دخل بنيامين نتنياهو ولايته الحالية في نهاية عام 2022 مستندا إلى ائتلاف من 64 عضوا في كنيست يضم 120 مقعدا؛ أغلبية مريحة نسبيا وفق المقاييس الإسرائيلية، لكنها بدت لاحقا هشة أمام سلسلة من الأزمات غير المسبوقة: الانقسام الحاد حول إضعاف الجهاز القضائي، وإخفاق السابع من أكتوبر، والحرب على غزة، واتساع المواجهات الإقليمية، والخلاف بشأن تجنيد اليهود المتدينين “الحريديم”، إلى جانب احتجاجات تطالب بلجنة تحقيق رسمية ومحاسبة القيادة السياسية.
ورغم ذلك، يصل الكنيست الخامس والعشرون إلى نهاية ولايته القانونية، ليكون الأول منذ الكنيست المنتخب عام 1988 الذي ينجح في ذلك من دون انتخابات مبكرة. أما إسرائيل، التي اعتادت خلال السنوات الماضية انتخابات متلاحقة وحكومات قصيرة العمر، فتدخل انتخابات 27 أكتوبر 2026 أمام سؤالين متلازمين: كيف صمد ائتلاف نتنياهو؟ وهل يُترجم بقاؤه في السلطة إلى فوز جديد، أم تتحول الانتخابات إلى محاكمة سياسية له؟
منذ تشكيل الحكومة، جمع الائتلاف أحزابا تختلف في أولوياتها، لكنها تتقاطع في حاجتها إلى بقائه: الليكود يريد استمرار نتنياهو في رئاسة الحكومة، والحزبان الدينيان، شاس ويهدوت هتوراه، يريدان الحفاظ على الموازنات المخصصة لمؤسساتهما والسعي إلى تسوية تعفي طلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية، بينما جعل حزبا “الصهيونية الدينية” و”القوة اليهودية” توسيع الاستيطان وتشديد السياسة تجاه الفلسطينيين في مقدمة مطالبهما.
ومن هنا، يرى المحلل السياسي الإسرائيلي، إيلي نيسان، أن ما بدا نقطة ضعف للحكومة تحول إلى سبب لاستمرارها.
وقال نيسان، في حديث لموقع “الحرة”، إن “ضعف الائتلاف كان مصدر قوته”، موضحا أن كل شريك كان يدرك أن إسقاط الحكومة قد يحرمه من الإنجازات والموارد التي حصل عليها، وأن الذهاب إلى الانتخابات لا يضمن له العودة بالقوة نفسها.
وأضاف أن الأحزاب الدينية حصلت على موازنات كبيرة، فيما حققت أحزاب اليمين الاستيطاني مكاسب لم يكن من السهل تحقيقها في ائتلاف آخر، واصفا العلاقة بين الشركاء بأنها قامت عمليا على قاعدة “أعطني لأعطيك”.
وبالنسبة إلى وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، لم يكن التهديد المتكرر بالانسحاب يعني بالضرورة الرغبة في إسقاط الحكومة. فبقاء الائتلاف أتاح دفع مشاريع استيطانية، وإضفاء صفة قانونية إسرائيلية على بؤر، وتوسيع الحضور الإسرائيلي في الضفة الغربية. كما أن استطلاعات رأي وضعت حزب سموتريتش، في مراحل مختلفة، قريبا من نسبة الحسم البالغة 3.25 في المئة، ما جعل الانتخابات المبكرة مخاطرة سياسية له.
أما الأحزاب الدينية، فوجدت نفسها في معادلة مشابهة: الخلاف على قانون التجنيد كان عميقا وهدد الائتلاف أكثر من مرة، لكن إسقاط الحكومة كان قد يقود إلى ائتلاف أقل استعدادا لتلبية مطالبها. وهكذا، تحولت الأزمات إلى مفاوضات داخلية طويلة، من دون أن تصل إلى نقطة الانفجار النهائي.
بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023، انضم، بيني غانتس، وغادي أيزنكوت إلى حكومة طوارئ ومجلس حرب مصغر. منح انضمامهما نتنياهو غطاء سياسيا أوسع في المرحلة الأولى من الحرب، قبل أن ينسحبا في يونيو 2024 بسبب الخلاف على إدارة الحرب وغياب خطة سياسية لليوم التالي في غزة. ومع ذلك، لم يؤد انسحابهما إلى سقوط الحكومة، لأن ائتلاف نتنياهو الأصلي ظل يمتلك الأغلبية البرلمانية.
كما جعل استمرار القتال الدعوة إلى الانتخابات أثناء الحرب موضع خلاف، ومنح نتنياهو وقتا لإعادة بناء صورته كقائد يدير مواجهة متعددة الجبهات. وفي المقابل، بقي مطلب المحاسبة حاضرا لدى عائلات قتلى ومختطفين ومعارضين سياسيين، ولا سيما مع رفض نتنياهو تشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة في إخفاقات السابع من أكتوبر.
وتزداد حساسية هذا الملف مع توالي التقارير عن تحذيرات سبقت الهجوم. فقد ذكرت صحيفة هارتس أن رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان حذر نتنياهو قبل الهجوم من تحرك كبير تعد له حماس، وأن التحذير لم يُنقل إلى قادة الأجهزة الأمنية. كما نقلت صحيفة جيروزاليم بوست عن مصدر أمني أن رئيس جهاز الشاباك السابق، رونين بار حذر نتنياهو، في الأول من أكتوبر 2023، من أن حماس تعد “لأمر متطرف”، وأوصى باستهداف يحيى السنوار وقادة آخرين، لكن التوصية لم تُقبل.
هذه المعطيات تمنح خصوم نتنياهو مادة انتخابية مباشرة: ليس فقط من يتحمل مسؤولية إخفاق ليلة السابع من أكتوبر، بل ماذا عرف رئيس الحكومة قبلها، وكيف تعامل مع التحذيرات؟
في الجهة المقابلة، برز غادي أيزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق، بوصفه المنافس الأكثر جدية لنتنياهو. دخل أيزنكوت حكومة الطوارئ بعد السابع من أكتوبر، وفقد ابنه غال خلال القتال في غزة في ديسمبر 2023، ثم انسحب من مجلس الحرب والحكومة في يونيو 2024. وبعد مغادرته حزب “المعسكر الرسمي”، أسس حزب “يشار”، الذي بات ينافس الليكود ويتقدم عليه في بعض الاستطلاعات.
لكن التقدم على الليكود لا يعني تلقائيا القدرة على تشكيل حكومة. ففي النظام البرلماني الإسرائيلي، لا يكفي أن يكون الحزب هو الأكبر؛ بل يجب أن يتمكن زعيمه من جمع تأييد 61 عضوا على الأقل. وتظهر الاستطلاعات تقاربا شديدا بين معسكر نتنياهو ومعسكر خصومه، مع بقاء كليهما، في عدد من السيناريوهات، دون الأغلبية المطلوبة.
ويقول نيسان لـ”الحرة” إن أحد السيناريوهات المتداولة لدى أيزنكوت هو محاولة تشكيل حكومة أقلية إذا تمكن معسكره من الاقتراب من 57 مقعدا، على أمل استقطاب أعضاء ساخطين من الليكود لإكمال الأغلبية. إلا أن هذا السيناريو يبقى معقدا، إذ يصعب ضمان انشقاق أعضاء من الليكود قبل معرفة مصير نتنياهو داخل الحزب.
أما الطريق الآخر فيمر عبر الأحزاب العربية، ولا سيما القائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس. غير أن أيزنكوت وبقية أحزاب المعارضة اليهودية يتعاملون بحذر مع هذا الاحتمال، خشية أن يستخدم الليكود اعتمادهم على دعم عربي، حتى لو كان من خارج الحكومة، لنزع الشرعية السياسية عن الائتلاف البديل.
وبحسب نيسان، “إذا اعتمد أيزنكوت على الموحدة، فسيشن الليكود عليه هجوما شديدا”، ولذلك قد يحاول الحصول على مساندتها من الخارج من دون ضمها رسميا إلى الحكومة. وتكشف هذه المعضلة مفارقة متكررة في السياسة الإسرائيلية: تستطيع الأحزاب العربية ترجيح كفة أحد المعسكرين حسابيا، لكن معظم الأحزاب الصهيونية ما زالت تتردد في التعامل معها بوصفها شريكًا كاملًا في الحكم.
ويحذر نيسان من التعامل مع الاستطلاعات باعتبارها نتيجة نهائية، مشيرا إلى الفوارق الكبيرة بين استطلاعات القنوات الإسرائيلية. ويقول إن النتيجة تتأثر بتركيبة العينة، وطريقة صياغة الأسئلة، والجهة التي تجري الاستطلاع، لافتا إلى أن القناة 14 تمنح الليكود ومعسكر نتنياهو عادة نتائج أعلى من القنوات 11 و12 و13.
خارجيا- لن تبقى آثار الانتخابات داخل إسرائيل. فملفات غزة ولبنان وإيران والعلاقة مع الولايات المتحدة تدخل الحملة بوصفها أدلة على نجاح الحكومة أو فشلها. نتنياهو يعرض العمليات العسكرية وإضعاف خصوم إسرائيل باعتبارها استعادة للردع بعد السابع من أكتوبر، بينما يقول منافسوه إن الإنجازات العسكرية لم تتحول إلى تسويات مستقرة، وإن استمرار الحروب لا يعفي القيادة من مسؤوليتها عن الإخفاق الأول.
وقد تدفع المنافسة نتنياهو وخصومه إلى تبني خطاب أمني أكثر تشددا. فأي وقف للحرب في غزة، أو انسحاب من مواقع في لبنان، أو تسوية إقليمية، سيخضع لحسابات انتخابية داخلية: هل سيُعرض باعتباره إنجازا يعيد المختطفين ويثبت الهدوء، أم تنازلh قبل اكتمال “النصر”؟ والأمر نفسه ينطبق على إيران، إذ يستطيع التصعيد تعزيز صورة القيادة الحازمة، لكنه يحمل أيضا مخاطر عسكرية واقتصادية قد تنقلب على الحكومة.
أما تغيير نتنياهو، فلا يعني بالضرورة انقلابا كاملا في السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين والمنطقة. معظم منافسيه الرئيسيين يأتون من المؤسسة العسكرية أو من يمين الوسط، ويتبنون مواقف أمنية متشددة في ملفات عدة. وقد يكون التغيير الأول، إذا حدث، في أسلوب اتخاذ القرار، والعلاقة مع المؤسسات الأمنية والقضائية، والبحث عن ترتيبات سياسية إقليمية، قبل أن يظهر في القضايا الجوهرية.
ويعتقد نيسان أن نتنياهو ما زال يمتلك ميزة لا توفرها الأرقام وحدها: فهو تحول، بالنسبة إلى قطاع واسع من ناخبي الليكود، إلى رمز للحزب نفسه، بينما بُني معسكر خصومه سنوات طويلة حول شعار “أي شخص إلا نتنياهو”.
ويضيف أن رئيس الحكومة “ثعلب سياسي” وقد يلجأ في الأسابيع الأخيرة إلى مناورات تستهدف إضعاف أيزنكوت وإعادة الأصوات المترددة إلى الليكود. لكن نتنياهو يدخل هذه الانتخابات من موقع مختلف عن جولاته السابقة؛ فهذه المرة لا يدافع فقط عن سياساته، بل يواجه سؤال المسؤولية عن أكبر إخفاق أمني في تاريخ إسرائيل الحديث، بعد ولاية نجت من كل محاولات إسقاطها.