واشنطن العاصمة 01:46 PM

نزع سلاح حزب الله أمام اختبار "المناطق التجريبية"

تثير الضربات القاسية التي تلقاها حزب الله تساؤلات فيما إذا كانت ستساعد في نزع سلاحه.

· 5 دقيقة قراءة
علم حزب الله وسط أنقاض مبانٍ مدمرة في بلدة دير قانون النهر، بقضاء صور في جنوب لبنان، 15 يونيو/حزيران 2026. تصوير: عزيز طاهر - رويترز.
علم حزب الله وسط أنقاض مبانٍ مدمرة في بلدة دير قانون النهر، بقضاء صور في جنوب لبنان، 15 يونيو/حزيران 2026. تصوير: عزيز طاهر - رويترز.

بدأ في لبنان تنفيذ مقترح “المناطق التجريبية” بناء على اتفاق الإطار الموقع مع إسرائيل برعاية أميركية، وينص على انسحاب الجيش الإسرائيلي من بعض البلدات ليحل مكانه الجيش اللبناني في إطار نزع سلاح حزب الله.

وفي هذه المرحلة، يقف لبنان أمام اختبار: هل أضعفت خسارة القيادات قدرة حزب الله على حماية ترسانته، بما يجعل نزع سلاحه أكثر سهولة؟ أم جعلتها أكثير تعقيدا؟

شبكة متعددة المستويات

تشير معلومات حصل عليها موقع “الحرة” من مصدر أمني إلى أن الاغتيالات، رغم تأثيرها الكبير في هرم القيادة، لم تُحدث تحولا جذريا في إدارة حزب الله لسلاحه.

ويوضح المصدر أن المعرفة المتعلقة بمواقع الأسلحة وآليات إدارتها “لا يحتكرها أفراد بعينهم، بل تتوزع ضمن شبكة تنظيمية متعددة المستويات، ما يجعل مقتل القادة غير كافٍ لتعطيل إدارتها”.

وعمل حزب الله، على مدى سنوات، على بناء منظومة تضمن استمرارية الوحدات العسكرية حتى في حال خسارة كبار قادته، من خلال توزيع المسؤوليات وتبادل المعرفة بين المستويات القيادية المختلفة، بما يحد من تأثير سياسة الاغتيالات في بنيته العسكرية وقدرته على مواصلة العمل.

ويقول الباحث في شؤون الجماعات الإرهابية الدكتور مصطفى أمين إن أحد أبرز عناصر قوة حزب الله يتمثل في اعتماده مبدأ “الإحلال والتجديد المستمر، بحيث يكون لكل مسؤول عسكري أو أمني أو لوجستي أكثر من بديل، ما يضمن انتقال الخبرات والمعلومات بصورة منظمة داخل الهيكل التنظيمي. وبذلك، فإن مقتل قيادات الحزب، لا يعني فقدان المعرفة بمواقع السلاح أو إضعاف القدرة على إدارتها”.

وتعرض حزب الله لحملة اغتيالات شنتها إسرائيل استهدفت معظم الحلقة القيادية العليا فيه، وفي مقدمتها الأمينان العامان حسن نصر الله وهاشم صفي الدين، إلى جانب قادة عسكريين وأمنيين أشرفوا على منظومات الصواريخ، وقوة الرضوان، وقيادة الجبهة الجنوبية.

ويرى الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن سرعة تعيين بدلاء لعدد من القادة العسكريين في إيران بعد اغتيالهم “تعكس نموذجاً مشابهاً لما اعتمده حزب الله، بحكم العلاقة التنظيمية والعقائدية التي تربطه بالحرس الثوري الإيراني”.

ويعتبر في حديث لموقع “الحرة” أن استمرار الحزب في إدارة عملياته بعد خسارة عدد من أبرز مسؤوليه “يؤكد أن منظومة القيادة ليست قائمة على أشخاص، بل تستند إلى مؤسسة تنظيمية”.

خسارة الإمدادات

لكن استمرار البنية التنظيمية لا يعني أن الحزب خرج من الحرب كما دخلها. فالضربات التي استهدفت قياداته ترافقت مع خسائر واسعة في بنيته العسكرية، ومع تبدلات إقليمية جعلت إعادة بناء قدراته أكثر تعقيداً من مجرد ملء الشواغر داخل القيادة.

فمع سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، خسر حزب الله إحدى أهم الركائز التي اعتمد عليها لعقود في نقل السلاح والذخائر من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان. كما ضاق هامش الحركة على المنافذ الرسمية بين لبنان وسوريا وتشديد الرقابة على مطار رفيق الحريري الدولي ووقف الرحلات الإيرانية، في إطار ضغوط داخلية وخارجية استهدفت سد قنوات الإمداد التقليدية.

ولا تقتصر الضغوط الهادفة إلى تضييق خطوط إمداد حزب الله على الساحة السورية، بل تمتد إلى العراق، في إطار تنسيق أمني واستخباراتي يسعى إلى الحد من تدفق الأسلحة إلى لبنان.

وفي أعقاب زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن، شددت السلطات العراقية إجراءات الرقابة على مسارات تهريب السلاح، وفتحت تحقيقاً إثر ضبط شحنة أسلحة في سوريا، مصدرها العراق، كانت في طريقها إلى حزب الله.

واتجه حزب الله، بعدما أصبح الاعتماد على خطوط الإمداد الخارجية أكثر صعوبة، إلى توسيع قدراته في التصنيع المحلي، ولا سيما في إنتاج الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والأسلحة المضادة للدروع، مستفيداً من الخبرات التقنية الإيرانية، بحسب معهد “ألما” الإسرائيلي المتخصص في الدراسات الأمنية.

ومع دخول الجيش اللبناني إلى بلدة زوطر الغربية، تكون الدولة قد بدأت تنفيذ المرحلة الأولى من ترتيبات يُفترض أن تتوسع تدريجياً لتشمل بقية المناطق الجنوبية.

وخلال لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، شدد الرئيس جوزاف عون على أن نجاح هذا المسار يتطلب استكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، بالتوازي مع تعزيز قدرات الجيش بما يتيح له بسط سلطة الدولة وترسيخ الاستقرار.

إلا أن هذا المسار يعيد إلى الواجهة تجربة سابقة لا تزال تثير تساؤلات. ففي يناير الماضي، أعلن الجيش اللبناني إنجاز مهمة نزع سلاح حزب الله جنوب نهر الليطاني، غير أن الحرب الأخيرة كشفت عن وجود مستودعات أسلحة ومنشآت عسكرية للحزب داخل المنطقة نفسها، ما أظهر محدودية نتائج التجربة السابقة، وجعل نجاح المرحلة الحالية مرتبطاً بقدرة آليات التحقق والرقابة على ضمان تنفيذها بصورة فعلية.

وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي الدكتور هادي مراد أن اغتيال عدد كبير من القيادات العسكرية، ولا سيما المسؤولين عن إدارة القطاعات الميدانية في الجنوب، قد يجعل مهمة الجيش أكثر سهولة من الناحية التنفيذية، لأن الحزب فقد جزءاً من القيادة القادرة على اتخاذ قرارات مركزية تمنع دخول مؤسسات الدولة إلى المناطق التي تنتشر فيها الأسلحة.

في المقابل، لا يستبعد ملاعب أن يلجأ حزب الله، عند تعرضه لضغوط للكشف عن مخازن أسلحته، إلى التذرع بأن اغتيال عدد من قياداته “أدى إلى فقدان جزء من المعلومات المتعلقة ببعض مستودعات الأسلحة”.

مخاوف من مواجهة داخلية

غير أن المصدر الأمني يحذر من أن “أي محاولة لفرض نزع السلاح بالقوة قد تدفع البلاد إلى مواجهة داخلية، أو تضع المؤسسة العسكرية أمام اختبار شديد الحساسية، بما يحمله ذلك من مخاطر على تماسكها”.

ويؤكد أن نجاح أي خطة تنفذها الدولة “يبقى رهناً بتوفير توافق سياسي واسع، يجنّب الجيش الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع حزب الله”.

ويضيف أن رئيس مجلس النواب نبيه بري “سيكون أحد اللاعبين الأساسيين في هذه المرحلة، بحكم ثقله داخل البيئة الشيعية، إذ إن موقفاً واضحاً منه يمكن أن يشكل غطاءً سياسياً يحول دون انتقال أي اعتراض على نزع السلاح إلى داخل المؤسسة العسكرية، ويحدّ من احتمال انشقاق عسكريين شيعة من صفوفها. وفي المقابل، فإن إحجامه عن توفير هذا الغطاء، قد يضع تماسك الجيش أمام اختبار بالغ الصعوبة”.

في المحصلة، يقف لبنان أمام مرحلة مفصلية. فنجاح الدولة لن يُقاس بمجرد انتشار الجيش في الجنوب، بل بمدى قدرتها على نزع السلاح غير الشرعي وترسيخ احتكارها لاستخدام القوة. وعندها فقط، سيتضح ما إذا كانت الضربات التي أضعفت البنية القيادية لحزب الله قد فتحت الطريق أمام نزع سلاحه، أم جعلت هذه المهمة أكثر تعقيداً.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة