تتاح لبنيامين نتنياهو، الخميس، فرصة لمخاطبة العالم من منبر الأمم المتحدة، لكنه يصل إليها في واحدة من أصعب لحظات إسرائيل الدولية، الحرب في غزة، والتطورات في الضفة الغربية، والخلافات مع دول كانت تعد من أقرب شركائها.
وما يزيد المشهد لفتًا للانتباه أن جدول زيارته لا يتضمن، حتى الآن، لقاءات معلنة مع مسؤولين دوليين بارزين، بمن فيهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أو حتى وزير خارجيته ماركو روبيو.
في زيارات سابقة إلى نيويورك، لم يكن خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي أمام الجمعية العامة سوى جزء من برنامجه، إذ اعتاد أن يعقد لقاءات سياسية على هامشه، ثم يعود إلى إسرائيل حاملًا صور اجتماعاته مع قادة العالم.
وكانت صور اجتماعاته بالرؤساء الأميركيين، خصوصًا ترامب، ورقة قوية في يده أمام الجمهور الإسرائيلي، أو بمثابة دليل على قدرته على الوصول إلى واشنطن والتأثير في قراراتها.
هذه المرة، لن تكون هناك صورة مماثلة بجدول الزيارة المعلن. ولا تزال محاولات ترتيب اجتماعات مستمرة، لكن ذلك يطرح سؤالًا حول ما يستطيع نتنياهو تحقيقه دبلوماسيًا خلال إقامة يُتوقع أن تستمر ساعات قليلة.
أمام هذا المشهد، يبدو أن نتنياهو وحكومته يختارون المواجهة العلنية بدلًا من تخفيف حدة الخلافات، فقد أثارت تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الأمم المتحدة، بشأن حركة حماس والضفة الغربية، ردًا غاضبًا منه.
واعتبر نتنياهو أن ماكرون يتجاهل هجمات نفذتها الحركة المدرجة على قوائم الإرهاب الأميركية في الضفة، مستشهدًا بمقتل إسرائيلي يحمل الجنسية الفرنسية قبل أيام.
ولم يكن هذا السجال خلافًا على واقعة بعينها فحسب، بل كشف مجددًا عمق التباعد بين الحكومتين بشأن القضية الفلسطينية، في وقت تنتقد فيه باريس سياسات إسرائيل في الضفة الغربية.
ومن الحكومة الإسرائيلية، جاءت رسالة أكثر حدة باتجاه دمشق، ففي رده على خطاب الرئيس السوري أحمد الشرع أمام الأمم المتحدة، أعلن وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن إسرائيل لن تنسحب من قمة جبل الشيخ والمنطقة التي تسيطر عليها في جنوب سوريا ما دامت ترى تهديدًا على حدودها.
واتهم كاتس الشرع والقوى المرتبطة به بتشكيل خطر على إسرائيل، محذرا من أن أي هجوم ينطلق من الأراضي السورية سيقابل برد عسكري. ثم أضاف تهديدًا يتجاوز مسألة الرد المباشر، قائلًا إن أي أرض تستولي عليها إسرائيل في مواجهة مقبلة ستبقى تحت سيطرتها.
وهكذا، بينما تُطرح في نيويورك أسئلة عن مستقبل العلاقات في المنطقة، يختار المسؤولون الإسرائيليون تأكيد مواقعهم ومخاطبة خصومهم بلغة التحذير.
وربما يرى نتنياهو في هذه المواجهات وسيلة لتحويل الضغط الخارجي إلى مكسب داخلي، فالخلافات مع رؤساء دول، وكل انتقاد لإسرائيل من منبر دولي، يمنحه فرصة ليقول لمؤيديه إنه الرجل القادر على الوقوف في وجه الضغوط وحماية ما يعتبرها مصالح بلاده.
وقبل أسابيع من انتخابات تشريعية صعبة، لا تُوجَّه رسائله من نيويورك إلى القادة المجتمعين فيها وحدهم، بل تصل أيضًا إلى الناخب الإسرائيلي.
ومن المتوقع أن يحتل الملف الإيراني صدارة خطاب نتنياهو أمام الجمعية العامة. وبحسب مسؤولين في مكتب رئيس الحكومة تحدثوا إلى صحفيين يغطون زيارته، يستعد لعرض معلومات مدعومة بوسائل بصرية بشأن ما تقول إسرائيل إنها محاولات إيرانية لترميم مشروعها النووي وقدراتها الصاروخية.
ويريد نتنياهو، من خلال هذا العرض، أن يعيد التهديد الإيراني إلى صدارة النقاش الدولي، في وقت تستحوذ فيه الحرب في غزة والخلافات بشأن الضفة الغربية على جانب كبير من الاهتمام الموجه إلى إسرائيل.
وقد يتحدث أيضًا عن فرص إقليمية جديدة، ليقدم صورة لمستقبل المنطقة تتجاوز المواجهات القائمة، مخصصا جزءًا من كلمته للرد على منتقدي حكومته.
لكن المنبر الذي يتيح لنتنياهو مخاطبة قادة العالم لن يتيح له التفاوض معهم، وإذا بقي جدول زيارته من دون لقاءات سياسية بارزة، فسيتمكن فقط من عرض معلوماته وتوجيه رسائله، دون أن تتاح له على هامش الخطاب فرصة معلنة لبحثها مباشرة مع الرئيس الأميركي أو وزير خارجيته، أو مع قادة دول أخرى.
وهنا يكمن أحد اختبارات الزيارة: هل ينجح نتنياهو في تحويل ما سيعرضه عن إيران إلى تحرك دبلوماسي، أم يبقى أثره محصورًا في القاعة التي ألقى فيها خطابه؟
كما يواجه نتنياهو منافسة داخلية على خطاب التشدد نفسه، وهذه المرة بملف شديد الحساسية بالنسبة إليه، فقد دعاه رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، أحد أبرز منافسيه في الانتخابات المقبلة، إلى استغلال منبر الأمم المتحدة لإعلان قطر “دولة عدو”.
وقال بينيت إنه سيرسل إلى الأمين العام للأمم المتحدة وسفراء الدول الأعضاء في مجلس الأمن وثيقة يسميها “ملف قطر”، تتضمن اتهاماته للدوحة بتمويل حماس وتحميلها مسؤولية عن هجوم السابع من أكتوبر حسب اتهامه.
ولم يجئ اختيار بينيت لتوقيت الخطاب وموضوع قطر من فراغ. وإنما يعيد تسليط الضوء على القضية المعروفة في إسرائيل باسم “قطر غيت”.
وتدور القضية حول شبهات بأن مستشارين مقربين من نتنياهو تلقوا أموالًا مرتبطة بقطر وعملوا على تحسين صورتها خلال الحرب، في الوقت الذي كانوا فيه قريبين من مكتب رئيس الحكومة.
وخضع عدد من هؤلاء للتحقيق، فيما أدلى نتنياهو بإفادة في القضية ونفى ضلوعه فيها، وهاجم التحقيق بوصفه ذا دوافع سياسية.
وهنا يضع بينيت نتنياهو في موقف حرج على جهتين: فإذا أعلن رئيس الوزراء قطر دولة عدو، فستعود الأنظار إلى الشبهات التي طالت مقربين منه وإلى ما كان يعرفه عن أنشطتهم.
وإذا تجنب الإعلان، فسيحاول بينيت تصوير موقفه على أنه تردد في مواجهة دولة يتهمها بدعم حماس.
وهكذا لا يكتفي منافسه بمطالبته باتخاذ موقف من الدوحة، بل يجعل من خطاب الأمم المتحدة اختبارًا لمصداقية الصورة التي يسعى نتنياهو إلى تقديمها عن نفسه: قائد يتحدى الضغوط الخارجية ولا يتردد في اتخاذ القرارات الصعبة.
من جهة أخرى، تفرض الإجراءات الأمنية المشددة المحيطة بزيارة نتنياهو نفسها على المشهد منذ لحظة سفره، فلم يُعلَن موعد إقلاع طائرته إلى نيويورك، كما طُلب من الصحفيين السفر بصورة منفصلة، خلافًا لزيارات سابقة كان مراسل “الحرة” ضمن الصحفيين الذين غطّوها على متن طائرته.
وقيل إن فصل سفر الصحفيين يهدف، ضمن إجراءات أخرى، إلى تقليل عدد الركاب وحمولة الطائرة، تحسبًا لاحتمال هبوط اضطراري في دولة أوروبية قد تنفذ مذكرة التوقيف الصادرة بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية. ولم يتأكد أن هذا الاحتمال وحده وراء القرار.
أما في نيويورك، فيعزو مكتب نتنياهو قِصر إقامته إلى مخاوف أمنية، بينها احتمال محاولة استهدافه خلال الزيارة.
وهكذا تتجمع حول خطاب نتنياهو أسئلة تتجاوز ما سيقوله عن إيران أو خصومه: كيف يواجه تفاقم الخلافات الدولية؟ وماذا يعني عدم إدراج لقاء مع الرئيس الأميركي في زيارة كان مثل هذا اللقاء أحد أبرز مكاسبها السياسية؟ وهل يستطيع تحويل مواجهة العالم إلى قوة انتخابية في الداخل، بينما يطالبه منافسوه بمواقف أشد؟
سيملك نتنياهو المنبر لدقائق، لكن أثر زيارته سيتحدد أيضًا بما يحدث خارج قاعات الأمم المتحدة.