حذّر مسؤول سابق في وزارة الدفاع الأميركية من أن حالة الجمود في الحرب الأميركية الإيرانية قد تتحول سريعًا إلى الوضع الطبيعي الجديد في الشرق الأوسط، في ظل استخدام طهران صواريخها وطائراتها المسيّرة ووكلائها الإقليميين لإبقاء خصومها في حالة دائمة من الترقب وانعدام الشعور بالأمان.
وجاء التحذير خلال فعالية لإطلاق تقرير صادر عن معهد الشرق الأوسط في واشنطن، الأربعاء.
وإلى جانب احتمال التوصل في نهاية المطاف إلى مصالحة، يستعرض التقرير الجديد الاستعدادات لمستقبل محفوف بالمخاطر، يتمثل في سعي إيران بجدية أكبر إلى امتلاك أسلحة نووية، واحتمال أن تحذو بعض دول الجوار حذوها، مدفوعة بتزايد الشكوك في استعداد واشنطن للدفاع عنها.
وقال جيسون كامبل، الذي شغل منصب مدير شؤون أفغانستان في وزارة الدفاع الأميركية بين عامي 2016 و2018، أحد المشاركين في إعداد تقرير معهد الشرق الأوسط، إن إيران تبدو، على المدى المتوسط، أكثر اهتمامًا بتحميل دول الجوار والوجود العسكري الأميركي في المنطقة تكاليف باهظة، بدلًا من السعي إلى أي نوع من التسويات الدائمة.
وأضاف كامبل: “ما أراه في المرحلة المقبلة هو غياب تسوية حاسمة، واستمرار وضع تستخدم فيه إيران قدراتها غير المتكافئة أداةً للردع، بل وللابتزاز في أنحاء المنطقة، إذا أردنا وصف الأمر بصراحة”.
وأوضح أنه حتى منظومات الدفاع الجوي المتطورة التي زوّدت الولايات المتحدة بها حلفاءها لم تتمكن من تجريد إيران من قدرتها على إلحاق الأضرار متى شاءت. فحتى لو أمكن اعتراض معظم الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، فإن القليل منها الذي يتمكن من اختراق الدفاعات يكفي لإحداث اضطرابات واسعة، كاشفًا عن ثغرة كبيرة في مظلة الأمن الأميركية في المنطقة.
ولإدراك مدى سرعة انهيار افتراضات واشنطن، اقترح كامبل إعادة قراءة استراتيجية الأمن القومي الأميركية، التي صدرت في 4 ديسمبر 2025. وقال إن الوثيقة، التي لم يمضِ على صدورها عام واحد، “تبدو الآن وكأنها كُتبت في حقبة مختلفة”.
وأضاف: “إنها تضع الشرق الأوسط صراحةً في المرتبة الرابعة ضمن خمس مناطق ذات أولوية في العالم”، قبل أن يستعرض الأولويات الإقليمية الرئيسية الواردة في الاستراتيجية.
وأوضح كامبل: “الأولوية الأولى هي ألّا تقع موارد الطاقة الخليجية في أيدي عدو. والثانية هي أن يظل مضيق هرمز مفتوحًا، والثالثة هي أن يظل البحر الأحمر صالحًا للملاحة”.
وقال إن واشنطن لم تكن معروفة أصلًا بالتزامها الصارم باستراتيجياتها.
وأضاف: “لكن ما يحدث الآن يتجاوز ذلك، في تقديري، بدرجة إضافية”.
وفي المقابل، رأى روس هاريسون، الباحث الأول في معهد الشرق الأوسط، أن الحرب قد تفتح أيضًا طريقًا نحو المصالحة، مهما بدا ذلك مستبعدًا في الوقت الراهن. وأشار إلى أن تطبيع فيتنام علاقاتها مع الولايات المتحدة وإعادة اندماجها في النظام العالمي كانا سيبدوان أمرين غير قابلين للتصديق عند انتهاء الحرب في أبريل 1975.
وقال هاريسون: “تميل الحروب إلى تقويض أشياء، فهي تحطم الافتراضات، وتغيّر طبيعة العلاقات بين الأطراف، ولنقل مثلًا بين إيران والشعب الإيراني”.
لكنه أوضح أن سلوك الدولة الإيرانية مسارًا شبيهًا بالمسار الفيتنامي يتطلب خروجها من الحرب وهي تشعر بالأمان، مشيرًا إلى أن هانوي طبّعت علاقاتها مع واشنطن لأنها اكتسبت الثقة بعد نجاحها في مقاومة قوة أكبر منها بكثير.
وقال: “خرجوا من تلك الحرب وهم واثقون: واثقون من أمنهم، وواثقون من أنهم هزموا الولايات المتحدة، أو منعوها على الأقل من تحقيق أهدافها”. وأضاف أن احتمال أن تنتهي طهران إلى وضع مماثل ليس مستبعدًا.
ومع ذلك، ستواجه إيران، خلافًا لفيتنام، خيارًا يتعلق بمواصلة السعي إلى امتلاك أسلحة نووية من عدمه. ورأى هاريسون أن اندفاعها نحو صنع قنبلة نووية أمر غير مرجح في المدى القصير إلى المتوسط، بسبب “الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي والأميركي لإيران”. لكنه حذّر من افتراض أن طهران ستتخلى عن برنامجها النووي.
وقال: “إذا اعتقدت إيران أنها قادرة على الإسراع في صنع القنبلة، فأعتقد أنها ستفعل ذلك على الأرجح”.
ويستعد المسؤولون الأتراك بالفعل لاحتمال حدوث ذلك تحديدًا.
وقالت غونول تول، المتخصصة في الشؤون التركية في معهد الشرق الأوسط، إن المسؤولين الذين أجرت مقابلات معهم لإعداد التقرير يعتقدون أن القيادة الإيرانية الجديدة باتت أكثر ميلًا إلى السعي لامتلاك أسلحة نووية.
وأضافت، ملخّصةً ما ورد في الفصل الذي أعدّته للتقرير: “إنهم يعتقدون أن إيران ستحصل بالتأكيد على القنبلة النووية، وأن على تركيا أن تفعل شيئًا حيال الأمر”.
وقالت تول إنها لا تتوقع أن تسعى أنقرة إلى امتلاك قنبلة نووية في المستقبل القريب، نظرًا إلى المخاطر المتمثلة في إلحاق أضرار جسيمة بعلاقاتها مع حلفائها في حلف شمال الأطلسي (الناتو). ورأت أن المسار الأرجح هو الحفاظ على القدرة على صنع سلاح نووي مستقبلًا، من خلال تطوير قدرات تخصيب اليورانيوم.
وأوضحت تول: “من المرجح جدًا أن تنتهج تركيا ما نسميه التحوّط النووي، أي تطوير التكنولوجيا النووية التي يمكن أن تتيح لها صنع السلاح عندما تقرر سياسيًا القيام بذلك، إن قررت ذلك أصلًا”. وأضافت أن تركيا قد تسعى إلى تطوير مجموعة متدرجة من القدرات، بما في ذلك التحول إلى “دولة على عتبة نووية“.
ولفتت تول إلى سعي تركيا للحصول على التكنولوجيا النووية المدنية الكندية، باعتباره مسارًا نحو تعزيز استقلالية برنامجها النووي. ومن المقرر أن يزور رئيس الوزراء الكندي مارك كارني تركيا هذا الأسبوع لإجراء محادثات بشأن الطاقة والدفاع، وسط توقعات بتوقيع اتفاقات للتعاون الثنائي في كلا المجالين.
وعلقت لورا كيلي، الصحفية في صحيفة “ذا هيل” التي أدارت فعالية إطلاق التقرير: “لم أكن أتوقع هذا من كندا”.
من جانبها، تحث واشنطن حلفاءها الإقليميين بالفعل على تحمّل نصيب أكبر من مسؤولية الدفاع عن أنفسهم.
وخلال كلمة ألقاها في منتدى الأمن العالمي في الدوحة، الثلاثاء، قال توم باراك، السفير الأميركي لدى تركيا المبعوث الخاص إلى سوريا والعراق، إن التفاهم القائم منذ زمن طويل بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط، والقائم على النفط مقابل الأمن، يشهد “تحولًا” مع تبنّي واشنطن نهجًا أقل تدخلًا، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن “نحن لا نغادر”.
وقال باراك: “كلما حاولنا التدخل وتغيير الشخص أو النظام، بدا أن ذلك كان خطأ”. ثم أقرّ بحجم حالة عدم اليقين المحيطة بالمرحلة الراهنة، مضيفًا: “هذا التحول معقد وصعب، وليس لدينا دليل إرشادي يوضح لنا كيفية التعامل معه”.
ومع كل الحديث عن تولّي شركاء الولايات المتحدة في المنطقة زمام أمنهم بأنفسهم، لم ترَ تول أن هناك بديلًا جاهزًا يمكنه الحلول محل القوة الأميركية.
وقالت إنها تشكك في أن يكون الاتفاق المبرم في مكة بين تركيا والسعودية وباكستان بمثابة “حلف شمال أطلسي إسلامي”، مشيرةً إلى أن الدول الثلاث تستخدم أنظمة تسليح مختلفة، وأنها في نهاية المطاف “لا تتشارك تصورًا موحدًا للتهديدات”، حتى لو كانت مشاعر الإحباط من واشنطن قد جمعتها معًا.
وأوضحت أن تركيا ترى في إسرائيل التهديد الأكبر لها، في حين يتمثل الشاغل الرئيسي للسعودية في إيران، وتخشى باكستان الهند. أما حلف شمال الأطلسي، فقد تأسس على أساس الخشية المشتركة من التوسع السوفياتي.
وفي الوقت الراهن على الأقل، يتوقف المستقبل القريب للمنطقة على القرارات التي تُتخذ في واشنطن، حيث استمر التأييد في الكونغرس للحرب، التي تقترب من إتمام شهرها الثامن، هشًا في أفضل الأحوال، وقد يتراجع أكثر خلال أسابيع.
وقال كامبل إن المكاسب المتوقعة للديمقراطيين في مجلسي النواب والشيوخ خلال انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر قد تدفع واشنطن إلى إعادة تركيز أولوياتها على نحو تشتد الحاجة إليه، من خلال زيادة احتمال أن يفرض الكونغرس قيودًا على تمويل الحرب مع إيران.
وأضاف أنه مع تولّي الكونغرس الجديد مهامه في يناير، قد تتصاعد “الضغوط باتجاه اتخاذ خطوات من قبيل خفض التمويل المخصص للحرب”. وقد تدفع هذه الضغوط المسؤولين الأميركيين إلى تحديد ما يتعين عليهم إنجازه على المدى القصير، مع ترجيح أن تكون إعادة بناء منظومات الدفاع الجوي والدفاع ضد الصواريخ في المنطقة على رأس الأولويات.
لكن كامبل رأى أن الحاجة إلى إعادة ترتيب الأولويات باتت ملحّة بالفعل، مشيرًا إلى التناقض بين الوعود العلنية التي يطلقها البيت الأبيض بشأن تحقيق الازدهار بعد الحرب وانخفاض أسعار البنزين، وبين الخيارات الصعبة التي باتت تُفرض على الشركاء الذين يتعرضون لهجمات إيرانية.
وقال: “لدينا شركاء في المنطقة يتعرضون الآن، في هذه اللحظة، للتهديد أو للهجوم من جانب إيران ووكلائها”. وأضاف أنهم “مضطرون إلى اتخاذ قرارات ستحدد مستقبل الجغرافيا السياسية للمنطقة، على نحو لا أشعر معه بأن حجم تداعيات هذه القرارات يحظى بتقدير كامل هنا في واشنطن”.