واشنطن العاصمة 07:54 PM

أحكام الساحل السوري.. بين المحاسبة والانتقادات

بين أحكام الإعدام والسجن والبراءة، تبرز تساؤلات بشأن شمول المحاسبة لمختلف الأطراف، في ظل تقارير حقوقية وثّقت انتهاكات واسعة بحق المدنيين.

اقرأ بـ English
· 4 دقيقة قراءة
مقاتلون تابعون للسلطة السورية الحاكمة يقفون على جانب أحد الشوارع، عقب أعمال العنف في محافظة طرطوس، ضمن المنطقة الساحلية التي تضم عدداً كبيراً من أبناء الطائفة العلوية التي ينتمي إليها بشار الأسد، وذلك بعد الإطاحة به، في مدينة طرطوس الساحلية بسوريا، 26 ديسمبر 2024. رويترز/ عمار الزير.

فتحت الأحكام الصادرة بحق متهمين في أحداث العنف في الساحل السوري النقاش بشأن مسار العدالة والمحاسبة في سوريا، في ظل تباين العقوبات التي طالت عناصر من النظام السابق ومنتسبين إلى قوات وزارة الدفاع في الحكومة الحالية.

وأصدرت المحكمة العسكرية الجنائية في سوريا، الخميس، أحكاما بالإعدام والسجن بحق متهمين على خلفية أحداث مارس 2025 التي قتل فيها مئات العلويين وعناصر من الأمن السوري، فيما برّأت اثنين من عناصر وزارة الدفاع.

وقضت المحكمة بالإعدام شنقا على ماهر علي والوضاح إسماعيل، المنتميين إلى النظام السابق، بتهم شملت إثارة الاقتتال الطائفي وقيادة عصابات مسلحة.

وفي المقابل، حكمت بالسجن 20 عاما على محمد بكور بتهمة القتل قصدا، و12 عاما على ماهر عثمان، وثلاث سنوات على عمار عبد العال، وسنتين على النقيب مصطفى شنان وخالد الحميد، وجميعهم من منتسبي وزارة الدفاع، على خلفية جرائم وتهم شملت الاقتتال والتعذيب. كما حكمت على محمود شاهين بالسجن شهرين بتهمة الإيذاء، إضافة الى براءة كل من عبد الرؤوف بكر ومحمد زرزوري لعدم توفر الأدلة.

وقال رامي عبد الرحمن، مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان لـ”الحرة”، إن التفاوت بين الأحكام الصادرة “يثير تساؤلات تستدعي توضيح الأسس القانونية والأدلة التي استندت إليها المحكمة”.

وأضاف عبد الرحمن لـ”الحرة” أن “لكل قضية ظروفها وأدلتها الخاصة”، لكنه شدد على ضرورة “نشر حيثيات الأحكام وتوسيع التحقيقات” لتشمل، إلى جانب المنفذين الميدانيين، كل من أصدر الأوامر أو خطط للانتهاكات أو سهّلها أو تستر عليها، بصرف النظر عن انتمائه.

من جهته، قال فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان لـ”الحرة”، إن الأحكام تمثل خطوة في مسار المساءلة، واعتبر أن تفاوت العقوبات لا يثبت، بحد ذاته، وجود انتقائية.

وقال نبيل الحلبي، المحامي والمدير التنفيذي لمنتدى سياسات الشرق الأوسط لـ”الحرة”، إن صدور الأحكام يمثل “خطوة قضائية مهمة” في الانتقال من مرحلة التحقيق وتوثيق الانتهاكات إلى تحديد المسؤولية الجنائية للأفراد.

وبدأت أحداث الساحل في السادس من مارس 2025، واستمرت ثلاثة أيام في محافظتي اللاذقية وطرطوس، حيث يشكل العلويون غالبية السكان.

واتهمت السلطات مسلحين موالين للرئيس السابق بشار الأسد بمهاجمة مواقع أمنية وعسكرية، ما أدى إلى مقتل 238 عنصرا من الأمن والجيش، وفق تقرير لجنة التحقيق الوطنية السورية التي شكلتها الحكومة.

وأعقبت الهجمات عمليات عسكرية واسعة نفذتها وزارتا الدفاع والداخلية، بمشاركة مجموعات مسلحة مساندة.

وخلال العمليات، وثقت منظمات حقوقية سورية ودولية وشهود انتهاكات بحق مدنيين علويين، شملت القتل والإعدامات الميدانية والنهب.

وقالت هيومن رايتس ووتش في تقرير صدر في 10 مارس 2025، إن المواجهات التي جرت في الساحل أعقبها تصاعد في الانتهاكات، شمل إعدامات ميدانية وإطلاق نار عشوائيا ونهب ممتلكات، مع تحمّل المدنيين العلويين العبء الأكبر من العنف.

وفي أغسطس 2025، قالت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إن لديها أسبابا معقولة للاعتقاد بوقوع جرائم حرب خلال أحداث الساحل، ارتكبتها قوات تابعة للسلطات الجديدة ومجموعات مسلحة موالية للنظام السابق.

فيما دعت منظمة العفو الدولية إلى التحقيق في المجازر التي طالت مدنيين باعتبارها جرائم حرب “محتملة”.

ووثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان عمليات قتل غير مشروع لـ 420 مدنيا ومقاتلا مجردا من السلاح، بينهم 39 طفلا، معظمهم على يد القوى المسلحة المشاركة في العمليات العسكرية.

وفي التاسع من مارس أعلنت الرئاسة السورية تشكيل لجنة لتقصي الحقائق في أحداث الساحل، مع التعهد بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وفق ما نقلت وكالة سانا الرسمية.

وفي تقريرها الصادر في يوليو 2025، حمّلت اللجنة السورية ما سمتهم “فلول النظام السابق” مسؤولية الهجمات التي أودت بحياة 238 من عناصر الأمن والجيش.

كما وثقت وقوع انتهاكات بحق مدنيين خلال الأيام اللاحقة، وعزت ارتكابها إلى أفراد ومجموعات صغيرة بدوافع متباينة، ووصفتها بأنها فردية وعشوائية وغير منظمة، وفق ما نشرته سانا.

وقالت اللجنة الوطنية إنها أحالت 563 مشتبها بهم إلى القضاء، بينهم 298 يُشتبه في تورطهم بانتهاكات بحق المدنيين و265 يُشتبه في تورطهم بالهجمات على قوات الأمن والجيش والممتلكات العامة. ولا تعني الإحالة، بحد ذاتها، ثبوت المسؤولية الجنائية بحق أي من المشتبه بهم.

وتتفاوت تقديرات حصيلة القتلى خلال أحداث الساحل السوري. وقالت لجنة التحقيق التي شكلتها السلطات السورية إنها وثقت مقتل 1426 شخصا من العلويين، إضافة إلى 238 من عناصر الأمن العام والجيش.

وقدرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، في أغسطس 2025، عدد القتلى بنحو 1400 شخص، معظمهم من المدنيين.

وقالت وكالة رويترز إنها أحصت مقتل 1479 علويا في 40 موقعا، استنادا إلى مقابلات مع أكثر من 200 عائلة وعشرات المسؤولين والقادة والوسطاء.

أما المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقدّر عدد القتلى بنحو 1700 شخص، غالبيتهم من العلويين.

وقال عصمت العبسي، الخبير الأمني والاستراتيجي والرئيس السابق لمحكمة دار العدل في حوران لـ”الحرة”، إن توقيت صدور الأحكام يشير إلى “رغبة السلطات في التعامل مع الملف عبر المسار القضائي، بدلا من الانتقام خارج إطار القانون”.

وأضاف العبسي أن الأحكام تمثل “خطوة ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها لاستعادة ثقة سكان الساحل”، مشددا على أهمية استمرار “المحاسبة وعدم اقتصارها على مجموعة محدودة” من المتهمين.

وشدد الحلبي على ضرورة “إتاحة سبل المراجعة والطعن في الأحكام”، ولا سيما أحكام الإعدام، قائلا إن “الخطأ غير قابل للإصلاح بعد التنفيذ”.

وأضاف أن ضمانات المحاكمة العادلة، وكفاية الأدلة، ومراجعة الأحكام، تظل مسائل أساسية في استمرار الإجراءات القضائية.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة