مع اقتراب الولايات المتحدة من فرض حزمة جديدة من العقوبات المشددة على إيران، يوم الاثنين، تجد عدة دول نفسها أمام معادلة صعبة للتوازن بين مصالحها الاقتصادية مع طهران وخطر التعرض لعقوبات أميركية.
وأعلن ترامب، الأربعاء، عن “يوم الحسم الاقتصادي” ضد إيران، متوعدا بحملة غير مسبوقة لعزل اقتصادها ومعاقبة الدول والشركات والبنوك التي تتعامل معها.
وشددت الإدارة لهجتها بعد ساعات، إذ قال وزير الخزانة، سكوت بيسنت، إن التوجه لتغليظ العقوبات الاقتصادية يهدف إلى دفع نظام الحكم في طهران نحو الانهيار.
ويقول الدبلوماسي الأميركي السابق، زميل معهد واشنطن، جيمس جيفري، لـ”الحرة” إن الإدارة الأميركية ستركز بشكل أكبر على شركات ومؤسسات مالية محددة تمارس أنشطة تجارية أو تسهّل عمليات التجارة مع إيران.
وفي تصريحات بدت أنها تعبر عن مخاوف داخل إيران من العقوبات المتوقعة، قال الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، إنه سيكون من الأفضل لإيران إنهاء الحرب الآن، بينما هي في أوج قوتها والعالم يعترف بانتصارها، على حد قوله.
وأقر رئيس البرلمان، المفاوض الرئيسي محمد باقر قاليباف، بالضغوط التي يتعرض لها الاقتصاد الإيراني، ونقلت عنه الوكالة الرسمية قوله إنه مهما كانت قوة إيران، فإنها لن تستطيع الصمود بينما يتضور المواطنون جوعا، والاقتصاد يعاني من تراجع النمو.
وفيما يلقي قائمة بأبرز الشركاء التجاريين لإيران:
الصين.. الشريك الرئيسي
عزز البلدان العلاقات التجارية بينهما في السنوات الأخيرة. وفي عام 2021، تم توقيع اتفاقية تعاون استراتيجي تمتد لمدة 25 عاما بهدف زيادة فرص التجارة والاستثمار، خاصة في مجالات الطاقة والبنية التحتية، مع تحديد هدف استراتيجي هو الوصول بحجم التجارة إلى 400 مليار دولار خلال هذه الفترة.
والصين في الوقت الحالي هي أكبر شريك تجاري لإيران، إذ تستحوذ على أكثر من ربع إجمالي حجم التجارة الإيرانية. ووفقا لبيانات منظمة التجارة العالمية، بلغ حجم التبادل التجاري 18 مليار دولار للواردات الصينية و14.5 مليار دولار للصادرات الإيرانية. وتصدر الصين لإيران منتجات صناعية ومعدات إلكترونية ومكونات تدخل في صناعة السيارات ومعادن وغيرها.
والصين هي أكبر مشترٍ لنفط إيران، فحوالي 80 في المئة من شحنات النفط الإيراني تتجه إلى الصين، حيث تستفيد المصافي الصينية من أسعار النفط الإيراني المخفضة. وتشير تقديرات شركة “كبلر” إلى أن الصين اشترت حوالي 1.38 مليون برميل يوميا من النفط الإيراني في عام 2025.
وللتهرب من العقوبات، فإن النفط الإيراني المهرب إلى الصين يتم تصنيفه على أنه ماليزي أو إندونيسي المنشأ، وتتم تسوية مدفوعاته بالعملة الصينية، وتنطوي العملية على سلسلة من الوسطاء يصعب تتبعهم.
يقول جيفري إن حجم التجارة بينهما يجعل الصين لاعبا رئيسيا.
لكنه يشير إلى أن الصين قلصت وارداتها النفطية، إلى حد ما مؤخرا، ومع ذلك لا يستبعد تغير الوضع مجددا.
الإمارات.. سبقت بخطوة
تشير بيانات منظمة التجارة العالمية إلى أن نحو 30 في المئة من واردات إيران، بقيمة تقارب 21 مليار دولار، تأتي من الإمارات. كما تتجه إلى السوق الإماراتية نحو 13 في المئة من الصادرات الإيرانية، بقيمة تقدر بنحو 7 مليارات دولار.
وبلغ إجمالي حجم التجارة الخارجية غير النفطية بين البلدين 6.6 مليار دولار في عام 2024، وفقا لبيانات وزارة الاقتصاد الإماراتية، وشكلت عمليات إعادة التصدير الجزء الأكبر من هذه التجارة.
وحاول البلدان خلال السنوات الأخيرة توسيع علاقاتهما الاقتصادية، رغم الخلافات على المستوى السياسي، وظل هذا التعاون الاقتصادي قائما حتى مع التزام الإمارات بالعقوبات الأميركية والدولية المفروضة على كيانات وقطاعات إيرانية.
ثم أعلنت أبوظبي، الأسبوع الماضي، وقف “جميع الأنشطة والتبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران”، وهو ما توقع محللون، تحدثوا لـ “الحرة، أن يكون له أثر كبير على إيران لأن الإمارات كانت مركزا لإعادة تصدير السلع إلى السوق الإيرانية، من الإلكترونيات والمعدات إلى السلع الاستهلاكية والمنتجات الزراعية وغيرها.
تركيا.. والاعتماد على الغاز
ترتبط تركيا وإيران بعلاقات اقتصادية وثيقة. وتستورد تركيا تقريبا كامل احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتُعد إيران مصدرا مهما لها، إذ توفر 13% من إجمالي واردات الغاز التركية.
ويبلغ حجم التجارة الثنائية بينهما ما بين 5 إلى 6 مليارات دولار سنويا، حسب منظمة التجارة العالمية.
وتشمل أهم الواردات الإيرانية الألومنيوم الخام، والزنك، والمنتجات الزراعية، بينما تصدر تركيا منتجات صناعية وزراعية ذات قيمة مضافة، مثل الآلات الصناعية، وقطع غيار السيارات، وفول الصويا، وزيوت البذور، واللدائن.
ولتجنب العقوبات، تتم تسوية المعاملات بشكل غير رسمي، أحيانا، عبر شبكات مصرفية محلية، وبعملات غير الدولار.
العراق.. احتياجات أساسية
بلغ حجم التبادل التجاري بين العراق وإيران أكثر من 12 مليارات دولار في عام 2025، وفقا للأرقام العراقية الرسمية. وتشمل هذه المبادلات بشكل أساسي الصادرات الإيرانية من المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية. وتشير تصريحات مسؤولين عراقيين إلى الرغبة بالوصول بهذه المبادلات إلى 20 مليار دولار سنويا.
لكن حجم التجارة شهد تراجعا خلال عام 2026 بسب الحرب والإغلاقات المتقطعة للمعابر الحدودية، وارتفاع تكاليف النقل.
تُعد الطاقة جزءا جوهريا من العلاقات الاقتصادية، إذ يدفع العراق لإيران ما بين 4 إلى 5 مليارات دولار سنويا مقابل الحصول على الغاز الطبيعي الذي يُستخدم في توليد الكهرباء.
ونقلت وكالة تسنيم الإيرانية للأنباء، مؤخرا، عن مدير عام مكتب غرب آسيا في منظمة تنمية التجارة الإيرانية، عبدالأمير ربيهاوي، إن تنظيم الأسواق الحدودية مع العراق وتركيا بات يعد أحد الأولويات الأخرى للمنظمة.
سلطنة عمان.. تعميق للعلاقات وسط الحرب
وبينما لعبت عمان تاريخيا دور الوسيط بين إيران والغرب، شهدت العلاقات التجارية أيضا تطورا، وإن كان متواضعا، خلال السنوات الماضية. ووصل حجم التجارة الثنائية بين عُمان وإيران إلى 1.5 مليار دولار في عام 2025، و345 مليون دولار في الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي، وفق بيانات رسمية من منظمة التجارة العالمية والمركز الوطني للإحصاء والمعلومات العُماني.
وبات البلدان على وشك إبرام اتفاقية التجارة التفضيلية بين البلدين التي تهدف إلى تسهيل حركة تبادل السلع، وتعزيز التعاون الاقتصادي الثنائي. وتجري أيضا مناقشات بشأن اتفاق لتنظيم حركة المرور من مضيق هرمز.
باكستان.. وسيط ولاعب اقتصادي
ارتبط اسم باكستان خلال الشهور الماضية بجهود الوساطة التي تبذلها للتوصل إلى اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران، في حين أنها أيضا من أبرز شركاء إيران التجاريين.
وتبلغ قيمة الصادرات والواردات بين الجانبين حوالي 4 مليارات دولار، خاصة في استيراد وتصدير النفط والقمح والأرز والماشية والأدوية. وفي أعقاب توقيع مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، في يونيو الماضي، أعلنت طهران وإسلام أباد رغبتهما في العمل على زيادة التبادل التجاري.
الهند.. تراجع كبير
وصل حجم التبادل التجاري بين الهند وإيران إلى 17 مليار دولار قبل فرض العقوبات على إيران، حيث كانت الهند من كبار مشتري النفط الإيراني. وانخفض حجم التبادل إلى 1.6 مليار دولار بين عامي 2025 و2026.
لكن في شهر أبريل الماضي، أصدرت الخزانة الأميركية إعفاء مؤقتا سمح للمصافي الهندية باستئناف استيراد النفط الخام الإيراني رسميا، وذلك بهدف تخفيف حدة الارتفاعات العالمية في أسعار الطاقة في ذلك الوقت.
روسيا.. تعاون في الظل
وسط العقوبات أيضا، بلغ حجم التجارة الثنائية بين إيران وروسيا نحو 1.2 مليار دولار في عام 2025. وتعتمد هذه المبادلات على العمل خارج النظام المصرفي الغربي تماما، وتشمل التكنولوجيا العسكرية، والمنتجات الزراعيةـ ومواد بناء السكك الحديدية، والمعادن.
ويتوقع جيفري أن تتراجع صادرات النفط الإيراني خلال الفترة المقبلة، “لأنه بمجرد تفريغ شحنات النفط الإيراني الموجودة حاليا في عرض البحر، لن يتبقى الكثير من النفط الإيراني المتاح للصين أو لأي طرف آخر، وذلك في ظل الحصار الأميركي”.
كانت الولايات المتحدة قد أدرجت على القائمة السوداء شركات صينة كبرى تنقل النفط الايراني الخام، ولاحقت بنك خلق التركي بسبب الالتفاف على العقوبات، وأصدرت سلسة من العقوبات على كيانات تتخذ من الإمارات مقرا لها بسبب اتهامات مماثلة.