فتحت الهجمات الحوثية الأخيرة على منشآت للطاقة في السعودية جبهة جديدة في التصعيد الذي تشهده المنطقة، في وقت تواجه فيه إيران ضغوطا أميركية متزايدة على صادراتها النفطية وحركة سفنها في مضيق هرمز.
وأعلنت وزارة الطاقة السعودية، الثلاثاء، توقف عدد من منشآت ومرافق قطاع الطاقة في جنوب المملكة بعد تعرضها لهجمات.
وقال الحوثيون إنهم استهدفوا منشآت تابعة لشركة “أرامكو” في أبها ونجران وجازان والمدينة الاقتصادية، إلى جانب قاعدة خميس مشيط الجوية، باستخدام صواريخ باليستية وطائرات مسيرة.
وتأتي الهجمات فيما تشهد حركة الملاحة والطاقة في الخليج ضغوطا متزايدة بسبب المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، ما يضع اثنين من أهم مسارات صادرات الطاقة في المنطقة، مضيق هرمز والبحر الأحمر، تحت مستوى مرتفع من المخاطر.
وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت فوق 100 دولار للبرميل، الأربعاء، مسجلة أعلى مستوياتها منذ أكثر من 6 أسابيع. وفي السعودية، ارتفع سهم أرامكو بنسبة 0.8 في المئة الثلاثاء رغم الهجمات التي طالت منشآت تابعة للشركة.
وتثير هذه التطورات تساؤلات بشأن مدى ارتباط التحركات الحوثية بالضغط الذي تتعرض له طهران، وما إذا كانت إيران تحاول توسيع كلفة المواجهة إلى مسارات أخرى للطاقة في المنطقة.
وكانت “رويترز” ذكرت في يوليو، نقلا عن مسؤولين إيرانيين ومصدر إقليمي، أن طهران طلبت من الحوثيين الاستعداد لإغلاق مضيق باب المندب، إذا تعرضت منشآت الطاقة الإيرانية لهجوم.
ويرى اللواء السعودي المتقاعد عبد الله غانم القحطاني أن هجمات الحوثيين لا يمكن فصلها عن علاقتهم الطويلة بإيران وعن العقيدة السياسية والعسكرية التي تجمع الطرفين.
وخلال الأيام الأخيرة، تصاعدت المواجهة في الخليج بعدما أعلنت إيران أنها هاجمت عشر سفن قرب مضيق هرمز ردا على إغراق الولايات المتحدة خمس ناقلات نفط إيرانية، في أكبر تبادل للهجمات على حركة الشحن منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من ستة أشهر.
كما استهدفت القوات الأميركية 3 ناقلات نفط خام إيرانية، بينها ناقلة قرب جزيرة خرج، المركز الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية، ردا على إطلاق الحرس الثوري الإيراني، المصنف على قوائم الإرهاب الأميركية، صواريخ باليستية باتجاه سفن حربية أميركية كانت تقوم بدوريات في المنطقة.
وبعد الهجوم على الناقلات الإيرانية، حذر رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف من أن منشآت النفط والغاز الأميركية في المنطقة يمكن أن تواجه المخاطر نفسها.
وكتب قاليباف على منصة إكس أن سلسلة إنتاج النفط والغاز “واسعة ويسهل الوصول إليها ومكشوفة”، في إشارة إلى إمكانية اتساع نطاق استهداف منشآت الطاقة.
وتعتمد السعودية على منشآت تصدير رئيسية على ساحل الخليج، بينها رأس تنورة والجعيمة، كما تملك منفذا رئيسيا على البحر الأحمر عبر ميناء ينبع وشبكة أنابيب تنقل النفط من شرق البلاد إلى غربها.
وتمنح هذه الشبكة المملكة قدرة أكبر على تحويل جزء من صادراتها بين الخليج والبحر الأحمر عندما يتعرض أحد المسارين للاضطراب، لكن اتساع الهجمات إلى الجبهتين في وقت واحد يزيد المخاطر التشغيلية وتكاليف الشحن والتأمين.
ويقول القحطاني إن إيران تسعى، في ظل الضغوط التي تتعرض لها، إلى رفع كلفة المواجهة على دول المنطقة والاقتصاد العالمي من خلال حلفائها.
ولا يقتصر أثر الهجمات على السعودية. فاستمرار التوتر في الخليج والبحر الأحمر يهدد برفع أسعار النفط وتكاليف النقل والتأمين، وهي أعباء يمكن أن تنتقل لاحقا إلى الدول المستوردة للطاقة في صورة ارتفاع في أسعار السلع والخدمات.
ورفع بنك غولدمان ساكس توقعاته لأسعار النفط إذا لم تعد الإمدادات إلى مستوياتها الطبيعية، محذرا من أن خام برنت قد يتجاوز 120 دولارا للبرميل إذا ظل متوسط إنتاج الخليج في عام 2027 أقل بأربعة ملايين برميل يوميا من مستويات ما قبل الحرب.
ويقول الأكاديمي السعودي محمد بن دليم القحطاني إن استهداف قطاع الطاقة السعودي لا يمثل ضغطا على المملكة وحدها، بل يمكن أن يمتد أثره إلى أمن الطاقة العالمي.
وتعد السعودية من أكبر منتجي ومصدري النفط في العالم، ويذهب القسم الأكبر من صادراتها إلى الأسواق الآسيوية.
ويضيف القحطاني أن المملكة تمتلك شبكة واسعة من المنشآت وخطوط الأنابيب وموانئ التصدير، إضافة إلى طاقة إنتاجية مرتفعة، ما يمنحها قدرة على التعامل مع الاضطرابات وتقليل أثر الهجمات على الإمدادات.
لكن استمرار الهجمات يمكن أن يرفع المخاطر الجيوسياسية وتكاليف التأمين والشحن حتى من دون التسبب بتعطل طويل في الإنتاج.
ويرى الباحث في الشؤون الإيرانية وآسيا الوسطى مسعود الفك أن الهجمات الحوثية تهدف، بين أمور أخرى، إلى زيادة الضغط على السعودية وتوسيع نطاق المواجهة في وقت تواجه فيه إيران حصارا اقتصاديا وبحريا متزايدا.
وقال الفك لـ”الحرة” إن الدعم الإيراني للحوثيين يمنح طهران نفوذا على خيارات الجماعة الاستراتيجية، حتى إذا كانت القرارات العسكرية لا تصدر مباشرة من القيادة الإيرانية.
وتقدم إيران للحوثيين منذ سنوات دعما عسكريا وتقنيا وسياسيا، فيما يؤكد الحوثيون أنهم يتخذون قراراتهم بصورة مستقلة وأن علاقتهم بطهران لا تعني أن إيران تحدد أهداف عملياتهم.
ويعلن الحوثيون انتماءهم إلى ما يسمى “محور المقاومة”، لكنهم يرفضون تصوير عملياتهم على أنها تنفذ بأوامر إيرانية.
كما يقول الحوثيون إن الهجمات الأخيرة على السعودية جاءت ردا على 121 غارة سعودية قالوا إنها استهدفت محافظات مأرب والبيضاء والحديدة وتعز والجوف.
ويجعل هذا التداخل بين المواجهة الأميركية – الإيرانية في الخليج والهجمات الحوثية على السعودية من الصعب الفصل بين ساحات التصعيد المختلفة، لكنه لا يثبت وحده أن طهران أمرت بالهجمات الأخيرة.