لماذا يقاتل عراقيون في أوكرانيا؟

داخل مطعم في مدينة موسكو، كان العراقي عباس المناصر يتصفح هاتفه عندما لفت نظره إعلان مضيء يحمل رمزا إلكترونيا.

قاده رابط الإعلان إلى ملصق باللغة الروسية يدعو الأجانب للانضمام إلى الجيش الروسي مقابل راتب وجنسية. لم تكن تلك الفكرة قد خطرت في باله حين غادر العراق، مع مجموعة من الشبان، بفيزا سياحية إلى روسيا بحثا عن منفذ للعبور نحو أوروبا.

أثار الإعلان فضول الشاب ورفاقه.

وإذا كان طريق المناصر إلى الجبهة قد بدأ بمسح رمز على شاشة هاتف، فإن طريقنا للوصول إليه استغرق أياما من البحث.

بمساعدة شخصيات عشائرية عراقية وناشطين محليين، تمكنت قناة “الحرة” من التواصل معه.

اسمه الحقيقي عباس حمدالله، لكنه يعرف نفسه على صفحات التواصل الاجتماعي بـ”عباس المناصر”. وبعد اتصالات استمرت ثلاثة أيام وافق على إجراء مقابلة مطولة، أكد خلالها أنه أول عراقي ينضم إلى الجيش الروسي.

وأكدت مصادر عشائرية لـ”الحرة” هوية المناصر وربطت بين اسمه الحقيقي وشخصيته المتداولة على منصات التواصل.

خزان بشري للجيش الروسي

حكاية المناصر مدخل لظاهرة أخذت بالاتساع منذ بدء الغزو الروسية لأوكرانيا في 2022: مكاتب سفر تحوّل التأشيرات السياحية إلى عقود تجنيد، وسماسرة يتصيدون الشبان العراقيين الحالمين بمستقبل خارج بلدهم عن طريق الهجرة السرية، في حين تلتزم الحكومة الصمت بينما يتحول العراق الذي أعلن الحيادة بشأن حرب أوكرانيا، مثل دول أخرى في آسيا وإفريقيا، إلى خزان بشري للجيش الروسي.

“حتى الآن لم يصل للجنة الأمن والدفاع أي تقرير مفصل عن الموضوع،” يقول عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية، اسكندر وتوت، لـ”الحرة”.

“لنفترض أن هناك عراقيين يقاتلون في صفوف القوات الروسية، فليس لدينا القدرة على منع اي مواطن يرغب بزيارة روسيا لأغراض الدراسة او السياحة ومن ثم يقرر الانضمام للجيش هناك، نحن لا نعرف انه سوف يذهب هناك بنية الانضمام للقتال”.

ويتابع، “وفقا للمعلومات المتوفرة لدينا، فالذين يقاتلون مع القوات الروسية لديهم دوافع اقتصادية وليست عقائدية”.

المواطن العراقي عباس حمدالله، المعروف على مواقع التواصل الاجتماعي باسم عباس المناصير، في موقع روسي بمدينة باخموت شرق أوكرانيا. (الصورة نُشرت بموافقة المناصير)

في البداية، كانت خطة المناصر، وخمسة عشر شخصا من رفاقه، العبور من روسيا إلى بيلاروسيا، ومنها إلى بولندا وصولا إلى ألمانيا بحثا عن حياة أفضل. لكن وجودهم في موسكو أوحى لهم بطريق آخر، رسمت ملامحه إعلانات التجنيد التي ملأت كوداتها الشوارع والباصات وحتى كراسي المطاعم وطاولاتها في العاصمة الروسية.

عند مسح أحد الرموز ظهر عرض مغر، يعد بـ”راتب 500 دولار” لمن يخدم داخل روسيا، ويصل إلى ثلاثة آلاف دولار على الجبهات، مع وعد بالحصول على الجنسية الروسية.

الفضول دفعهم للاستفسار من صاحبة الفندق، فكتبت لهم عنوان مكتب التطوع. وعندما قصدوه انتهى بهم المطاف في مبنى وزارة الدفاع ذاتها.

داخل المبنى، شرح المناصر للضباط عبر تطبيق ترجمة أنهم شبان عراقيون يرغبون في التطوع. وبعد سلسلة مقابلات وفحوصات طبية وتحقيقات أمنية، حصل هو ورفاقه على الموافقة. ثم نُقلوا إلى معسكر تدريب تلقوا فيه دروسا عسكرية ولغوية استمرت 27 يوما.

يقول: “كان علينا أن نتعلم الأوامر العسكرية بالروسية حتى نندمج”. بعد ذلك أُرسلوا إلى معسكر ثان، حيث استمر التدريب شهرا إضافيا قبل أن يتوزعوا على الجبهات.

المدينة الأنقاض

باخموت شرقي أوكرانيا، كانت وجهة المناصر وثلاثة من رفقه: مدينة تحولت إلى أنقاض تحت القصف.

هناك وجدوا أنفسهم ضمن كتيبة روسية يقودها ضابط شيشاني. لكن المفاجأة أنهم لم يُكلفوا بأي مهمة قتالية في الأسابيع الأولى. “القائد، قال لنا أنا كنت أتابعكم وأعلم أنكم قلقون ومحتارون وخائفون، لكن انا أبلغكم انني مسلم مثلكم وأعلم جيدا أنكم أتيتم إلى هنا وأنكم لا تعلمون كيف هي الأمور،” قال المناصر.

ظل العراقيون يستمعون إلى روايات الجنود العائدين من الخطوط الأمامية على طبيعة المعارك. بعد أسابيع بدأوا بمهام بسيطة: حفر الخنادق ومواقع الطائرات المسيّرة على بعد عشرة كيلومترات من الجبهة. ومع الوقت كُلّفوا بمهام أشد خطورة، شأنهم شأن الجنود الروس.

إلى جانب العراقيين، هناك أعداد كبيرة من المصريين والجزائريين. والعديد منهم، وفق المناصر، كانوا موجودين في روسيا قبل الحرب وهم من الخريجين والطلبة الذين يدرسون في روسيا، وكانوا يتحدثون الروسية بشكل جيد.

المواطن العراقي عباس حمدالله، المعروف على مواقع التواصل الاجتماعي باسم عباس المناصير، في موقع روسي بمدينة باخموت شرق أوكرانيا. (الصورة نُشرت بموافقة المناصير)

نسبة الموت

المناصر لم يكتفِ بالدور العسكري. يقول إنه بدأ بتوثيق يومياته في المعسكر عبر مقاطع فيديو وصور، يتحدث فيها عن التكنولوجيا الحربية والطائرات المسيّرة. “المحتوى جعلني معروفا داخل الجيش الروسي. بدأت أبث مباشرة وأشرح للشباب كيف تسير الأمور هنا، وأنصحهم بأن يكونوا مستعدين”.

“قلت لهم إن من يلتحق بالحرب يواجه احتمال موت بنسبة 99%”.

لكن بالتوازي، لاحظ كيف دخل السماسرة على الخط. بعضهم عرب يقيمون في روسيا، يعرضون على القادمين فرص عمل كسائقين أو طباخين، ثم يزجّون بهم في جبهات القتال. آخرون يستولون على المكافآت المالية عبر عقود مكتوبة بالروسية. “كنت أسأل الشباب: كيف ستعملون طباخين وأنتم لا تعرفون الروسية؟ الروس لا يتحدثون الإنكليزية أيضا”، يقول المناصر.

وبحسبه، ارتفعت المكافآت من أربعة آلاف دولار عند بداية خدمته إلى ما بين عشرة وعشرين ألفا، بحسب قانون المقاطعة الروسية التي يتطوعون للقتال فيها. ويعد الجيش الروسي المتطوعين بدفع راتب شهري مدى الحياة لذويهم في حال قتلوا، وتعليم مجاني لأبنائهم، إضافة إلى الجنسية.

يقدّر المناصر أن نحو ألف عراقي التحقوا بالجيش الروسي منذ بداية حرب أوكرانيا، قُتل منهم قرابة مئتين.

“نخشى أن يعودوا جثثا”

تواصلت “الحرة” مع عائلات ثلاثة شبان من بغداد وديالى والبصرة، تراوحت أعمارهم بين 18 و22 عاما. جميعهم غادروا بتأشيرات سياحية عبر مكاتب سفر. تحدثت العائلات بشرط عدم كشف هوياتها.

“أبناؤنا ذهبوا على أمل العمل في معسكرات خلفية، لكنهم وجدوا أنفسهم جنودا في الخطوط الأمامية. نخشى أن يعودوا إلينا جثثا”، قال أحد الآباء. وأكدت عائلة أخرى أن بعض الجثامين وصلت بالفعل إلى العراق وسط تعتيم رسمي.

في 5 سبتمبر، أصدرت السفارة العراقية في موسكو بيانا نفت فيه إصدار أي سمات دخول، ووصفت ما يروَّج على مواقع التواصل بـ”الادعاءات المضللة”.

شددت السفارة على أن الجهة الوحيدة المخوّلة هي السفارة الروسية في بغداد وقنصلياتها. وحذرت العراقيين من الانجرار وراء محاولات استدراجهم للحرب، وجددت التأكيد على موقف بغداد “الثابت على الحياد”.

لكن خبراء يرون أن هذه التحذيرات لا تكفي. واعتبر المحلل السياسي جعفر زيارة اعتبر أن “ضعف الخطط الاقتصادية، وغياب فرص العمل، وارتفاع معدلات الفقر جعلت الشباب العراقيين فريسة سهلة للتجنيد، كما حدث في حروب المحاور الإقليمية سابقا”.

وقال رئيس مركز العراق لحقوق الإنسان، علي العبادي، إن “التحاق العراقيين بالحرب خرق للدستور الذي يمنع التدخل في الحروب الخارجية”، واتهم فصائل مسلحة وشركات سياحية باستغلال الشباب.

الحكومة العراقية لم تُدل بأي تعليق مباشر. وتواصلت “الحرة” مع مكتب الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، لكن لم تحصل على إجابات.

“فكروا ألف مرة”

بعد عام من الخدمة سُرّح المناصر، لكنه جدد عقده مع الجيش الروسي. يقول: “لن أعود للعراق، لأنه لم يوفر لي شيئا”.

وبعد إتمامه الخدمة العسكرية في الجيش الروسي التي استمرت سنة كاملة، سُرح المناصر وفق الاتفاق الذي وقعه مسبقا مع الروس، لكن الاستخبارات الروسية طلبت رؤيته.

يروي المناصر تفاصيل ما جرى له مع الاستخبارات، “أبلغوني أنني مشهور وأن كثيرا من الشباب العراقيين والعرب وغيرهم تعرفوا عبر متابعتهم لمحتواي على الجيش الروسي، وكيف يستقبل الملتحقين إلى صفوفه. وسألوني لماذا أذكر في الفيديوهات التي أقدمها أن نسبة الموت 99% لمن يقبل على الخدمة في الجيش الروسي واردة، فأجبتهم أنه من الضروري أن يعلم من يريد الالتحاق في الجيش الروسي ما هو مقبل عليه”.

“فكّروا ألف مرة قبل أن تخطوا هذه الخطوة،” يقول المناصر مخاطبا الشبان العراقيين عبر “الحرة”.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading