واشنطن العاصمة 06:10 PM

معضلة كهرباء لبنان.. سوريا الممر لا العلاج

فاتورة الكهرباء باتت معادلة صعبة تواجهها عائلات لبنانية مؤخرا مع ارتفاع جديد في كلفة المولدات الخاصة، في بلد لا تزال فيه كهرباء الدولة ضيفاً لساعات محدودة.

· 5 دقيقة قراءة
شارع مظلم أثناء انقطاع التيار الكهربائي في بيروت - 3 يوليو 2020.. رويترز/محمد عزاكر.
شارع مظلم أثناء انقطاع التيار الكهربائي في بيروت - 3 يوليو 2020.. رويترز/محمد عزاكر.

“إيجار منزلي 700 دولار، وفاتورة مولد الكهرباء وحدها بلغت 400 دولار.. ماذا يبقى من الراتب؟”. يسأل هادي ساخطا بعدما وجد نفسه يعيد تنظيم ميزانية أسرته بين أقساط المدارس والطعام والعلاج.

قبل أشهر، كانت فاتورة الكهرباء تتراوح بين 150 و200 دولار، قبل أن تقفز مؤخرا إلى نحو 400 أو أكثر، مع ارتفاع أسعار المحروقات على وقع اضطرابات مضيق هرمز.

وفي مقابل فاتورة ترتفع في الداخل، تتحرك خارج الحدود مشروعات لتوفير مزيد من الطاقة إلى لبنان: غاز عبر الأردن وسوريا، كهرباء أردنية، ونفط عراقي يعيد إحياء مسارات قديمة نحو المتوسط، مصادر مختلفة تلتقي جميعها جغرافياً عند سوريا.

داخل لبنان، يشدد رئيس تجمع أصحاب المولدات في بيت سعادة، عبدو سعد، على أن وزارة الطاقة والمياه هي من يحدد التعرفة. مشيرا في تصريحات لـ”الحرة” إلى ارتفاع سعر طن المازوت من نحو 680 دولاراً قبل أزمة هرمز إلى أكثر من 1350 دولاراً.

وتنعكس كلفة المولدات الخاصة بشكل مباشر على ميزانيات الأسر، لأن كهرباء الدولة لا تزال ضيفاً لساعات محدودة في لبنان.

ويضع أستاذ الاقتصاد جاسم عجاقة الزيادة ضمن مشكلة أوسع. فاعتماد لبنان على النفط المستورد، إلى جانب دولرة الاقتصاد (الاعتماد على العملة الأميركية)، يعني أن ارتفاع الأسعار العالمية ينتقل مباشرة إلى لبنان، دون أي آلية لاستيعابه.

ويشير في حديث لـ”الحرة” إلى أن المازوت يستحوذ على ما يصل إلى 80 في المئة من تكاليف تشغيل المولدات، كما تمتد تداعيات ارتفاعه إلى النقل والخدمات اللوجستية وأسعار السلع والخدمات.

لكن فاتورة مولد الكهرباء ليست سوى الجانب الأكثر شيوعا لأزمة أقدم في لبنان.

ويرجع مصدر رسمي سابق في قطاع النفط والطاقة، أحد جذور الاختلال إلى تسعينيات القرن الماضي، حين ثبُتت تعرفة الكهرباء رغم أن كلفة الإنتاج مرتبطة بأسعار النفط العالمية.

ويصف المصدر القرار في حديث لـ”الحرة” بأنه “غلطة مميتة”. فالتعرفة وضعت، بحسب قوله، عندما كان سعر برميل النفط يدور حول 28 دولارا.

ولم يكن الخلل مالياً فقط. لأن مؤسسة الكهرباء كلّفت شركة كهرباء فرنسا (EDF) إعداد دراسات لتطوير معامل الإنتاج وشبكات النقل.

لكن غياب القرار السياسي الموحد والمحاصصة حالا دون تنفيذها.

ومع رفع الدعم عن المحروقات عام 2021 وتعديل التعرفة، باتت المؤسسة تحصل سعراً أقرب إلى كلفة الإنتاج وتستخدم إيراداتها لشراء الوقود. لكن معالجة جانب من الاختلال المالي لم تحل مشكلة نقص الإنتاج.

ويضع الباحث في مجال الطاقة، مارك أيوب، الطاقة الشمسية والرياح على رأس الخيارات الأقل كلفة على المدى الطويل.

أما على المدى الأقرب، فيرى أن الأولوية تكمن في عقد اتفاقات مباشرة مع دول منتجة خارج نطاق مضيق هرمز، بما يتيح تأمين الوقود بأسعار أكثر تنافسية وشروط سداد أطول.

الغاز.. المسار الأقرب

ووسط هذه الصورة، يبدو الغاز المسار الأكثر تقدماً. ففي السادس من سبتمبر، وافق مجلس الوزراء الأردني على تزويد لبنان بالغاز عبر سوريا.

وتقضي الآلية باستيراد الغاز الطبيعي المسال عبر العقبة، وإعادة تحويله إلى حالته الغازية، ثم نقله عبر الشبكة الأردنية إلى سوريا ومنها إلى لبنان، بالتوازي مع تولي شركة TGS المصرية إعادة تأهيل الجزء اللبناني من خط الغاز.

وهذه الفكرة ليست جديدة، ففي عام 2022، وقّعت اتفاقية لنقل الغاز المصري عبر الأردن وسوريا إلى لبنان، لكنها لم تدخل حيز التنفيذ، بسبب “قانون قيصر”.

ويصف أيوب التحرك الجديد بأنه “خطوة جيدة”، لافتاً إلى أن الغاز “سيكون على الأغلب إسرائيلياً، وليس أردنياً أو مصرياً”.

ويقدّر عجاقة أن تحويل محطات التوليد الحرارية إلى الغاز يمكن أن يخفض كلفة الوقود لكل كيلوواط/ساعة من أكثر من 20-25 سنتاً إلى أقل من 12 سنتاً، إلى جانب رفع الكفاءة وخفض تكاليف التشغيل والصيانة.

لكن تحقيق ذلك، وفقا له، يصطدم بعوائق عدة، في مقدمتها التصنيف الائتماني للبنان ومحدودية قدرته على الوصول إلى السيولة الدولية، ما يجعل الموردين أكثر تردداً في توقيع عقود غاز طويلة الأجل دون دفعات مسبقة وضمانات بالعملات الصعبة.

كذلك تبرز المخاطر الجيوسياسية والتنظيمية المرتبطة بمرور الإمدادات عبر سوريا.

والغاز ليس المشروع الوحيد العابر لسوريا، إذ وقّع لبنان عام 2021، اتفاقية لشراء ونقل الكهرباء من الأردن عبر سوريا، لكنه “لم يطبق كذلك، بسبب قانون قيصر حينها”، كما يقول المصدر.

وفي مايو الماضي، بعد إلغاء العمل بالقانون، عاد الربط الكهربائي إلى طاولة البحث خلال اجتماع وزراء الطاقة في لبنان والأردن وسوريا في عمّان، مستفيداً من فائض الإنتاج الأردني، ولا سيما من الطاقة المتجددة.

هرمز يعيد النفط العراقي

ويبقى المصدر الثالث للطاقة أكثر تعقيداً. فمنذ أبريل الماضي، بدأت قوافل الصهاريج نقل النفط من العراق إلى بانياس، بعدما دفعت اضطرابات مضيق هرمز بغداد إلى البحث عن منافذ بديلة.

لكن ما بدأ كحل طارئ بات يبحث الآن كمسار طويل الأمد يمنح العراق منفذاً إلى المتوسط. وفي هذا السياق، وقّع العراق وسوريا مذكرة تفاهم لإعادة إحياء وتأهيل خط أنابيب حديثة–بانياس.

ويرى أيوب في المسار “خياراً جيداً يسمح للبنان بأن يرتبط بمشروعات طاقة إقليمية واستراتيجية”، لكنه يشير إلى محدودية قدرات التخزين وعدم جاهزية الطرق اللبنانية لاستيعاب حركة كبيرة من الصهاريج.

وحتى خط الأنابيب لا يحل المشكلة. فلبنان يحتاج إلى مشتقات جاهزة، فيما ينقل الخط النفط الخام.

ولدى لبنان خط تاريخي بين بانياس وطرابلس يمكن، بحسب المصدر، إعادة تأهيله إذا توافر التمويل والقرار، لكن المصفاة اللبنانية متوقفة منذ تسعينيات القرن الماضي، وتجهيزاتها لا تسمح حاليا بإنتاج مشتقات مطابقة للمواصفات الحديثة.

غاز من العقبة، وكهرباء من الأردن، ونفط عراقي يتجه غرباً.. 3 مصادر للطاقة يجمعها بلد واحد: سوريا.

يختصر أيوب المشهد بالقول إن سوريا “ستكون الممر الإلزامي للبنان”، مشيراً إلى أن حتى خيارات الغاز القادم من تركيا أو أذربيجان تحتاج إلى عبور الأراضي السورية.

بينما يؤكد مصدر رسمي لبناني لـ”الحرة” أن سوريا قادرة على المساهمة في حل أزمة الكهرباء في لبنان بحكم موقعها الجغرافي.

لكنه يشدد على أن الحل الأساسي يبدأ بإنشاء معامل حديثة تعمل على الغاز، موضحاً أن المعامل القائمة، حتى في حال تشغيلها بكامل قدراتها، لا تؤمّن سوى نحو ثلث حاجة لبنان.

ويلفت إلى أن العمل الثلاثي بين لبنان والأردن وسوريا يتقدم على أكثر من صعيد، “سواء من ناحية إمكان جلب الكهرباء عبر سوريا أو منها، أو إعادة تشغيل خط الغاز”.

ويوضح أن شركة TGS المصرية تعمل حالياً على صيانة الجزء الموجود في لبنان، بالتوازي مع صيانة سوريا الجزء الواقع على أراضيها.

ومن شأن هذه الخطوات أن تساهم في تخفيف الأزمة، إلا أن الحل الأساسي يبقى في زيادة قدرات لبنان الإنتاجية بشكل كبير.

كما أن تحوّل سوريا إلى ممر لا يعني بالضرورة أن الطاقة ستصل أرخص.

ويحذر عجاقة من خلط القرب الجغرافي بانخفاض الكلفة، إذ تدخل المعادلة رسوم العبور والأمن والصيانة والتأمين وتحديث البنية التحتية وشروط العقود. كما يمكن للخسائر الفنية وغير الفنية في قطاع الكهرباء أن تلتهم جزءاً من أي وفر قبل وصوله إلى المستهلك.

ولتقليص تعرض لبنان مستقبلاً إلى تقلبات الأسعار واضطرابات الإمدادات، يطرح عجاقة استراتيجية تقوم على 3 محاور متوازية: التوسع في الطاقة المتجددة وربطها بأنظمة تخزين، وإنشاء وحدات عائمة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال بما يقلل الاعتماد على خطوط الأنابيب، وإصلاح القطاع مؤسسياً.

وهكذا في المحصلة، تستطيع سوريا أن تفتح أمام لبنان طرقاً أوسع، وربما أقل كلفة للطاقة، لكنها لا تستطيع إصلاح قطاع الكهرباء نيابة عنه.

ولن يكون الاختبار في عدد الاتفاقيات التي توقّع أو الأنابيب التي يعاد تشغيلها، بل في عدد ساعات الكهرباء التي تصل إلى المنازل. وكل ساعة إضافية من كهرباء الدولة تعني ساعة أقل من المولد وفاتورة أخف.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة