واشنطن العاصمة 03:56 PM

عقوبات المستوطنات تشعل مواجهة إسرائيلية-أوروبية

المواجهة الجديدة تعكس تحولاً في موقف دول غربية من الاكتفاء بانتقاد الاستيطان واعتداءات المستوطنين إلى استخدام أدوات اقتصادية ودبلوماسية مباشرة.

· 7 دقيقة قراءة
وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش في منطقة "E1" في الضفة الغربية - 14 أغسطس 2025. (رويترز/ رونين زفولون)
وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش في منطقة "E1" في الضفة الغربية - 14 أغسطس 2025. (رويترز/ رونين زفولون)

بدأت الأزمة من المستوطنات في الضفة الغربية، لكنها سرعان ما انتقلت إلى القنصليات ومراكز التنسيق الأمني والدبلوماسي. فبعدما أعلنت بريطانيا فرض عقوبات وقيود تجارية تستهدف المستوطنات، وأيدت 11 دولة الخطوة بدرجات متفاوتة، ردت إسرائيل بسلسلة إجراءات غير مسبوقة ضد التواجد البريطاني، ملوحة بتوسيعها لتشمل فرنسا ودولاً أخرى.

المواجهة الجديدة تعكس تحولاً في موقف عدد من الدول الغربية من الاكتفاء بانتقاد الاستيطان واعتداءات المستوطنين إلى استخدام أدوات اقتصادية ودبلوماسية مباشرة، في وقت يرى فيه اليمين الإسرائيلي أن العقوبات ليست سوى محاولة خارجية لفرض تسوية سياسية يرفضها غالبية الإسرائيليين، على حد وصفهم.

وتقدم بريطانيا إجراءاتها باعتبارها محاولة أخيرة لمنع انهيار حل الدولتين، مستندة بصورة خاصة إلى خطط البناء في منطقة “E1” الواقعة بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم.

وترى لندن وعواصم عدة أن البناء في هذه المنطقة قد يقطع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، ويجعل إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً أكثر صعوبة.

وتشمل الإجراءات البريطانية فرض قيود على التجارة مع المستوطنات، ومنع تصدير أسلحة ومعدات يمكن استخدامها في دعمها، مع تأكيد لندن أنها تميز بين إسرائيل داخل الخط الأخضر والمستوطنات المقامة في الأراضي التي احتلت عام 1967.

كما ربطت بريطانيا خطوتها بتصاعد اعتداءات مستوطنين على الفلسطينيين، قائلة إن المحاولات الدبلوماسية المتكررة لم تدفع الحكومة الإسرائيلية إلى اتخاذ إجراءات كافية لوقفها.

وأعلنت فرنسا وكندا عزمهما اتخاذ عقوبات مماثلة، فيما تحدثت دول أوروبية أخرى، بينها دول إسكندنافية، عن إجراءات ثنائية تتناسب مع قوانينها الوطنية.

وبذلك، لم تعد القضية محصورة في بيانات تنديد أوروبية لا تترك أثراً مباشراً، بل دخلت مرحلة جديدة يمكن أن تمس حركة التجارة والاستثمارات والعلاقات السياسية مع إسرائيل.

الرد الإسرائيلي جاء سريعاً وحاداً، إذ عقد وزير الخارجية جدعون ساعر مؤتمرا صحفيا أوضح خلاله أنه بموافقة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو سيتم إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية وسحب تأشيرات العاملين الدبلوماسيين فيها، إلى جانب إنهاء عمل ممثلي بريطانيا في مركز الدعم الدولي لغزة في كريات غات.

وشملت الإجراءات كذلك وقف النشاط البريطاني في تدريب قوات السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، ضمن ما يعرف بـ”فريق الدعم البريطاني في رام الله”، ومنع 12 شخصية بريطانية منتخبة ومواطنين بريطانيين آخرين من دخول إسرائيل، بسبب ما وصفته الخارجية الإسرائيلية بمواقفهم ونشاطاتهم المعادية لإسرائيل، أو المنكرة لحقها في الوجود.

ويكشف تبني هذه الإجراءات عن رغبة إسرائيلية في إلحاق كلفة سياسية مباشرة ببريطانيا، لا سيما في الملفات التي تسعى لندن إلى ممارسة نفوذ من خلالها، مثل القدس وغزة والسلطة الفلسطينية.

وفي كلمة اتسمت بلهجة حادة، وصف ساعر العقوبات البريطانية بأنها “تدخل سافر” في شؤون دولة ذات سيادة ومحاولة للتأثير في الانتخابات الإسرائيلية. كما اتهم حكومة حزب العمال باستخدام قضية المستوطنات لتحقيق أهداف سياسية داخلية، وربط توقيت القرار بمؤتمر الحزب وبالضغوط التي تواجهها الحكومة البريطانية.

ورفض ساعر الرواية البريطانية بشأن مشروع “E1″، مؤكداً أن قرارات البناء في المنطقة لم تُتخذ حديثاً، وأن إجراءات طرح العطاءات بدأت منذ أشهر.

وقال إن الحكومة الإسرائيلية أقرت إنشاء طريقين لتسهيل تنقل الفلسطينيين، أحدهما يربط منطقتي بيت لحم ورام الله، والآخر بين الزعيم والعيزرية، معتبراً أن هذه الطرق تنفي الادعاء بأن البناء سيقطع التواصل الفلسطيني.

لكن الاعتراضات الدولية لا تتعلق فقط بإمكان انتقال الفلسطينيين بين المنطقتين، بل بطبيعة التواصل الجغرافي والسياسي المطلوب لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، وهو ما يجعل “E1” واحدة من أكثر خطط البناء الاستيطاني حساسية منذ سنوات.

ولم يحصر ساعر تهديده ببريطانيا، إذ أكد أن إسرائيل ستتخذ، وفق تقديرها، إجراءات مضادة ضد أي دولة تنضم إلى العقوبات. ويضع ذلك فرنسا وكندا ودولاً أوروبية أخرى أمام احتمال الدخول في مواجهة دبلوماسية مماثلة مع إسرائيل.

في المقابل، يبدو الرد الذي أعلنته وزارة الخارجية محدوداً مقارنة بما يطالب به قادة المستوطنين وأحزاب اليمين. ففي أوساط حركة الاستيطان تُطرح مطالب بإلغاء اتفاقيات أوسلو، وتفكيك السلطة الفلسطينية، وتوسيع الاستيطان إلى داخل المنطقتين “أ”و”ب” الخاضعتين كلياً أو جزئياً لإدارة السلطة.

ويقول مؤيدو هذه الخطوات إن العقوبات لم تنشأ فقط نتيجة تحركات الحكومات الأوروبية، بل جاءت أيضاً بفعل نشاط سياسي وقانوني تقوده السلطة الفلسطينية بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي ومؤسسات قضائية دولية. ولذلك يطالبون بجعل السلطة نفسها تدفع ثمن الضغوط المفروضة على إسرائيل.

ولا تبدو هذه الدعوات منفصلة عن التحولات التي تشهدها الضفة الغربية. ففي ظل الحكومة الحالية، ازداد نفوذ وزراء اليمين على الإدارة المدنية وسياسات البناء والتخطيط، بالتزامن مع إقامة مستوطنات جديدة، ومحاولات توسيع السيطرة الإسرائيلية على مناطق إضافية.

ويرى الباحث الإسرائيلي في الشؤون الفلسطينية يوحنان تسوريف أن العقوبات الأوروبية لن تغيّر على الأرجح سياسة الحكومة الحالية، لكنها قد تؤثر على حكومة إسرائيلية مقبلة إذا تغيرت تركيبتها بعد الانتخابات.

وقال تسوريف لـ”الحرة” إن الحكومة الحالية “رفعت إلى حد كبير شعار تجاهل المجتمع الدولي”، موضحاً أن الولايات المتحدة وحدها تحظى بثقل حقيقي في حساباتها، بينما لا تولي اهتماماً مماثلاً لمواقف الدول الأخرى.

وأضاف أن وزراء وصفهم بـ”الراديكاليين” اكتسبوا نفوذاً واسعاً بالنسبة لما يجري في الضفة الغربية، ويحاولون السيطرة على كل مساحة ممكنة وفرض وقائع تحول دون التوصل مستقبلاً إلى تسوية سياسية مع الفلسطينيين.

لكنه يرى أن الصورة قد تختلف بعد الانتخابات، خصوصاً إذا تشكلت حكومة جديدة لا تضم الوزراء الأكثر تشدداً، أو إذا قادت نتيجة انتخابية متقاربة إلى حكومة وحدة تستبعدهم. وفي هذه الحالة، قد تتحول العقوبات والضغوط الدولية إلى أحد العوامل المؤثرة في إعادة صياغة السياسة الإسرائيلية تجاه الضفة الغربية.

ولا يستبعد تسوريف أن تحاول حكومة يمينية مقبلة تنفيذ بعض التهديدات المتعلقة بإلغاء “أوسلو” أو إسقاط السلطة الفلسطينية، لكنه يرى أن الإقدام على خطوة كهذه قبل الانتخابات أمر غير مرجح.

لكنه أشار إلى أن معارضة واسعة لمثل هذه السياسة تتبلور داخل إسرائيل، يشارك فيها رؤساء أركان وقادة عسكريون وضباط شرطة ومسؤولون أمنيون سابقون، يحذرون باستمرار من اعتداءات المستوطنين ومن محاولات تغيير الواقع في الضفة بالقوة.

وتتبنى هذه الأوساط، وفق تسوريف، موقفاً معاكساً لموقف اليمين الداعي إلى تفكيك السلطة، إذ ترى أن المصلحة الأمنية الإسرائيلية تقتضي الحفاظ عليها وتقويتها، بسبب الدور الذي يؤديه التنسيق الأمني في منع الهجمات وضبط الأوضاع الميدانية.

وتحذر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية منذ سنوات من أن انهيار السلطة قد يترك إسرائيل أمام مسؤولية إدارة حياة ملايين الفلسطينيين، ويفتح المجال أمام فوضى أو صعود حركات مسلحة، ويضع أعباء أمنية واقتصادية كبيرة على الجيش والحكومة.

ومن هنا، لا تمثل الدعوات إلى إسقاط السلطة مجرد خلاف سياسي داخلي، بل صداماً بين رؤيتين: الأولى ترى في السلطة شريكاً أمنياً ينبغي الحفاظ عليه حتى في غياب عملية سياسية، والثانية تنظر إليها باعتبارها عقبة أمام توسيع السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية.

هاكابي بين العقوبات والاعتداءات

وفي موازاة التصعيد مع أوروبا، يحاول قادة المستوطنين دفع الولايات المتحدة إلى التدخل لمصلحتهم. وأجرى رئيس مجلس المستوطنات “يشع” يسرائيل غانتس لقاءات متكررة مع السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، تناولت إمكان اتخاذ واشنطن إجراءات رداً على العقوبات الأوروبية وفق ما كشف خلال حديث اذاعي.

من ناحيته قال هاكابي في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية إن الكلمة الأميركية الأخيرة بشأن العقوبات لم تُقل بعد، وإن فرض بريطانيا إجراءات على المستوطنات قد يقود إلى رد من الولايات المتحدة.

لكن تصريحات السفير ولقاءاته مع قادة المستوطنين لا تعني أن الإدارة الأميركية تبنت مطالب “يشع” أو المقترحات الداعية إلى إلغاء أوسلو وتفكيك السلطة. كما أن موقف هاكابي نفسه من الأوضاع في الضفة يبدو أكثر تركيباً من محاولة وضعه ضمن خانة واحدة.

فالسفير الأميركي، المعروف بمواقفه المؤيدة لإسرائيل وللاستيطان، زار قبل أيام بلدة ترمسعيا عقب اعتداءات تعرض لها فلسطينيون يحملون الجنسية الأميركية. وخلال الزيارة وصف أعمال الترهيب التي استهدفت السكان بأنها “إرهاب بكل تعريف”، مؤكداً أن السفارة مسؤولة عن تمثيل الأميركيين وحماية مصالحهم.

وكشف تسوريف لـ”الحرة” أن ضابطاً إسرائيلياً كبيراً سابقاً التقى هاكابي وسأله عما إذا كان وصف “الإرهاب” ينطبق فقط عندما يكون الضحايا مواطنين أميركيين، أم يشمل أيضاً الاعتداءات التي تستهدف فلسطينيين لا يحملون الجنسية الأميركية.

ووفق رواية تسوريف، أكد هاكبي أن الوصف ينطبق على الحالتين.

ويرى الباحث الإسرائيلي أن هذه الإجابة تدل على إدراك السفير أن اعتداءات المستوطنين تجاوزت حدوداً لا يمكن تبريرها، رغم مواقفه السياسية والدينية المؤيدة لإسرائيل.

ويبرز هنا التناقض بين مسارين متزامنين: الأول يسعى من خلاله قادة المستوطنين إلى الحصول على دعم أميركي لمواجهة العقوبات الأوروبية، والثاني تُطالب فيه الولايات المتحدة إسرائيل بمحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات، خصوصاً عندما تطال مواطنين أميركيين فلسطينيين.

المقاطعة ومن يدفع ثمنها

وتستند إسرائيل وقادة المستوطنين إلى حجة اقتصادية أخرى، مفادها أن العقوبات لن تضر بالمستوطنين وحدهم، بل تطال أيضاً عشرات آلاف الفلسطينيين العاملين في المناطق الصناعية والمصانع الإسرائيلية داخل الضفة الغربية.

وحذر ساعر من أن تراجع نشاط هذه المصانع أو مقاطعة منتجاتها قد يؤدي إلى فقدان فلسطينيين مصادر دخلهم، ويزيد الضغوط الاقتصادية داخل الضفة. ويكرر مسؤولو المستوطنات أن تجارب المقاطعة السابقة أدت إلى تقليص تشغيل العمال الفلسطينيين وإلحاق الضرر بعائلاتهم.

لكن مؤيدي العقوبات يرون أن تشغيل الفلسطينيين لا يمنح المستوطنات شرعية قانونية، ولا يعالج اختلال العلاقة الاقتصادية بين مستوطنات تتمتع بحرية الوصول إلى الأسواق والموارد، وتجمعات فلسطينية تعاني القيود والحواجز ومصادرة الأراضي.

وهكذا تتحول قضية العمال إلى جزء من معركة الروايات: إسرائيل تقول إن أوروبا تعاقب الفلسطينيين إلى جانب الإسرائيليين، بينما تقول الحكومات الأوروبية إن استمرار الوضع الحالي يعني تمويل التوسع الاستيطاني الذي يقوض مستقبل الفلسطينيين السياسي.

وبين أوروبا التي تقول إنها تحاول إنقاذ حل الدولتين، وحكومة إسرائيلية تصف العقوبات بأنها تدخل خارجي، ويمين يريد الرد بمزيد من الاستيطان، تبدو المفارقة واضحة: الإجراءات التي صُممت لوقف فرض الوقائع على الأرض قد تستخدمها حركة الاستيطان ذريعة لتسريعها.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة