واشنطن العاصمة 07:45 AM

نزيف الناقلات.. ضربة لقلب الاقتصاد الإيراني

خروج ناقلات إيران عن الخدمة ينعكس سلبا على قدرتها على تصدير النفط وتخزين الخام والحفاظ على مستويات الإنتاج.

· 5 دقيقة قراءة
ناقلة نفط خام إيرانية تحمل اسم M/T Riesco تشتعل بعد تعرضها للاستهداف، فيما قالت القيادة المركزية الأميركية إنها استهدفت الناقلة عقب محاولات إيرانية خلال اليومين الماضيين لمهاجمة سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية بصواريخ، وذلك في موقع غير معروف، وفقاً لهذه اللقطة المأخوذة من مقطع فيديو نشر في 8 سبتمبر 2026. القيادة المركزية الأميركية/توزيع عبر رويترز. الصورة مقدمة من طرف ثالث. يُشترط ذكر المصدر. تتضمن الصورة إضافات من المصدر. التحقق: تعذر التحقق من الموقع والتاريخ. لم يتم العثور على نسخ أقدم من الفيديو منشورة على الإنترنت قبل 8 سبتمبر.

خسرت إيران خلال أسبوع واحد 10 ناقلات نفط تشكل جزءا من “أسطول الظل” الذي تعتمد عليه لبيع نفطها والالتفاف على العقوبات، وتأمين عائدات بالعملة الأجنبية، في وقت تواجه حصارا بحريا أميركيا يمنع صادراتها ووارداتها، ما يضع قدرتها على تصدير النفط وتأمين مواردها المالية أمام ضربة جديدة.

وقالت القيادة المركزية الأميركية، الثلاثاء، إن قواتها دمرت خمس ناقلات نفط خام إيرانية، هي “كافيز” و”شارمينار” و”هورايزن 1″ و”ريسكـو” في خليج عُمان، و”دريا” قرب جزيرة خرج، ردا على استهداف الحرس الثوري الإيراني، الذي تصنفه واشنطن جماعة إرهابية، سفينة حربية أميركية بصواريخ باليستية. ويأتي ذلك بعد مصير مشابه، لاقته 5 ناقلات إيرانية خلال الأسبوع الماضي.

وأوضحت القيادة المركزية أن الناقلات التي تم استهدافها هي جزء من “أسطول الظل” لتهريب النفط الإيراني الذي يمول الحرس الثوري ووكلاءه في المنطقة بمليارات الدولارات.

وندّدت الخارجية الإيرانية في بيان نقلته وكالة “إسنا” الأربعاء، بالهجمات الأميركية على ناقلات النفط وحذرت من تداعياتها، وقالت طهران إن قواتها ردت بمهاجمة سفن وقواعد ومنشآت عسكرية أميركية.

وحذر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو من أن الولايات المتحدة ستواصل استهداف ناقلات النفط الإيرانية ردا على محاولات مهاجمة السفن الحربية الأميركية.

وتستخدم إيران ما يعرف بـ “أسطول الظل” لنقل النفط رغم العقوبات، عبر سفن مرتبطة بشركات وواجهات في دول مختلفة، مع تغيير هياكل الملكية والتسجيل، وتنفيذ عمليات نقل من سفينة إلى أخرى والتلاعب بأنظمة التتبع أو تعطيلها، وفق وزارة الخزانة الأميركية.

ويأتي ذلك في إطار الحصار البحري الأميركي على حركة السفن من وإلى إيران، والذي طبقته القيادة المركزية الأميركية على مرحلتين؛ إذ شهدت المرحلة الأولى، بين 13 أبريل و18 يونيو، إعادة توجيه أكثر من 140 سفينة امتثلت للتعليمات الأميركية، وتعطيل 9 سفن غير ممتثلة، والسماح بمرور أكثر من 50 سفينة تجارية تحمل مساعدات إنسانية.

وبعد استئناف الحصار في 14 يوليو، بعد انهيار مذكرة التفاهم مع طهران، أعلنت “سنتكوم” أنها أعادت توجيه 9 سفن تجارية وعطّلت سفينة واحدة لمنعها من دخول الموانئ الإيرانية أو مغادرتها.

ويقول محمد رضا فرزانيغان، أستاذ اقتصاد الشرق الأوسط في جامعة ماربورغ الألمانية لـ”الحرة”، إن شبكة أسطول الظل “لعبت دورا محوريا في استمرار صادرات النفط الإيرانية”.

وتشير تقديرات S&P Global  إلى أن “أسطول الظل” الإيراني كان يضم نحو 170 سفينة في سبتمبر 2025، بينها 86 ناقلة عملاقة يتسع كل منها لنحو مليوني برميل نفط.

ويقول فرزانيغان إن استمرار خسائر الناقلات، بالتزامن مع العقوبات والمخاطر العسكرية، “قد يقلل قدرة الشحن ويدفع المصافي والتجار ومالكي السفن الصينيين إلى تجنب النفط الإيراني خشية العقوبات الأميركية الثانوية”.

لكنه لا يرى أن خسارة عدد محدود من الناقلات تعني تلقائيا “فقدان إيرادات بعشرات المليارات من الدولارات، إذ تستطيع إيران نظريا استبدال بعض السفن”.

تراجع الصادرات يضغط على شبكة النفط الإيرانية

وتشير بيانات شركة كبلر لمراقبة الطاقة والشحن البحري، إلى تراجع الخام الإيراني الموجود على متن ناقلات خارج نطاق الحصار البحري الأميركي إلى نحو 29 مليون برميل، مقارنة بنحو 90 مليون برميل في منتصف يوليو.

كما لم تعبر شحنات الخام الإيراني خط الحصار منذ إعادة فرضه في منتصف يوليو، بينما استمرت عمليات تحميل محدودة داخل الخليج. ووفق بيانات كبلر، بلغت تحميلات الخام الإيراني نحو 156 ألف برميل يوميا حتى 17 أغسطس، مقارنة بمتوسط 893 ألف برميل يوميا في يوليو.

ويأتي ذلك وسط اضطراب أوسع في إمدادات المنطقة. فقد قالت إدارة معلومات الطاقة الأميركية إن مخزونات النفط العالمية تراجعت بنحو 400 مليون برميل منذ بداية العام، مع توقع استمرار الانخفاض حتى نهاية 2026، وعدم عودة الصادرات لمستويات ما قبل الصراع قبل الربع الثاني من 2027.

ويضيف خالد مال الله العوضي، مستشار الطاقة في شركة “هوك إنرجي”، أن “تأثير خسارة الناقلات لا يقتصر على نقل النفط، بل يشمل أيضا التخزين العائم”.

ويقدّر العوضي أن إيران كانت تمتلك نحو 50 ناقلة مخصصة للتخزين العائم، تستخدمها للاحتفاظ بالنفط ثم طرحه للبيع عندما تتوافر الظروف المناسبة.

ويمثل النفط قلب الاقتصاد الإيراني. ووفق بيانات منظمة أوبك، بلغت قيمة صادرات إيران من النفط والمنتجات البترولية 45.3 مليار دولار في 2025. ويقدّر فرزانيغان أن تراجع الصادرات بنسبة 50 في المئة قد يعني خسارة نحو 23 مليار دولار سنويا من العائدات، بحسب الأسعار والخصومات وتكاليف النقل وقدرة إيران على بيع النفط المخزن.

وبحسب مكتبة مجلس العموم البريطاني، يمكن أن تصل حصة إيرادات النفط إلى نحو ثلث إيرادات الموازنة الإيرانية.

العملة والاقتصاد أمام ضغوط إضافية

وتستخدم إيران ناقلات مستأجرة من شركات خارجية لنقل النفط، إذ قالت وزارة الخزانة الأميركية إن جهات إيرانية استخدمت شركات في الإمارات وهونغ كونغ لاستئجار سفن لنقل النفط إلى الصين.

ويرى العوضي أن “ارتفاع تكاليف النقل قد يدفع طهران إلى تقديم خصومات أكبر للمشترين”، كما يمكن لها زيادة الاعتماد على “النقل البري عبر باكستان وأفغانستان، رغم كلفته ومحدوديته مقارنة بحجم صادرات النفط عبر البحر”.

وأطلقت وزارة الخزانة الأميركية في 24 أغسطس حملة “المنبوذ الاقتصادي”، وقالت إنها تستهدف شبكات تهريب النفط والقنوات المالية المستخدمة للالتفاف على العقوبات.

وتملك طهران بدائل لتصدير الخام، بينها النقل من سفينة إلى أخرى والتخزين العائم، إضافة إلى خط أنابيب غورِه-جاسك ومحطة تصدير جاسك على خليج عُمان، إلا أن هذا المسار لم يوفر حتى الآن بديلا واسع النطاق للبنية التقليدية لتصدير النفط.

ويقول فرزانيغان إن استمرار انخفاض صادرات النفط الإيراني سيقلل إيرادات الحكومة وتدفقات العملات الصعبة، ما قد يزيد الضغط على الريال ويرفع تكلفة الواردات، بما فيها الغذاء والأدوية والمدخلات الصناعية.

وكان صندوق النقد الدولي قد توقع أن ينكمش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4 في المئة خلال 2026، مع متوسط تضخم يبلغ نحو 68.9 في المئة.

وبذلك، تتحول معركة الناقلات إلى اختبار مباشر لقدرة الاقتصاد الإيراني على الصمود تحت الضغط. فكلما ازدادت تجارة النفط خطورة وكلفة، ازدادت صعوبة طهران في تسويق إنتاجها والحفاظ على النموذج الذي مكّنها لسنوات من تحويل النفط إلى مصدر للعائدات المالية رغم العقوبات.

وإذا استمر استنزاف هذا النموذج، فقد تجد إيران نفسها أمام معادلة أكثر صعوبة: نفط يمكن إنتاجه، لكن الوصول به إلى المشتري وتحويل عائداته إلى موارد قابلة للاستخدام يصبح أكثر تعقيدا، فيما تضيق قدرتها على تخزين الكميات التي لا تجد طريقها إلى الأسواق، ما قد يدفعها في نهاية المطاف إلى خفض الإنتاج أو حتى وقف جزء منه.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة