طلب مسؤولي في العمل إن يتحدث معي. قال: “تعال إلى مكتبي بعد نوبة عملك”.
حدث ذلك بعد ساعات قليلة من سقوط برجي مركز التجارة في مدينة نيويورك في 11 سبتمبر.
كنت أعيش على حافة الشمال الشرقي للولايات المتحدة، في بورتلاند – ماين، وكان مكتب بريد المدينة يوظف عمالا لفترة مؤقتة مع اقتراب موسم الأعياد. وكنت في العام 2001 أحدهم. وربما كنت الوحيد الذي يخطئ في قراءة الرموز البريدية، ويضع الرسائل في الصناديق الخطأ.
تملكني القلق. فكرت أن الرجل كان سيطلب مني المغادرة.
كنت أقف مع زميل مكسيكي بين ماكينة الفرز وصناديق الرسائل، عندما اقترب منا المسؤول ليدعوني إلى مكتبه. قال عبارات أخرى لم أفهمها جيدا لكنني بقيت أهز برأسي موافقا، وهو يتكلم. كان هدير المكائن طاغيا على صوته. وكنت إلى جانب ذلك، أجد صعوبة في فهم ما يقال سريعا بالإنكليزية، خصوصا إذا كان المتحدث أميركيا يرطن بلكنة محلية خالصة.
لم يكن قد مضى على وجودي في أميركا، وقتها، أكثر من 18 شهرا، قضيتها في العمل مع عرب في الغالب. ولم أبدأ الدراسة إلا في فصل الخريف (2001)، أي قبل أسابيع قليلة من هجمات سبتمبر.
في صباح ذلك اليوم، وقبل ذهابي إلى العمل، سألتني أستاذتي في درس الإنكليزية (ESL) إن كنت على ما يرام. وفي الممر داخل بناية القسم، فعلت الشيء ذاته فتاة كانت تعمل مدرّسة في المركز التعليمي في الجامعة.
وعلى مدى شهور بعد هجمات سبتمبر، سألني كثيرون إن كنت على مايرام . تلك العبارة أو ما يؤدي معناها، سمعها أيضا أصدقائي العراقيين مرارا، عبر الهاتف أحيانا، بأصوات أشخاص لم نكن نعرفهم. وعلمت لاحقا أنهم كانوا متطوعين يتصلون بالعرب والمسلمين للاطمئنان على أحوالهم، ولعرض المساعدة، وكذلك للإبلاغ عن أي اعتداءات أو مضايقات ربما تعرضوا لها.
وكانت موجة الكراهية ضد العرب والمسلمين قد اشتدت بالفعل، وصعدت نسبتها مئات بالمئة بعد الهجمات.
يوثق تقرير نشره مكتب التحقيقات الفدرالي FBI عام 2001، ارتفاع جرائم الكراهية ذات الصلة بالدين الإسلامي من 28 حادثة في عام 2000 إلى 481 في عام 2001. ونقلت وسائل إعلام أميركية قصص أسر وأشخاص عرب ومسلمين كانوا ضحايا لاعتداءات وتمييز ومضايقة.
لكن يحيى هندي، وكان آنذاك إماما ومرشدا دينيا للطلبة المسلمين في جامعة جورج تاون، تحدث أيضا في ندوة نقاشية في واشنطن عما وصفه بـ”الجانب الإيجابي” للأزمة. قال إن الحوار بين الأديان بلغ مستوى من النجاح لم يشهده من قبل، وإن “الكنائس والمعابد اليهودية فتحت أبوابها أمام المسلمين لأداء شعائرهم الدينية”.
وفي بورتلاند، عندما طرقت باب مكتب مسؤولي في مكتب البريد، كان منحنيا على حزمة أوراق، مقربا إحداها من نظاراته الطبية. وما إن لمحني واقفا في إطار الباب، رمى الورقة على الطاولة أمامه، ونهض من مكانه. طلب مني الجلوس على أحد مقعدين أمام طاولته، وجلس هو على الآخر بمواجهتي.
“هل أنت على ما يرام؟”، قال.
“نعم”، قلت، “هل هناك مشكلة؟”.
ضحك الرجل، وقال “ألا تتابع الأخبار؟”.
سألني عن أهلي. قلت له جئت وحيدا لاجئا إلى أميركا.
سألني إن كان أيّ من زملائي في العمل قد ضايقني في ذلك النهار. أجبت بالنفي. وفي النهاية، طلب أن أبلغه إذا حاول شخص ما في المبنى الإساءة إليّ بأي شكل من الأشكال.
عندما خرجت من عنده، لمحت زميلا آخر، أفغانيا، كان يقف على مقربة من الباب. قدرت أنه كان ينتظر دوره للحديث مع المسؤول. وفي وسط القسم رأيت زملائي، وكانوا خليطا من أميركيين ومهاجرين، ومعهم موظفون دائمون في البريد، قد تجمعوا حول زميلة لنا. عرفت أنها فقدت أحد أقربائها، عمّها على ما أذكر، في الهجمات على مدينة نيويورك.
شدّت بقوة على يدي، ولم تتمالك دموعها وهي ترد على مواساتي إياها. وسألتني، هي الأخرى، إن كنت بخير.
لا أتذكر كيف حصلنا على شموع، لكننا أوقدناها ووقفنا على درجات مدخل البناية الرئيسي المطل على شارع فوريست آفينو وسط بورتلاند، إكراما لأرواح ضحايا الهجمات.
كان قد خيم الغروب على المدينة، وبدء البرد يتسلل إلى العظام متخفيا في هبات رياح نُذُر الخريف.
لم أكن أرتدي سوى قميص قطني خفيف، مع ذلك شعرت بالدفء يتسلل من يدي التي كانت تحمي الشمعة من الريح، إلى جسدي كله.
لا أزال أشعر بالدفء، كلما تذكرت تلك اللحظات المشحونة بالأسى والمودة.