سيطر الحوثيون، الخميس، على مدينة المخا القريبة من باب المندب، ومديريات حيس والخوخة، ووصلت عناصر الجماعة المدعومة من إيران إلى جزر في جنوب البحر الأحمر، في تقدم يعزز قدرتها على تهديد حركة الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وبسقوط المخا وأرخبيل جزر حنيش الاستراتيجي، بات الحوثيون أقرب إلى باب المندب، فيما تتقدم قواتهم جنوبا نحو مديرية ذوباب المطلة على المضيق، والتي انسحبت إليها القوات الحكومية والقوات المتحالفة معها.
ويكتسب هذا التقدم أهمية أكبر في وقت تعتمد فيه السعودية بصورة متزايدة على البحر الأحمر لتصدير نفطها، بعدما عطلت الحرب مع إيران حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز.
ووصف وكيل وزارة العدل اليمينة فيصل المجيدي، في تصريح خاص لـ “الحرة” سقوط المخا بأنه “انتصار إيراني”، يتيح لها التحكم في حركة الملاحة في باب المندب.
وهاجم الحوثيون، الذين تصنفهم واشنطن جماعة إرهابية، مدينة المخا عبر جبهتين شمالية انطلقت من الحديدة، وشرقية من ضواحي مدينة تعز.
وأحدث سقوط المخا المفاجئ، تحولا في ميدان العمليات القتالية في اليمن.
وقال مصدر حكومي يمني لـ “الحرة”، لم يكشف عن هويته لأنه غير مخول بالحديث للإعلام، إن سقوط المخا شكّل “صدمة للحكومة”، وإن هذا التطور يعني أن باب المندب بات تحت سيطرة الحوثيين، وإن مدينة تعز أصبحت معزولة، بعد فقدانها طرق الإمداد التي سيطر الحوثيون عليها.
وإن تمكن الحوثيون في اليمن من السيطرة على منطقة ذوباب، جنوبي المخا، فإن ذلك سيمنحهم نفوذا قويا على جزيرة ميون التي تقسم مضيق باب المندب إلى مسارين ملاحيين، حيث تمر السفن من خلال الممر الغربي الذي يبلغ عرضه نحو 26 كيلومترا.
وقال المجيدي، إن خسارة معركة المخا لا تعني نهاية الحرب، ولكنه أقر بوجود إشكالات تتمثل في “عدم نضج” غرفة القيادة والسيطرة التي توجه القوات المتحالفة مع القوات الحكومية، وأشار إلى تحديات أخرى تتعلق بتحكم جماعة الحوثي بمنظومة الاتصالات في اليمن، وقدرة الجماعة على اختراقها وحجبها وتحديد مواقع مستخدميها في الجبهات.
وتتكون القوات العسكرية التي تناهض الحوثيين من 5 تشكيلات رئيسية، أبرزها قوات الجيش الوطني التابعة لحكومة مجلس القيادة، برئاسة رشاد العليمي، التي تنضوي تحتها فصائل “المقاومة الشعبية” في مأرب، وتعز، إلى جانب قوات “درع الوطن”، وتدعم السعودية هذه القوات بالسلاح والمعلومات الاستخباراتية.
وفي المقابل أسهمت الإمارات، قبل انسحابها من اليمن، في دعم وتأسيس بقية التشكيلات الثلاث وهي ألوية العمالقة الجنوبية، وقوات المقاومة الوطنية، وقوات المجلس الانتقالي الجنوبي.
ويرى العميد اليمني المتقاعد خالد النسي، في تصريحات لـ “الحرة” أن مشكلة القوات المناوئة للحوثيين، تكمن في تعدد ولاءاتها، واختلاف عقيدتها، وأهدافها، ومسارات قرارها، وضعف الثقة بين أطرافها، رغم وجودهم في معسكر واحد ضد الحوثيين.
وشهد المعسكر المناهض للحوثيين خلافات خلال سنوات الحرب، وفي نهاية 2025، تصاعد التوتر السعودي الإماراتي بشأن جنوب وشرق اليمن، ففي ديسمبر سيطرت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيا على مناطق في حضرموت والمهرة، ووصفت السعودية التحركات بأنها تهديد لأمنها الوطني.
وفي 30 ديسمبر أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، المدعوم من السعودية، رشاد العليمي قرارا بإلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات، وطالب قواتها بمغادرة اليمن خلال 24 ساعة.
وأيدت السعودية الطلب اليمني، وطالبت الإمارات بقبول خروج قواتها ووقف أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف داخل اليمن، ورفضت أبوظبي الاتهامات بشأن دورها في التطورات، قبل أن تعلن إنهاء وجود قواتها، مؤكدة لاحقا اكتمال الانسحاب في الثاني من يناير 2026.
ومنذ ذلك الوقت، بقيت ظلال الخلاف السعودي الإماراتي على الأرض، وانعكست على انسجام أعضاء مجلس القيادة المؤلف من قادة هذه القوات، وعلى مستوى الثقة في التحالف بينها في مواجهة الحوثيين.
وبعد سقوط المخا، وسيطرتها على الجزر الاستراتيجية في البحر الأحمر، سارعت جماعة الحوثي إلى إعلان أن حركة “الملاحة آمنة” لجميع الشركات في البحر الأحمر، باستثناء السفن المرتبطة بالسعودية تنفيذا لما أسمته “حصارا بحريا” أعلنته ضد المملكة في يوليو الماضي.
ولجأت السعودية إلى الاعتماد على تصدير وشحن نفطها عبر البحر الأحمر، بعدما عرقلت حرب إيران مرور ناقلات النفط في مضيق هرمز الذي تمر عبره نحو 20 بالمئة من إمدادات الطاقة للأسواق العالمية.
ومن شأن سيطرة الحوثيين على مضيق باب المندب، تعطيل المنفذ الجديد الذي اعتمدته السعودية لتصدير نفطها.
وارتفعت أسعار خام برنت بعد سيطرة الحوثيين على المخا والجزر في البحر الأحمر إلى 105 دولارات للبرميل بسبب مخاوف تعطل سلاسل الإمداد.
ويذهب الخبير الاقتصادي، مستشار الطاقة في “هوك إنرجي”، خالد العوضي، إلى أن ناقلات النفط ستضطر إلى الالتفاف حول نصف العالم والإبحار غرب القارة الإفريقية إن عطل الحوثيون الملاحة في مضيق باب المندب.
وسبق أن تجنبت السفن التجارية مسار مضيق باب المندب عام 2023، بعدما استهدف الحوثيون حركة الملاحة فيه، فيما اعتبروه تحركا لـ “دعم لغزة”.
وزاد المسار الطويل حينها من كلفة الشحن والتأمين وأحدث فجوة في زمن وصول الشحنات إلى جنوب آسيا التي تستورد دولها نحو 70% من صادرات النفط السعودي.
ويرى الكاتب والخبير الاقتصادي العماني، خلفان الطوقي، أن قرار تحديد مسارات الملاحة لا يرتبط بالسفن وحدها، ولكن بشركات النقل وشركات التأمين التي قد ترفض تشغيل السفن في هذا المسار أو تأمينها في ظل وجود تهديد مباشر.
لكن تقدم الحوثيين لا يعني أنهم يسيطرون على باب المندب، لكنه يمنحهم موقعا أقوى لتهديد الملاحة عبره، في وقت أصبح فيه البحر الأحمر أكثر أهمية لصادرات الطاقة الخليجية.