت بالديكتاتور صدام حسين، ثم عادت لاحقا لمساعدة القوات العراقية في قتال تنظيم داعش الإرهابي.   

وفي الوقت الذي انسحبت فيه الشركات الأميركية إلى حد كبير، وسط سنوات من عدم الاستقرار السياسي، سارعت الشركات الصينية إلى شغل الفراغ.   

غلاسرمان: الصين كانت القوة الدافعة لإعادة إعمار العراق   

وقد رصد “مؤشر النفوذ الأميركي-الصيني” 59 مشروعاً بقيادة صينية أُطلقت في العراق خلال السنوات الست الماضية، من بينها مستشفى في الناصرية ومجمّع سكني في بغداد و23 مشروعاً في مجال النفط والغاز الطبيعي.   

بحسب المؤشر، هذه الروابط الاقتصادية أدت إلى انتقال العراق من الجانب الأميركي إلى الجانب الصيني، فيما شهدت المغرب ومصر تحولا مماثلا.   

إلا أن حالة العراق تؤكد أن النفوذ لا يُقاس بالاقتصاد وحده، فبينما قد تكون الصين الشريك الأبرز اقتصاديا للعراق، لا تزال واشنطن تمتلك نفوذاً كبيراً عبر علاقاتها العسكرية وموقعها المحوري في النظام المالي العالمي.   

فعائدات النفط العراقي، التي يأتي جزء كبير منها من المبيعات إلى الصين عبر بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، تمنح واشنطن أداة ضغط مالية مؤثرة.   

فبعد أن هددت إدارة الرئيس دونالد ترامب بعواقب مالية في حال عودة نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء، سحب الأخير ترشحه.   

كبير الاقتصاديين في مؤسسة RAND والمتخصص في الشأن العراقي هوارد شاتز قال: “عندما يحتاج العراق إلى تلك الدولارات، تستطيع واشنطن حجبها. كما يمكنها تشديد العقوبات على واردات الغاز الإيراني، وإذا حُرم العراق من هذا الغاز فسيواجه صعوبات في توليد الكهرباء، وهي مشكلة تزداد حدة خصوصاً خلال أشهر الصيف الحارة”.   

وتساعد هذه الروابط المالية، إلى جانب العلاقات الراسخة بين الجيش الأميركي وقيادات الجيش العراقي، في تفسير اختيار علي الزيدي واشنطن لتكون أول وجهة خارجية له بصفته رئيساً للوزراء، حيث التقى بالرئيس ترامب.     

والخلاصة التي تتكرر في هذا المؤشر، هي أن النفوذ الاقتصادي والنفوذ الاستراتيجي ليسا بالضرورة الشيء نفسه.   

الطاقة المتجددة تصل إلى أرض النفط والغاز   

تبقى مشاريع البنية التحتية ضمن مبادرة الحزام والطريق الصينية من أبرز أدوات نفوذ بكين. وقد أحصى المؤشر 468 مشروعاً بقيادة صينية في أنحاء المنطقة حتى نهاية 2025، منها 158 مشروعاً في الإمارات والسعودية اللتين تشكّلان، مع إسرائيل، أكبر اقتصادات المنطقة.   

«التمويل الصيني قليل الشروط، وخبرة شركاتها في المشاريع العملاقة، جعلا العرض جذاباً جداً»، يقول محمد الدهشان، كبير الاقتصاديين في Bourse & Bazaar ، وهو مركز أبحاث مقرّه لندن.   

وبرزت الطاقة المتجددة كجزء بالغ الأهمية من هذا التوسّع؛ فقد رصد المؤشر 72 مشروعاً، لتشكل بذلك أكبر فئة منفردة من المشروعات في منطقة ارتبط اسمها تاريخيا بالنفط.   

فيما يبدو أن عقودا من الدعم الحكومي الصيني لقطاع الطاقة النظيفة بدأت تؤتي ثمارها، بالتوازي مع نمو سريع في أسواق السيارات الكهربائية والهجينة الصينية.   

في 2021، باعت الصين أكثر من 16,800 سيارة هجينة أو كهربائية إلى دول المنطقة. وبحلول 2025، ارتفع الرقم إلى أكثر من 628,000 سيارة وشاحنة.   

أهلاً بكم في بلاد هواوي   

ويبدو أن قطاع التكنولوجيا يسير في المسار نفسه. فقد ارتفع إجمالي تجارة التكنولوجيا بين الصين ودول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأكثر من 65%، من 12.7 مليار دولار في 2020 إلى 21.1 مليار دولار في 2025. ورغم أن تجارة التكنولوجيا الأميركية مع المنطقة نمت بوتيرة أسرع، إلا أنها كانت أقل من القيمة الإجمالية للمبيعات الصينية، إذ بلغت 7.8 مليار دولار في 2025، مقارنة بـ 3.8 مليار دولار في 2020.   

كما تضاعفت الاستثمارات الصينية في قطاع التكنولوجيا في المنطقة بين عامي 2020 و2025، لترتفع من 2.4 مليار دولار إلى 4.8 مليار دولار، مع تسجيل أكبر المكاسب في تركيا ومصر وعُمان والسعودية.   

ووجدت شركات صينية مثل هواوي، المقيّدة في الولايات المتحدة وأجزاء من أوروبا إثر مخاوف تتعلق بالأمن القومي، سوقاً أكثر ترحيباً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وأسهمت معداتها في بناء وتطوير شبكات اتصالات في عدد من دول المنطقة، ما منح الصين موطئ قدم إضافية يمكن أن يدعم توسع حضورها الاقتصادي مستقبلاً.   

وتقدم الصين لحكومات المنطقة عروضا يصعب على دول كثيرة مجاراتها: التمويل، والخبرة في تنفيذ مشروعات البنية التحتية، ومعدات الاتصالات، وتقنيات الطاقة المتجددة، والسلع الاستهلاكية، من دون الشروط السياسية التي قد ترافق الاستثمارات الغربية.   

وفي المقابل، تحقق الشركات الأميركية توسعا في حضورها. فقد أفادت تقارير بأن شركة G42، عملاق التكنولوجيا الإماراتي، قطعت علاقاتها بشركات صينية تحت ضغط أميركي، ووقّعت اتفاقيات في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات مع OpenAI ومايكروسوفت.   

هذا وتعهّدت إدارة ترامب العام الماضي بتزويد السعودية بتقنيات نووية وتقنيات في مجال الذكاء الاصطناعي مقابل استثمارات في أميركا.   

القوة الناعمة الصينية تتوسّع بهدوء   

لا يتجلّى الحضور الصيني المتنامي في الموانئ ومحطات الطاقة وشبكات الاتصالات فحسب، بل في الفصول الدراسية والمطارات والسياحة أيضاً.   

في 2015، كان هناك 161 رحلة جوية مباشرة أسبوعياً من الصين إلى دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وبعد عشر سنوات، ارتفع الرقم إلى 314 رحلة. وفي السنوات الخمس الأخيرة وحدها، ارتفعت الرحلات الأسبوعية من الصين إلى الإمارات، حيث يقيم ما يصل إلى 370,000 مواطن صيني، إلى 104 رحلات مقارنةً بـ59 رحلة في 2020.   

وشهدت السعودية أيضاً زيادة كبيرة في عدد الرحلات، من 5 رحلات أسبوعياً في 2020 إلى 20 رحلة عام 2025.   

وتروّج منصات التواصل الاجتماعي الصينية للخطوط والمسارات الجديدة بمقاطع مصوّرة لعائلات تتجوّل في الخليج وشمال أفريقيا.   

كما تستثمر بكين بكثافة في البرامج الثقافية والتعليمية. فمعاهد كونفوشيوس، التي أُغلقت في أجزاء من الولايات المتحدة وأوروبا بسبب مخاوف من نفوذ الحكومة الصينية، وجدت أرضاً أكثر ترحيباً في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.   

وينتشر 29 معهداً في أنحاء المنطقة، منها خمسة في مصر.   

درس محمد سيد اللغة الصينية في معهد كونفوشيوس بجامعة القاهرة، حيث تخرّج حاملا شهادة في علم الآثار. كان مطلوباً منه دراسة لغة أجنبية، وبما أنه سبق أن درس الإنجليزية في المدرسة، قرر اختيار لغة أخرى تعزز فرصه في سوق العمل. وبالنسبة إليه، كانت الصينية الخيار الأكثر منطقية.   

وقال سيد، في مقابلة أُجريت معه في منزله بالقاهرة: «إجادة اللغة الصينية يمكن أن تفتح فرصاً في مجالات السياحة والتجارة والتصنيع والاستيراد والتصدير، إلى جانب قطاعات أخرى كثيرة. فمصر تضم اليوم عدداً كبيراً من الشركات والمستثمرين الصينيين العاملين في مجالات متنوعة، كما أن حجم التجارة بين مصر والصين كبير، وكثير من المنتجات التي تُباع في مصر مصنوعة في الصين أو مستوردة منها»   

ويعمل سيد اليوم مرشداً سياحياً، يساعد أعدادا متزايدة من الزوار الصينيين على استكشاف المدينة والتنقل فيها.   

ومن الأدوات الأخرى التي تستخدمها الصين لإيصال رسائلها، وسائل إعلامها الرسمية. فوكالات مثل شينخوا تقدّم اشتراكات مجانية أو زهيدة الكلفة لوسائل الإعلام المحلية في المنطقة، في تحدٍّ مباشر للخيارات الأعلى كلفة التي تقدّمها وكالات أنباء غربية مثل أسوشيتد برس ورويترز.   

وفي المجمل، أحصى المؤشر 31 شراكة إعلامية بين مؤسسات إخبارية صينية وجهات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.   

السلاح يبقى أكبر ميزة لأميركا   

غير أن هناك ميداناً واحداً لا تزال الصين متأخرة فيه بفارق كبير؛ فالولايات المتحدة تواصل الهيمنة على البنية الأمنية للمنطقة.   

حيث تحتفظ واشنطن بأكثر من 12 منشأة عسكرية في أنحاء الشرق الأوسط، في حين تدير الصين قاعدة عسكرية خارجية واحدة في جيبوتي، أُنشئت أساساً لدعم عمليات منها مهام مكافحة القرصنة في خليج عدن، بمحاذاة أحد أهم ممرات الشحن البحري في العالم.   

هيمنة أميركية وحضور صيني يصعب الاستغناء عنه   

تواصل الصين توسيع مبيعاتها من الأسلحة، وتحلّ في بعض المجالات محل روسيا كمورّد في ظل تركيز موسكو على الحرب في أوكرانيا. ومع ذلك، لا تزال حصة الصين من الأسلحة محدودة، إذ ارتفعت إلى 3.1% مقارنة بـ1% في عام 2020، فيما تبقى الولايات المتحدة اللاعب المهيمن.   

كما أجرت القوات الأميركية تمارين عسكرية مع شركائها في المنطقة بوتيرة أكبر، إذ شاركت بـ 41 تمريناً بين عامي 2020 و2025، مقارنة بـ19 تمريناً فقط شاركت فيه القوات الصينية. ويتجلّى هذا التفاوت بأوضح صوره حين تتحول أزمات المنطقة إلى مواجهات مسلحة.   

فحين عطّلت هجمات الحوثيين الشحن عبر البحر الأحمر وأضرّت بعائدات قناة السويس، كانت الولايات المتحدة، لا الصين، هي التي تملك القدرة على ضرب أهداف الحوثيين والدفاع عن الشحن التجاري.    

وكان استخدام الولايات المتحدة للقوة في إيران أكثر اتساعاً وإثارة للجدل، ومن شأنه بذلك أن يزيد الضغط على التحالفات في المنطقة. وينقسم المحللون حول ما إذا كانت الصين تستفيد من الحرب بفضل دعمها الهادئ ونهجها الخارجي الأقل تدخلاً، أم أنها تخسر بسبب عزوفها عن الدخول في تحالفات أو الضغط على إيران لوقف إطلاق الصواريخ على جيرانها.   

والأوضح من ذلك أن القوة الاقتصادية لبكين منحت دول المنطقة بالفعل مصدر دعم آخر. ورغم أن الولايات المتحدة تبقى القوة المهيمنة في المنطقة، فإن الصين رسخت حضورها بهدوء إلى حد يصعب الاستغناء عنه.   

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ساهمت في إعداد هذا المقال إنارة غانجي.   

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة