واشنطن العاصمة 09:41 PM
الكفاح المسلح أخفق في خدمة الفلسطينيين

ماغازين · أكتوبر 2026

الكفاح المسلح أخفق في خدمة الفلسطينيين

استراتيجية أخفقت مراراً تستحق أن تُطوى صفحتها. فلماذا يتمسك بها كثيرون؟

عزالدين شكري فشير

عز الدين فشير روائي وكاتب مصري-أميركي، ومؤلف رواية Nightfall in Cairo، وزميل متميز في كلية دارتموث.

اقرأ بـ English
· 6 دقيقة قراءة

في أبريل 1920، اندلعت أعمال شغب في صفوف حشود فلسطينية تجمعت في القدس للاحتفال بموسم النبي موسى، احتجاجاً على الانتداب البريطاني والهجرة الصهيونية.

أسفرت الاضطرابات آنذاك عن مقتل 5 يهود و4 عرب، وإصابة مئات آخرين، فيما بات أول صدام كبير في مسار ما سيصبح الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

وفي 7 أكتوبر 2023، انفتحت أحدث فصول القصة نفسها، ولا يزال ضحاياها يتساقطون.

وخلال القرن الفاصل بين الحدثين، جُرّبت المقاومة الفلسطينية المسلحة بأشكال تكاد تشمل كل شيء، سواء كان قانونياً أو غير قانوني، وعلى أيدي أجيال متعاقبة، انطلاقاً من كل قاعدة متاحة.

كانت النتيجة سلسلة من الكوارث. فلم ينجح الكفاح المسلح في وقف الصهيونية أو تفكيكها، بل أسهم، إن كان قد فعل شيئاً، في تغذية أكثر تيارات الحركة الصهيونية عدوانية وتوسعاً. ومع كل جولة، كان الفلسطينيون يجدون أنفسهم أمام مساحة أقل من الحكم الذاتي، وأرض أقل.

ومع ذلك، حين تجادل أصوات فلسطينية وعربية، بينها صوتي، ضد المقاومة المسلحة، استناداً إلى إخفاقها من جهة، وإلى كلفتها الوحشية على المنظومة الأخلاقية الفلسطينية والعربية من جهة أخرى، يأتي الرد غالبا عنيفاً. وتُستحضر اتهامات بالخيانة والتبعية ولوم الضحية، عادة من دون اكتراث بالمنطق أو الوقائع.

هذا الرد لغز يستحق الفهم. كيف يمكن لأشخاص حسني النية، ويبدون عقلانيين، أن يظلوا متمسكين باستراتيجية أخفقت مراراً على مدى قرن؟ كيف لا يرون ذلك؟ وكيف يمكن للعلمانيين والليبراليين أن يؤيدوا حركة إسلامية من شأنها تدميرهم لو امتلكت القوة اللازمة؟ إن افتراض انعدام العقلانية لدى من نختلف معهم ليس سوى الوجه الآخر لافتراضهم أننا خونة. ولا يساعد أي من الموقفين على تعزيز فهمنا بعضنا لبعض أو فهمنا لهذا الصراع.

الحجج الظاهرية

تبدو التفسيرات الواضحة أقرب إلى كونها ستاراً يخفي شيئاً آخر. وأكثرها شيوعاً أن الفلسطينيين لا يوازنون بين المقاومة المسلحة والتعايش السلمي لأن الخيار الأخير غير مطروح أصلاً، بل إنهم يوازنون بين المقاومة واستمرار إخضاعهم أو محوهم بالكامل.

وهناك حجة أخرى مفادها أن اللاعنف أخفق هو الآخر، إذ لم تنجح المفاوضات ولا المقاومة السلمية.

وفي المقابل، يرى أنصار حزب الله أن مقاومته المسلحة دفعت إسرائيل إلى الانسحاب من لبنان عام 2000، فيما دفعت مقاومة حماس إسرائيل إلى الانسحاب من غزة عام 2005. وإذا لم يكن هذان المثالان كافيين، فهناك دائماً حرب التحرير الجزائرية والمقاومة المسلحة في جنوب أفريقيا بوصفهما مثالين على المدى الطويل.

تبدو هذه الحجج أقرب إلى التبرير منها إلى التفسير. فاستمرار الاحتلال لا يحوّل استراتيجية فاشلة إلى استراتيجية ناجحة. وإذا استمر الاحتلال رغم المقاومة المسلحة، أو بسببها، كما يقول البعض، فلا يمكن أن يعني ذلك أن الرد على الاحتلال هو تكرار نفس الاستراتيجية التي لم تحقق نجاحا.

ومهما بلغ الاحتلال من فظاعة، تظل الاستراتيجية الفاشلة طريقاً مسدوداً لإنهائه. ومن الممكن أيضاً أن تكون المفاوضات والمقاومة المسلحة قد أخفقتا معاً، لكن فشل إحدى الاستراتيجيتين لا يحوّل الأخرى الفاشلة إلى استراتيجية ناجحة. وربما يحتاج الفلسطينيون إلى نهج مختلف تماماً.

إضافة إلى ذلك، أسهم استمرار العنف، أي المقاومة المسلحة، إسهاماً كبيراً في إفشال التوصل إلى تسوية تفاوضية. كما أن ما يُوصف بنجاحات حزب الله وحماس يبدو اليوم أقل إثارة للإعجاب بكثير. أما الجزائر الفرنسية وجنوب أفريقيا، فهما حالتان مختلفتان اختلافاً جوهرياً، ففي الأولى، انسحبت قوة استعمارية أوروبية من أرض كانت تسيطر عليها، وفي الثانية، تراجعت أقلية عن هيمنتها لتحتفظ بامتيازات تحميها. لذلك يصعب إدراك مدى صلة هاتين التجربتين بالحالة الفلسطينية.

تبدو هذه الحجج أقرب إلى التبريرات، وإلى كونها ستاراً يخفي أمراً أعمق. كما أن الغضب العارم الذي يصاحب النقاش يحمل دلالة مهمة، فالناس لا يستجيبون بهذه الحدة لمجرد الاختلاف حول جدوى أمر ما، بل يفعلون ذلك عندما يشعرون أنهم يتعرضون لهجوم.

وهنا يكمن مفتاح اللغز: لفهم سبب استمرار المقاومة المسلحة، علينا أن نفهم ما تمسّه هذه الحجج الظاهرية في أعماق النفوس.

من أين جاءت الفكرة المثالية؟

يقدم كتاب يزيد صايغ “الكفاح المسلح والبحث عن الدولة” (1997) جانباً مهماً من الإجابة. فهو يوضح كيف شكّل الكفاح المسلح الإطار الذي تبلورت داخله الهوية الفلسطينية، لا سيما خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، بصرف النظر عن إخفاقاته العملياتية.

وعلى سبيل المثال، أسفر الهجوم الإسرائيلي على مخيم الكرامة في الأردن عام 1968 عن مقتل ما يصل إلى 200 من المقاتلين الفلسطينيين والجنود الأردنيين، وأسر أكثر من 100 فلسطيني، وتدمير المخيم.

لكن القوة المهاجمة خسرت 30 جندياً وعدداً كبيراً من المركبات. واحتفى ياسر عرفات بما حدث باعتباره انتصاراً، ودليلاً على أن الفلسطينيين لم يعودوا مجرد لاجئين، بل أصبحوا “شعباً” يتصرف بوصفه شعباً.

وبهذا المعنى، لم تكن المقاومة المسلحة وسيلة لتشكيل الهوية فحسب، بل أيضاً لتأكيد القدرة على الفعل والمبادرة. وقد بدأت تؤدي هذا الدور قبل ذلك بوقت طويل، في أوائل عشرينيات القرن الماضي، حين وجد الفلسطينيون أنفسهم خاضعين لحكم بريطاني قسري بدد آمالهم في الاستقلال.

كانت تلك سنوات العنف التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، والانتفاضات المسلحة القومية التي اجتاحت العالم العثماني. وفي الوقت نفسه، كانت الحركة الصهيونية تشتري مساحات شاسعة من الأراضي وتطرد آلاف الفلاحين منها.

وفي نهاية المطاف، حمل الفلاحون السلاح، وقدموا “مقاومتهم” بوصفها تأكيداً لقدرتهم على الفعل، ونقيضاً لسلبية أعيان الفلسطينيين وسياساتهم العقيمة.

وفي روايتها الأولى”الباريسي” (2019)، نجحت إيزابيلا حماد ببراعة لافتة في تصوير الكيفية التي أصبح بها الكفاح المسلح رابطة جديدة تتجاوز الولاءات الفردية والعائلية وغيرها، وتعيد تشكيل أولويات الناس العاديين وخياراتهم الحياتية ونظرتهم إلى ذواتهم.

لم تكن اضطرابات موسم النبي موسى عام 1920 سوى بداية هذا التحول. وبحلول نهاية العقد، كانت فكرة المقاومة المسلحة ترسخت، ثم اتخذت منحى دموياً خلال اضطرابات البراق عام 1929 ومذبحة الخليل.

وكلما ترسخ العنف، انتقلت القيادة أكثر إلى أيدي من يدعون إليه، مثل الشيخ عز الدين القسام (1881-1935).

وهكذا، سرعان ما تحول الإضراب العام الذي بدأ عام 1936 إلى انتفاضة مسلحة قادها أساساً المقاتلون الفلاحون. ومع تزايد التضحيات في ظل القمع البريطاني الوحشي، استمر انتقال السلطة من النخبة القديمة إلى المقاتلين الريفيين.

ثم جاءت حرب عام 1948 والنكبة، فدمرتا ما تبقى من تلك الطبقات القديمة، وتركتا الفلسطينيين من دون هيئة تمثلهم جماعياً بوصفهم شعباً. وسرعان ما ملأت الفصائل المسلحة هذا الفراغ.

وبالطبع، شهدت تلك المسيرة لحظات بدا فيها زخم المقاومة المسلحة يتراجع، كما حدث خلال السنوات الأولى من عملية أوسلو، حين أيدت غالبية الفلسطينيين التوصل إلى تسوية عبر المفاوضات.

لكنها ظلت كامنة تحت السطح، باعتبارها الأداة الرئيسية لتأكيد الهوية والقدرة على الفعل. وهذا ما أتاح لحركتي حماس والجهاد الإسلامي استقطاب أنصار فضلوا نهجهما على مسار أوسلو. ولهذا السبب، عندما تعثر مسار أوسلو أخيراً في قمة كامب ديفيد عام 2000، أصبحت المقاومة المسلحة البديل الافتراضي.

وعليه، فإن المقاومة المسلحة لا تجسد هوية الفلسطينيين فحسب، بل تعكس أيضاً قدرتهم على الاعتماد على أنفسهم والتصدي لخصومهم، سواء انتصروا أم هُزموا. بل إنه كلما ازداد حجم خسائرهم كلما ازدادت أهمية إظهارهم لأنفسهم وللعالم أنهم ما زالوا صامدين، وأنهم شعب قادر على التحرك بوصفه كياناً واحداً.

ولذلك، لا تمثل الهزيمة حجة ضد المقاومة، بل تجعل الحاجة إليها، في نظر أنصارها، أكبر. وهذا ما يفسر أن الرد الإسرائيلي على هجوم 7 أكتوبر، وعلى كل عمل من أعمال المقاومة المسلحة، لا يضعف هذا الدافع، بل يعزز استمراره. فهو يرفع الكلفة، لكن الفلسطينيين يتعاملون مع تلك الكلفة باعتبارها أمراً لا مفر منه.

ولهذا أيضاً، يصبح أولئك الذين ينتقدون المقاومة المسلحة، ومن بينهم نحن، هدفاً للغضب العارم. إذ تبدو انتقاداتنا وكأنها تنكر على الفلسطينيين حقهم في الفعل من الأساس. وتبدو الحجج المتعلقة بإخفاق المقاومة في تحقيق تقرير المصير جوفاء، لأن المقاومة المسلحة نفسها تجسد، بالنسبة إلى أنصارها، حق تقرير المصير.

أما الحجج المتعلقة بالتمييز بين المقاومة والإرهاب، والقتال والقتل، وتمجيد الموت، وما إلى ذلك، فتبدو أكثر خواءً في ظل الانهيار الأخلاقي العام الذي ألحقه هذا الصراع بأطرافه وضحاياه. كذلك تبدو ثانوية تلك الحجج التي تتناول المصالح الفئوية الضيقة، وتجاوزات الإسلاميين، أو دور الرعاة الإقليميين وأجنداتهم.

وخلاصة القول إنه من غير المرجح أن يتبدد المثال الذي تمثله المقاومة المسلحة بفعل الحجج المتعلقة بإخفاقها في تحقيق الأهداف الوطنية، أو بأثرها المدمر على أخلاق الفلسطينيين وإنسانيتهم.

ولن تفقد المقاومة جاذبيتها إلا إذا فُصلت الهوية الفلسطينية والقدرة على الفعل عنها، وأُعيد تأسيسهما حول شيء آخر يتيح للفلسطينيين أن يتحركوا، وأن يراهم العالم وهم يتحركون، بوصفهم شعباً من دون بندقية في أيديهم.

لن يحدث هذا التحول بسهولة، بل إن صياغته ستكون أشد صعوبة. لكن إلى أن يتحقق، سيظل المثال أطول عمراً من النتائج التي يحققها، وستظل الكلفة كذلك.

 الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة