طرحت مذكرة التفاهم التي توصلت إليها دمشق وموسكو بشأن القاعدتين الروسيتين في سوريا تساؤلات فيما إذا كانت موسكو خسرت وجودها في سوريا بالكامل، أم أنها ستحتفظ ببعض الحضور ولكن تحت مظلة دمشق.
فبعد عام ونصف من المفاوضات بشأن قاعدتي حميميم وطرطوس، توصلت دمشق وموسكو إلى مذكرة تفاهم تبدأ بموجبها “عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس”.
وبالنسبة للقواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري، فقد اتفق الطرفان على إعادة صياغة وظيفتها، بحيث تتحول من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة.
وشكّلت حميميم وطرطوس طوال سنوات الركيزتين الأساسيتين للوجود العسكري الروسي في الشرق الأوسط والبحر المتوسط.
فمن قاعدة حميميم الجوية نفذت الطائرات الروسية عملياتها العسكرية دعما لنظام بشار الأسد منذ تدخل موسكو المباشر في سوريا عام 2015، فيما وفرت منشأة طرطوس البحرية نقطة إمداد وصيانة وانتشار للأسطول الروسي في البحر المتوسط.

وبينما تصف دمشق الاتفاق بأنه انتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على السيادة والمصالح المشتركة، انقسمت القراءات الروسية بين من يراه تكيّفا مع الظروف الجديدة، ومن يعتبره هزيمة أخرى لسياسة موسكو وتراجعا لنفوذها في المنطقة.
ولم يكشف الإعلان الرسمي السوري المصير القانوني للاتفاقيات السابقة التي منحت موسكو امتيازات طويلة الأمد، بينها عقد استخدام منشأة طرطوس لمدة 49 عاما، وترتيبات غير محددة المدة في حميميم.
وبعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، تراجعت القوات الروسية من عدد من مواقعها داخل سوريا، لكنها حافظت على وجودها في حميميم وطرطوس، بانتظار حسم المفاوضات مع السلطة السورية الجديدة.
لذلك، فإن الانتقال من وصف “قواعد روسية” إلى “مراكز تدريب وتأهيل مشتركة” ليس مجرد تعديل لغوي. فالصيغة الجديدة تعني، نظريا، إنهاء الإدارة الروسية المنفردة وإدخال المؤسسات السورية في القيادة والإشراف.
لكن تحديد حجم التغيير الحقيقي سيبقى مرتبطا بالتفاصيل التنفيذية: من يقود هذه المراكز؟ وكم جنديا وطائرة وسفينة ستحتفظ بها موسكو؟ وهل ستبقى مستودعات الأسلحة ومنظومات الدفاع الجوي؟ وهل تحتاج أي حركة روسية إلى موافقة سورية مسبقة؟
من دون إجابات واضحة عن هذه الأسئلة، يصعب وصف الاتفاق بأنه خروج نهائي، بقدر ما يبدو إعادة تنظيم وتقليصا للوجود الروسي وإخضاعه لشروط جديدة.
يرى عمار جلو، الباحث في مركز الحوار للأبحاث والدراسات في واشنطن، أن الاتفاق يأتي في إطار سعي دمشق لتفكيك الإرث الثقيل الناتج عن دعم روسيا لنظام الأسد، وإعادة تنظيم العلاقة على أسس جديدة، لأنها لا تستطيع، في وضعها الحالي، تجاهل موسكو أو الانتقال إلى علاقة عدائية معها.
وتمثل مذكرة التفاهم الضمانة القانونية الأساسية لتنظيم الوجود الروسي، لكن الاختبار الحقيقي للسيادة سيكون في التفاصيل التنفيذية، وخصوصا الجهة صاحبة الولاية القضائية على العسكريين الروس.
يقول جلو إن القطيعة الكاملة ليست خيارا سهلا بالنسبة إلى الطرفين، بسبب العلاقات التاريخية بين سوريا وروسيا، منذ الحقبة السوفيتية، وتشابك المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية.
فموسكو، تحتاج إلى وجودها في طرطوس وحميميم للحفاظ على موطئ قدم في سوريا والبحر المتوسط، فضلا عن أهمية الساحل السوري بوصفه بوابة لتحركاتها نحو أفريقيا.
وفي المقابل، تحتاج دمشق إلى روسيا لإيجاد توازن في علاقاتها الدولية والحصول على هامش للمناورة في علاقتها مع الغرب، إلى جانب التعاون في الملفات الاقتصادية والطاقة والدعم داخل المؤسسات الدولية.
كما لفت جلو إلى دور تركي وصفه بأنه “حساس وفعال” في تقارب دمشق وموسكو وتنظيم العلاقة بينهما، معتبرا أن أنقرة لا تريد أن تتحول سوريا إلى ساحة خالصة للغرب أو لروسيا، خصوصا في ظل مخاوفها من اتساع النفوذ الإسرائيلي.
اصطفاف مع الغرب؟
منذ سقوط نظام الأسد، انفتحت دمشق على الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية، بالتوازي مع سعيها إلى إعادة تعريف علاقتها بموسكو. لكن مذكرة التفاهم، بحسب جلو، لا تمثل اصطفافا سوريا نهائيا إلى جانب الغرب على حساب روسيا.
ويرى أن السياسة الخارجية السورية الجديدة تقوم على تجنب الدخول في تحالفات ومحاور مغلقة، ومحاولة بناء علاقات متوازنة تستند إلى المصالح الوطنية.
وفي المقابل، يوضح جلو أن أي تفاهم عسكري سوري–روسي لا يصب بالضرورة في مصلحة الغرب، مميزا بين موقف أوروبي شديد الحساسية تجاه استمرار النفوذ الروسي، وموقف أميركي أكثر مرونة، ينظر إلى سوريا باعتبارها ساحة تنافس وتفاهم محتمل مع موسكو في الوقت نفسه.
وبحسب هذه القراءة، يسمح الاتفاق لدمشق باستعادة قدر من السيطرة على منشآتها من دون قطع العلاقة مع موسكو، ويمنحها مساحة للحركة بين القوى الدولية بدلا من الاعتماد الكامل على طرف واحد.
هزيمة للسياسة الروسية؟
في الجانب الروسي، يقدم الاتفاق صورتين متناقضتين بشأن ما كسبته موسكو وما خسرته.
فالسفير الروسي السابق لدى لبنان ألكسندر زاسيبكين يرى أن الفكرة الأساسية للاتفاق سليمة، ولا تعني نهاية التعاون العسكري بين البلدين.
وقال زاسيبكين، في تصريح خاص لـ”الحرة”، إن “الفكرة الأساسية للبيان السوري–الروسي تتمثل في تطوير التعاون العسكري الثنائي طويل الأمد وفقا للظروف الراهنة، بما ينسجم مع المصالح المشتركة للبلدين”.
وأضاف أن تفاصيل تنفيذ الاتفاق ستتضح تدريجيا، في إشارة إلى أن الحكم النهائي على مستقبل الوجود الروسي يحتاج إلى انتظار الترتيبات العملية التي ستطبق خلال الأشهر المقبلة.
لكن العقيد السابق في الجيش الروسي والخبير العسكري سيرغي شاشكوف قال شاشكوف في تصريح خاص لـ”الحرة” إن الاتفاق “مؤسف ويعكس تراجع نفوذ موسكو في المنطقة”، مضيفا: “لا أرغب في الخوض في التفاصيل، لكن برأيي الشخصي يمثل هذا التطور هزيمة أخرى للسياسة الروسية، مع الأسف الشديد”.
ويعكس التباين بين الموقفين طبيعة الاتفاق نفسه: فروسيا لم تخرج نهائيا من سوريا، لكنها وافقت على الانتقال من صيغة منحتها على مدى سنوات سيطرة واسعة ومباشرة على منشآت استراتيجية، إلى وجود عسكري مشترك تحكمه ترتيبات جديدة.