واشنطن العاصمة 09:07 AM

نتنياهو في واشنطن: اختبار حدود الدعم الأميركي لإسرائيل

تأتي زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي وسط توتر مع إدارة ترامب واتساع القلق داخل إسرائيل من تراجع التأييد في الكونغرس والرأي العام الأميركي.

· 4 دقيقة قراءة
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب (غير ظاهر في الصورة)، في قاعة الطعام الرسمية بالبيت الأبيض في واشنطن، الولايات المتحدة، 29 سبتمبر 2025. رويترز/جوناثان إرنست

وصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، الاثنين، بعدما قدمت حكومته تنازلات محدودة في غزة وجنوب لبنان، في محاولة، بحسب وسائل إعلام إسرائيلية، لتهدئة أسابيع من التوتر مع إدارة الرئيس دونالد ترامب.

لكن في الضفة الغربية، حيث أمرت الحكومة بتوسيع العمليات العسكرية وتركت المستوطنين أكثر حرية، لم تظهر إسرائيل مرونة مماثلة.

ويكشف هذا التباين أن أهمية الزيارة لا تقتصر على إيران والترتيبات الإقليمية المدرجة على جدول أعمال نتنياهو. فهي تأتي في وقت يتزايد فيه القلق داخل إسرائيل من أن الدعم السياسي الواسع الذي تمتعت به في واشنطن لعقود بدأ يتراجع.

وتتزامن زيارة نتنياهو مع مراسم تشييع السيناتور الجمهوري الراحل ليندسي غراهام، المقرر الثلاثاء في واشنطن، بمشاركة الرئيس دونالد ترامب وعدد من القادة الأجانب. وكان غراهام من أبرز المدافعين عن إسرائيل داخل الكونغرس، ما يضفي على الزيارة دلالة إضافية في وقت يتزايد فيه القلق داخل إسرائيل من تراجع الدعم لها في دوائر أميركية كانت تعد، حتى وقت قريب، مضمونة إلى حد بعيد.

وقبل مغادرته، قال نتنياهو إن إيران ستكون القضية المركزية في محادثاته مع ترامب، إلى جانب أمن إسرائيل وتوسيع اتفاقات السلام في المنطقة. ووصف لقاءاته المتكررة مع الرئيس الأميركي بأنها دليل على عمق العلاقة بين البلدين، وقال إن المرحلة الحالية تتطلب “الحزم والحكمة”.

غير أن التحركات التي سبقت سفره أوحت بأن الحكومة الإسرائيلية لم تكن تعتمد على متانة التحالف وحدها.

وذكرت صحيفة “هآرتس” أن نتنياهو اتخذ سلسلة من الخطوات لتهيئة الأجواء في واشنطن بعد تراجع غير مسبوق، وفق توصيفها، في مستوى العلاقات بين حكومته والإدارة الأميركية.

في جنوب لبنان، وافقت إسرائيل الأسبوع الماضي على الانسحاب من إحدى المناطق المشمولة بترتيبات تجريبية يجري بحثها مع لبنان. وفي غزة، أقر المجلس الوزاري المصغر إدخال عدد محدود من عناصر الأمن الفلسطيني إلى منطقة تجريبية في رفح.

وبقيت الخطوتان محدودتين، ولم تمثلا تحولا في السياسة الإسرائيلية. لكن توقيتهما، بحسب الصحيفة، عكس إدراك نتنياهو أنه لا يستطيع الوصول إلى واشنطن بعد أسابيع من الخلاف من دون تقديم ما يمكن عرضه على الإدارة الأميركية بوصفه قدرا من المرونة.

في الضفة الغربية، اختارت حكومته اتجاها مختلفا. فبعد مغادرة نتنياهو إلى واشنطن، أعلن وزير الدفاع يسرائيل كاتس أنه أصدر تعليمات إلى الجيش بتوسيع عملياته ضد ما وصفه بـ”الإرهاب الفلسطيني”، والاستعداد للسيطرة على مخيم لاجئين إضافي، على كما فعل الجيش في جنين وطولكرم ونور شمس.

وقال كاتس إن هذه السياسة تنفذ بدعم من نتنياهو.

وجاء الإعلان وسط اتهامات للمستوطنين بارتكاب اعتداءات على الفلسطينيين، وانتقادات من منظمات حقوقية وحكومات غربية تتهم السلطات الإسرائيلية بعدم اتخاذ إجراءات كافية لوقفها.

وقرر كاتس، أيضا، عدم تجديد أمر الإبعاد الإداري بحق المستوطن تال ينون دارديك، رغم توصية جهاز الأمن الداخلي، الشاباك، بذلك. وكانت لجنة استئنافات عسكرية قد أبطلت الأمر لأسباب إجرائية، فيما طلب كاتس من الأجهزة الأمنية معالجة القضية بوسائل أخرى.

وتظهر هذه القرارات حدود المرونة التي حملها نتنياهو معه إلى واشنطن، في وقت لم تعد فيه مكانة إسرائيل داخل الولايات المتحدة بمنأى عن النقاش.

وقال نحمان شاي، وزير شؤون الشتات الإسرائيلي الأسبق، في مقابلة مع “الحرة”، إن الأزمة لم تعد محصورة في العلاقة بين نتنياهو وترامب، بل أصبحت مرتبطة بتحولات أوسع داخل السياسة والمجتمع الأميركيين.

وحمّل شاي نتنياهو مسؤولية جانب كبير من التراجع، مشيرا إلى اتساع المعارضة داخل الكونغرس للمساعدات العسكرية، وإلى تغير مواقف قطاعات من الرأي العام والجالية اليهودية.

وقال إن تصويت نحو مئة عضو في الكونغرس، في منتصف يوليو، ضد المساعدات العسكرية لإسرائيل يجب أن ينظر إليه بوصفه تحذيرا، لا مجرد خلاف عابر داخل المؤسسة التشريعية.

وأضاف أن أي حكومة إسرائيلية مقبلة ستحتاج إلى مشروع واسع لإعادة بناء العلاقة مع الولايات المتحدة، لا مع البيت الأبيض وحده، بل مع الحزبين والمجتمع الأميركي واليهود الأميركيين أيضا.

وقال شاي إن العلاقة مع الولايات المتحدة تمثل “شريان الحياة بالنسبة إلى دولة إسرائيل”.

وتتجاوز مخاوف شاي الرأي العام الأميركي إلى الخيارات الإقليمية لإدارة ترامب.

فقد أعرب عن قلقه من التقارير التي تحدثت عن احتمال تزويد تركيا بطائرات “إف-35″، ومن المناقشات بشأن دعم برنامج نووي مدني سعودي قد يسمح بتخصيب اليورانيوم داخل المملكة.

وقال إن مثل هذه الخطوات قد تمس بمبدأ “التفوق العسكري النوعي” الذي تلتزم الولايات المتحدة، بموجب القانون، بالحفاظ عليه لصالح إسرائيل.

لكن محللين آخرين يرون أن الحديث عن أزمة بنيوية في العلاقة لا يزال مبالغا فيه.

وقالت ليئات كولينس، المحللة في صحيفة “جيروزاليم بوست”، في مقابلة مع “الحرة”، إن العلاقات الأميركية الإسرائيلية أعمق من العلاقة الشخصية بين ترامب ونتنياهو، وإن الزيارة قد تمنح الجانبين فرصة لإعادة تأكيد متانة التحالف.

وأضافت أن طبيعة ترامب تجعل من الصعب التنبؤ بنتائج اجتماعاته، وأن نجاح الزيارة لا ينبغي أن يقاس بطول اللقاء أو بعدد الصور التي ستصدر عنه، بل بما سينتج منه من تفاهمات وسياسات.

وقالت كولينس إن إيران ستظل القضية الأولى بالنسبة إلى إسرائيل، لأن القلق الإسرائيلي لا يتعلق بنوايا طهران وحدها، بل بقدراتها العسكرية والنووية في المستقبل.

وأضافت أن أي تفاهمات مع لبنان أو سوريا أو السعودية لن تبدد هذا القلق ما دام النظام الإيراني على حاله. وشددت على أن ترامب “ليس معاديا لإسرائيل”، وأن نتائج الزيارة يجب أن تقاس بتأثيرها في المبادرات الإقليمية، لا بالانطباعات الآنية.

ولا تتناقض قوة التحالف الأمني بالضرورة مع تراجع الدعم السياسي للحكومة الإسرائيلية. فالولايات المتحدة لا تزال الحليف العسكري والدبلوماسي الأهم لإسرائيل، ولا توجد مؤشرات إلى أن هذه العلاقة الأساسية توشك على الانهيار.

لكن ما يتغير هو البيئة السياسية التي تعمل فيها العلاقة.

لم يعد انتقاد الحكومة الإسرائيلية محصورا في أطراف هامشية داخل الولايات المتحدة. كما لم يعد نتنياهو قادرا على افتراض أن دعمه داخل واشنطن سيبقى منفصلا عن حرب غزة، أو سياسات حكومته في الضفة الغربية، أو علاقته باليمين الإسرائيلي.

ولهذا، قد لا تحدد هذه الزيارة مستقبل التحالف بين البلدين بقدر ما تكشف القيود الجديدة التي تحيط به.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة